الرئيسية » مقالات » من وحي الظلام

من وحي الظلام

يتوقف الزمن فجأة وتسترسل في الذكريات تبحث عن أسماء وقامات مرسومة بلا تظليل بينما حبيبتك لا تفارق قمة هامتك ، وتدخل مرحلة صراع جديد ومن نوع آخر ، قد يكون مكملا لما سلف ، وتقتل الصعقة المصنعة من مولداتهم لترسم بها خريطة وطن ، وتفتت قوائم الألماني من الكراسي الحديدية المنتشرة في زوايا الغرف الباهتة التي تشبه وجوههم ، وتقلب الآية رأسا على عقب كما تدور دواليبهم المركونة وراء الأبواب الموصدة .

حينما تقف صامدا كشجرة عارية في وجه رياح الخريف العاتية لتقتل من يريد قتلك ، وأنت تهمس في أذنيك أناشيد الصبا وزغاريد رخيمة لأول عرس حقيقي تدركه ، فيتحول الماء الخارق المتدفق من قسطل آخر غرفة من غرف فلسطين الى ندى لعشق عذري في صباح ربيعك صوت السياط التي تغز أضلاعك حتى القاصر منها تحولها الى زقزقة عصافير أجنحتها أقواس قزح وهي ترقص بين حفيف أوراق أشجار التين والزيتون في الوديان والتلال من وطن لم تشرق فيه الشمس بعد ، وجمرة أعقاب سجائرهم تكون بردا وسلاما يا إبراهيم .

وتزول معها بقايا ثقافة الخوف التي غرسها الاستبداد والطغاة ، ولا تنحني و بأظافرك المتسخة تكتب للتاريخ على جدران عتمتك دوواوينا ومعاجم بكل الأبجديات لأجيال ستأتي ولا تود أن تمر من هنا ، وتسرق خيوطا من بصيص النور المسترسل عبر الشقوق وتنسج منها وطن أحلامك الموءودة رغم الصمت و الظلام الداكن ورائحة البرد ، تفترش وتلتحف و تلف جسدك أغنيات الفرح وبعضا من كلمات أمك وحبيبتك ورفاقك الذين فارقتهم فجأة .

في زنزانتك هذه تتأمل العالم الذي جئت منه بشرا وحجر ، وتسرقك الوحدة من الوحدة لتختلي بنفسك وتراجع الذات والماضي لأنك لا تملك سواه وتدفن كل الآهات وتستبدلها بموسيقى الجمال والحياة والحرية التي فقدتها وتحولها مدرسة وتتعلم الفداء والتضحية ممارسة ، وتتيقن أن الكلمة وقصيدة ووردة حمراء سلاح ماض ، وتعلم جلادك أن هذا المكان قبره هو وزمان الحب والسعادة لابد انه آت ، و لك وطنا تتفجر الينابيع فيه وتجري الأنهار تجر هموم أبنائه وبناته

وتتقن فن الصمت والسلوان فأنت في امتحان ليس ككل الامتحانات في المدرسة تدرس وتجتهد لتعطي كل ما تعلمته وتجيب بدقة على كل الأسئلة كي تؤمن النجاح ، أما هنا على العكس تماما ويجب أن تنسى كل ما تعلمته ولا تجب عن أسئلتهم لتلمس جانب النجاح وتفتش بين حروف الهجاء المنتحرة في ظلامك الباهر البهي عن أسماء مرت من هنا ومفردات تلامس الواقع لتركب منها مفاتيح تنطلق به نحو غد أفضل وحياة سعيدة للأجيال القادمة .