الرئيسية » التاريخ » أهمية كوردستان بالنسبة للانكليز في القرن التاسع عشر والربع الاول من القرن العشرين /القسم الثاني –

أهمية كوردستان بالنسبة للانكليز في القرن التاسع عشر والربع الاول من القرن العشرين /القسم الثاني –

أما إمارة سوران التي حكمت منطقة حرير واربيل وفيما بعد أصبح مدينة راوندوز مركزا لها وأصبح مير محمد باشا(ميرى كوره) من أشهر أمرائها وبدأ حكمه في راوندوز سنة 1826م . ويذكر شرفنامه إن مؤسس هذه الإمارة في أصل شخص عربي من أهالي بغداد هاجر منها واتجه إلى قرية(هوديان)شمالي غربي راوندوز وفي أواخر القرن التاسع للهجرة(15م)زعامة ثم انتقلت زعامة هذه الإمارة إلى أبناء المنطقة فتوسعت وضمت إليها منطقة سوران بأكملها وبسط نفوذها على بعض مناطق التي كانت تحت سيطرة إمارة بابان المجاورة والمناطق الأخرى التي كانت تحت الاحتلال الصفوي.
واتخذت بلدة حرير مقرا لها وف زمن السلطان سليمان القانوني ضم الإمارة نظريا اسميا إلى سلطة والى اربيل وبقيت أسرة سوران تحكم الإمارة وراثيا وفي أواخر القرن العاشر للهجرة تصدت أمراء هذه الإمارة القوات الصفوية الغازية لعراق وأصبحت علاقاتها مع الباب العالي جيدة وفي نهاية القرن الثاني عشر نقل مركزها الإداري إلى مدينة(راوندوز)وشهدت الإمارة توسعا هائلا في عهد أميرها محمد بك ميركوره(1229-1254هـ) وشملت مناطق عديدة منها راوندوز هوديان شينه دولمر، سيدكان،خاكروك، بيرسنى، سهل سروان, بابشتيان بالكيان،اكويان) واستطاعت إن تبسط نفوذها أيضا على منطقة حرير وضم اليه اربيل وكويسنجق وسهل الموصل وعقره وزاخو ودهوك والعمادية ونصيبين وماردين وسنجار منتزعا هذه المناطق من الإمارات والولايات المجاورة ولكن استطاعت الدولة العثمانية من حصر هذا التوسع وجهزت قواتها بقيادة احد قادة صدر الأعظم السابقين والى سيواس وتمكن بمساعدة والي موصل من احتلال راوندوز واسر أميرها ميركوره واستبدل الموظفين المحليين بموظفين عثمانيين تدعمهم حاميات عثمانية وعين والي بغداد علي رضا باشا الاز كتخذاه ، نائبه حاكما على راوندوز لعله يستطيع فرض الحكم العثماني المباشر فيها وكان قرض هذا النوع من الحكم يحتاج إلى إخضاع كامل للعصبيات المحلية والى إدخال النظم الإدارية الكفيلة بتثبيت هذا الحكم ولم يكن هذا متوفرا لـ(علي رضا باشا اللاز كتخذاه) في ذلك الوقت، لذا اسند والى بغداد حكم راوندوز إلى رسول بك اخ ميركوره وعندما حاول رسول بك إن يستعيد ما لاخيه من استقلال ذاتي تصدى له والي بغداد نجيب باشا بقوة واضطر رسول بك الى الفرار إلى بلاد فارس سنة 1846م ومن هناك اخذ يثير المشاكل في وجه حكام راوندوز من قبل نجيب باشا ولكن دون إن يصل إلى نتيجة وعندما دب اليأس في نفس رسول بك عمد إلى التفاهم مع نجيب باشا على أساس إن يعيش في بغداد وعفا الله عما سلف وقد تم التفاهم في أيلول سنة 1846م بواسطة القنصل البريطاني العام في بغداد هنري رلنصون.
أما الرحالة جوستن بيركنس فانه ينعت محمد باشا بصفات غير لائقة ويعتبر شخص خارج على القانون ويقوم بنشر الخراب في كل مكان من مقاطعته ونشر الرعب في جميع الأقسام المتاخمة لها. ويورد إخبارا عن كوره مير وحركاته الدموية(حسب تعبير الرحالة جوستن) للقرى المنتشرة حول راوندوز وإخضاعه للتيارية كما بدد القرى النصرانية حيث وجدت بدون رحمة أو تحيز لذرائعه وحطم القرية البابوية الكبيرة القوش وكان لمحمد باشا(كوره مير)كما كان يدعي عشائريا والذي كان لديه20 ألف من الإتباع البدائيين على حد قول جوستن بيرنكس وقد قهر كوره مير في نهاية الأمر سنة 1836م من قبل الجهود المكثفة لكل من الجيشين التركي والإيراني ويتابع قوله فيصف كوره مير انه في الحقيقة رجل دم ويروى عنه مثلا انه في إحدى المناسبات عندما كان هاجعا يغط في نومه على سطح قلعته المتغطرسة العالية صيفا في ساعات الليل الحالك أزعجه بكاء طفلته اليافعة التي كانت محزومة في المهد بجانبه فاستيقظ ونهض حانقا واخذ الطفلة بيده وقذفها إلى النهر في أعماق القاع الساحق وذاع توحشه بين بني قومه الذين ظلوا يذكرون هذه المأساة المريرة وبعد إن قتل محمد باشا تم اختيار أخيه رسول باشا خلفا له.
عندما عاد رسول باشا إلى راوندوز كان معه600جندي مع عشرة مدافع وكمية كبيرة من البارود وعتاد كثير فشرع في إعادة تنظيم الحكم وظل يحكم بلاد سوران حرا مستقلا إلى سنة 1268هجرية ويقضي أيامه على أحسن ما يرام ففي تلك السنة أرسلت الحكومة العثمانية قوات كبيرة إلى العراق وملأت اربيل وكركوك وعقرة والعمادية وزاخو ودهوك بالجنود وانعم على رسول باشا بلقب امير الامراء من جانب نامق باشا والي بغداد ونصب حاكما على راوندوز وحرير وسيروان وباله ك وبراد وست وصدرالفرمان الهماوندي بذلك وبعد حين بعثت الحكومة العثمانية منشورا إلى رسول باشا تلزمه فيه بان يدفع سنويا إلى الباب العالي ثمانين ألف ريال.
وعندما تملص رسول بك من دفع المبلغ المطلوب بعد إن رفض دفعه لمدة ثلاثة سنوات والبالغ(240ألف ريال) وفي عام 1272ساق نامق باشا جيشا عرمرما على رسول باشا واصدر أوامره إلى والي الموصل واربيل إن يساعده بجنودهما وكذلك اشترك معهم العشائر الكوردية ولما وصلت نهر خليفان سارت بدلالة بعض الإدلاء من طريق مهجور لم تسده قوات رسول باشا وتوجهت نحو راوندوز ولما اجتازت طريق المشاة هذا أصابت الحيرة جنود رسول باشا وعندما سمع رسول باشا بذلك جمع الأهالي وقال لهم إني اترك المدينة كي لا يقع فيها القتال مادامت القبائل الكوردية خانتي واذهبوا انتم لاستقبال الجنود الأتراك وأدخلوهم المدينة بسلام وذهب رسول إلى سيدة كان ومن هناك اتصل بالحكومة الإيرانية وحدد له ولي العهد الإيراني محلا للسكن في شنو فهاجر إليه رسول باشا بأهله وحاشيته).
في حين يقول الرحالة جوستن بيرنكس((ألا إن الترك وجدوا إن ثقتهم به في غير موضعها في حين انه على مدى ثلاث سنين كان مجبرا بأن يتفادى العصيان وذلك قبل زحف الجيش التركي إلى إيران بواسطة التدخل الانكليزي رخص بتواجده راجعا كشخص اعتيادي ليسكن في بغداد)).
وازدادت اهمية كوردستان مع ازدياد التنافس الاستعماري والصراع الدولي واصبحت محط انظار الدول الكبرى بعد إن ادركت هذه الدول إن حربا عالمية وشيكة الحدوث وخاصة بعد منافسة المانيا للدول الكبرى حول المصالح في الدولة العثمانية((وأصبحت هذه الجهود والدراسات ذات التوجه السياسي والمخابراتي للانكليز في كوردستان مادة مفيدة لتبني عليها البريطانيون تخطيطاتهم وتكتيكاتهم السياسية لتحديد مصير المنطقة، وخاصة بعد الحرب العالمية الاولى)) .
وترجع بداية النشاط الانكليزي بكثافة في الدولة العثمانية عامة والعراق خاصة إلى ما بعد الحرب الروسية العثمانية 1877م ـ 1878م وعودة التهديد الروسي وقد لعبت روسيا دوراَ مهماَ لكسب ود بعض الشخصيات الوطنية الكوردية الى جانبه محاولة للتغلل في كوردستان ومن هذه الشخصيات هو(عبدالرزاق بدرخان)الشخصية الكوردية الذي أصبح في فترة حكم السلطان عبدالحميد رئيساَ لتشريفات قصره وبسبب حدوث خلافات بينه وبين السلطان عبدالحميد فتم اجباره على ترك قصر السلطان والحكومة العثمانية فعلم بذلك الروس واتصلوا بـ(عبد الرزاق بدرخاَن) فوراَ وهيأوا له طريق السفر الى مدينة(خوي)الكوردية في كوردستان ايران والتي كانت تحت التأثير الروسي وكان بدرخان جاداَ في اتصالاته مع الروس وعاقداَ العزم على تقوية التاثير الروسي في كوردستان ولم يكن قصد الروس من تلك الاتصالات الاهتمام بالقضية الكوردية بل كان ذلك من اجل مواجهة العثمانيين والحد من نشاطهم ونفوذهم في المنطقة ودعم ايران في مواجهة الاتراك وبسط الهيمنة الروسية على تلك المناطق وحاولوا استغلال حركة اسماعيل اغا شكاك(سمكو)ضد العثمانيين وذلك بدعمه وقدموا العون لعبدالرزاق بدرخان في بناء مدرسة كوردية في مدينة(خوي)الكوردية رغم المعارضة العثمانية التركية والايرانية مجتمعة ضد هذا التوجه القومي وعلى آثر ذلك ارسل بدرخان رسالة الى قيصر روسيا شكر فيها اهتمام القيصر بالكورد ودعم الروس لمشروعاتهم فاجابه وزير الخارجية الروسي انذاك(سانرنوف)القائم بالاعمال الروسي في طهران برسالة عبر فيها عن امتنان قيصر روسيا لاسماعيل اغا شكاك وبقية المساهمين في افتتاح المدرسة الكوردية. ومشاعرهم الطيبة تجاه القيصر وكانت منهج الدراسة في المدرسة المذكورة هي(التاريخ، والجغرافية، والرياضيات،على النمط الروسي وكانت في المدرسة مستوصف تديرها امراة روسية تتقن اللغة الكوردية وكانت تقوم بجولات في القرى الكوردية وكذلك كانت هناك ورشات للنجارة والخراطة والخياطة مجهزة بالالات الضروية وكذلك تم اقتراح باشتراك الاكراد في دار المعلمين القائمة في عاصمة ارمينيا ومن ضمن اهتمامات الروس بالاكراد في المجال الثقافي الكوردي هي فتح قسم خاص بتعليم اللغة الكوردية والاثنوغرافيا في جامعة بطرس بيرك وكذلك قيام جريدة(صوت باكو)الارمنية المؤسسة عام 1913بالاهتمام بالقضية الكوردية ونشر كتابات وتحليلات حولها لكسب ثقة الاكراد الا انه بعد قيام ثورة اكتوبر عام 1917م وسقوط القيصرية ذهبت وعود الاخيرة معها واصبحت وعودها حبراَ على ورق وانشغلت روسيا الجديدة بمشاكلها الداخلية))
. اما بالنسبة لالمانيا وتوجهها نحو الاكراد حيث اخذت المانيا تهتم بالاكراد وقام نائب القنصل الالماني في الموصل بزيارة كوردستان واعلن عن تأييد حكومته لمسألة انشاء الثقافة والعلم بين الاكراد وادعت الحكومة الالمانية بانها تنوي اعطاء عشر مقاعد دراسية مجانية للطلبة الكورد كما قرر الالمان فتح مدرسة في مدينة(وان) ولكن وعودهم ذهبت ادراج الرياح بعد ما تلقت معلومات من عملائهم من المنصرين البروتستانت بعدم وجود استجابة بين الاكراد لتقبل افكارهم في الوقت الذي كانت كوردستان قد جرى تقسيمها وتمزيقها بموجب معاهدة(سايكس ـ بيكو)السيئة الصيت
.وظهر الخطر الالماني في بغداد.وارادت بريطانيا الحفاظ على الطريق البري للاتصال بالهند، فقد قام العقيد مايلز بجولات بين العشائر في اطراف الموصل وتبعه بلودان برحلة إلى اطراف كركوك والسليمانية واربيل حتى عام 1881م .

Taakhi