الرئيسية » التاريخ » بمناسبة الذكرى السادسة والأربعين للإحصاء الجائر

بمناسبة الذكرى السادسة والأربعين للإحصاء الجائر

تمرّ في الخامس من شهر تشرين أول 2008 الذكرى السادسة و الأربعون على الإحصاء الاستثنائي الذي انسلخت بموجبه الجنسية السورية عن آلاف الأسر الكردية السورية ، بل و اعتبر المئات غيرها من الأسر الكردية في عداد المكتومين،حيث تكون أوضاعهم أسوأ..!

إن معاناة كل هؤلاء المواطنين السوريين في ظل هذا الظلم الجائر بحقهم ،ليمنعهم ضمن ما يمنعهم ، من حق العمل ، و الملكية ، و السفر ، و حتى النوم في الفنادق. . وسواها الكثير…. الكثير…..!
و من هنا ، فإن المطالبة بإعادة الجنسية إلى هؤلاء المواطنين السوريين ، و إنصافهم من كل ما حلّ بهم على امتداد ما يقارب أربعة عقود ( و هو ما عانت منه أجيال متتالية ) ليعتبر مطلباً وطنياً سورياً بامتياز ، يلحق أكبر الضرر ببلدنا سوريا ،على كافة الأصعدة، ناهيك عن إنه مطلب إنساني ملح .

منظمة حقوق الإنسان في سوريا -ماف تشارك المجردين والمكتومين مأساتهم وتطالب السلطات بالإسراع في معالجة قضيتهم وإعادة الجنسية للمجردين والمكتومين وإعادة حقوق المواطنة كاملة لهم ففي كل عام تزداد أعدادهم وتتفاقم معاناتهم أكثر وأكثر .

وضمن ملف خاص تصدره منظمة حقوق الإنسان في سوريا -ماف حول الذكرى الـ 46 للإحصاء الجائر شارك عدد من الكتاب مشكورين فيه ننشر قسماً من مشاركاتهم على أمل طباعتها لاحقاً ضمن سلسلة مطبوعات المنظمة

منظمة حقوق الإنسان في سوريا- ماف
www.hro-maf.org


إحصاء 1962 إجراء قسري أعوج
يخدم أهدافاً سياسية ملتوية وغير نزيهة .
ـ اسـتهلال :

بالنظر إلى التكوين العرقي والديني والمذهبي ، الذي يشكله النسيج الاجتماعي السوري بوجه عام ، وفي منطقة الجزيرة السورية ( اصطلاحاً ) بوجه خاص ، برزت معضلة وطنية وأخلاقية وإنسانية ، إثر لجوء السلطات إلى نوع من التحايل السافر ، على الحقوق المشروعة للمواطن الكردي ، بأن سلبته هويته الوطنية ، وأنكرت عليه ما اكتسبه وورثه عن آبائه وأجداده ، طيلة قرون عدّة ، محاولةً بذلك اقتلاعه من أرضه ، ودفعه إلى المجاعة والهجرة والتشرد ، بهدف صناعة نمط جديد من أنماط الغجر .

وفيما هو عليه واقع الحال ، وفيما هو متعارف عليه أيضاً ، بمنطقة الجزيرة ، ينقسم أبناء هذه المنطقة مواطنياً ، إلى ثلاث فئات :

ـ الفئة الأولى : فئة المواطنين ، وهي الفئة التي تتمتع بحدود معقولة من حقوق المواطنة ، من حيث استحواذهم على الوثائق الشخصية الضرورية لممارسة حياتهم اليومية ، كالبطاقة الشخصية ، وجواز السفر ، ومجموعة البطاقات الملحقة ، كالبطاقة المهنية ، وبطاقة التصويت في الانتخابات ، والتي تمكنها من متابعة معاملاته الورقية لدى دوائر الدولة . وتحتضن هذه الفئة ، القومية العربية قاطبةً ، وكذلك السريانية ، والآشورية ، وكافة الأقليات الأخرى ، ولكنها استبعدت منها جزءاً كبيراً من المواطنين الكرد ، وألحقتهم بالفئتين الثانية والثالثة .

ـ الفئة الثانية : وهي الفئة التي تكنى بـ ( الأجنبي ) ، وهي فئة تنتمي كسابقتها إلى ذات البلد ، وكانت فيما مضى تتمتع بذات الحقوق والواجبات ، إلاّ أنها تعرضت لمظلمة تاريخية وإنسانية ، نتيجة إحصاء قسري ومشوّه ، أجرته الدوائر الشوفينية في العام 1962 ، بقصد انتزاع الجنسية منها ، وتم فعلياً حرمانها من جنسيتها ، وبذلك تم انتزاع كافة حقوق وواجبات المواطنة منها ، كحقوق التعليم والسفر والاستملاك والتصويت ، أو بتعبير أدق كافة حقوق ممارسة الحياة الطبيعية ، التي منحتها كافة الشرائع والقوانين الوضعية لبني البشر . واستعيض هذا الفرد الذي كان مواطناً فيما مضى ، بشهادة تعريف من مختار المحلة أو القرية ، تثبت بأن هذا المواطن هو ( أجنبي ) !!!. وغالباً ما تُرمى هذه الوريقة بوجه صاحبها ، من قبل موظفي الدولة ، أو السلطات بمختلف إداراتها ، وحتى من قبل موظفي الفنادق ، عندما يرغب هذا الأجنبي في تمضية ليلةٍ أو بعض ليلة في فندق ، بدافع ضرورات الحياة ، كالسفر أو العلاج أو أي أمر طارئ آخر .

ـ الفئة الثالثة : وهي الفئة التي يطلق عليها تسمية ( مكتوم ) ، وهي الأخرى كسابقتيها ، تنتمي انتماءاً لا جدال فيه إلى ذات الأرض ، وكانت فيما مضى تتمتع بحقوق المواطنة ، إلاّ أنها شكل آخر من أشكال ضحايا ذات الإحصاء القسري المشؤوم ، وتتميز فئة المكتومين بأنها فئة لا تمتلك أية وثيقة تثبت آدميتها في هذا الكون . على قاعدة ( لم يرد اسمه في سجلات العرب السوريين ) !!!.

ـ شيء من التاريخ :

ليس من المفيد هنا ، التوغل في التاريخ كثيراً ، لأنه شأن الباحث المؤرخ أولاً ، ولأن موضوعنا لا يحتمل سرد تاريخ المنطقة ، إلا أنه لابد من الإشارة إلى مرحلة تاريخية قريبة ، حتى تتضح بعض الأمور ، التي تتعلق بأسباب ودوافع الحالة الراهنة ، التي وصل إليها الكرد السوريون ، نتيجة سياسات العزل والإقصاء والتهميش ، والتي مورست ضدهم بشكل مدروس وممنهج . ففي فترة الاحتلال العثماني ، والتي امتدت لأربعة قرون تقريباً ، وقبل أن يولد أجداد سايكس الإنكليزي وبيكو الفرنسي ، وقبل أن يتمكنوا من تلوين المنطقة باللونين الأحمر والأزرق ، كانت بادية الجزيرة مسرحاً للنشاط الزراعي ، من قبل القبائل الكردية المستوطنة ، وكانت مضيفاً ومصيفاً للقبائل العربية القادمة من الجنوب طلباً للمراعي ، وكانت السلطات العثمانية تعتبر سهول الجزيرة خزاناً استراتيجياً للحبوب ، وخاصة في فترات حروبها على الجبهات الشمالية ، وكثيراً ما تمرَّد الكرد على السلطات العثمانية ، ولا تزال الأحافير التي دأب الكرد على إخفاء مواسمهم فيها ، قائمة حتى تاريخ هذه اللحظات .

ناهيك عن المعارك التي خاضها الكرد ضد جيوش الاستعمار الفرنسي ، مدونين ملاحم البطولة دفاعاً عن وطنهم ، الذي سُميَّ فيما بعد الجمهورية العربية السورية . إنه لمن المشين أن يُقال لمواطن أقامت قبيلته وعائلته وأسرته على هذه الأرض أكثر من خمسمائة عام ، هذا على المدى المنظور ، أن يقال له : ( أجنبي ) . وبالتالي ، وتأسيساً على هذا المنطق المغلوط ، يُحرم من حقوقه الوطنية ، عبر انتزاع الجنسية منه ومن أبنائه وأحفاده وأبناء أحفاده أيضاً .

ـ لماذا هذا الإحصاء ؟.

من المعروف أن الإحصاء هو تعداد سكاني ، تلجأ إليه السلطات في معظم الدول ، بغية معرفة القوى البشرية ، والموارد الاقتصادية ، لاستخدامها كقاعدة بيانات ميدانية ، من قبل الهيئات الاقتصادية وهيئات التخطيط التابعة للوزارات المختصة ، بغية الاستفادة منها ، لوضع الخطط الخمسية أو العشرية التنموية ، وهذا ما لم يحدث في إحصاء عام 1962 ، ولكن ما حصل ، وبالاتكاء على وثيقة هامة ، سُميت بمقترحات ( محمد طلب هلال ) ، السيئ الصيت ، هو ومقترحاته ، والتي تسببت فيما بعد بأزمة وطنية وإنسانية ، لازالت تتفاعل وتتوالد تداعياتها خلال أكثر من أربعة عقود ، وتسببت في المزيد من المآسي والعذابات ، لمئات الآلاف من أبناء سوريا . ويبدو من هذه الوثيقة ، أن هذا الإحصاء لم يكن مكرساً لخطط تنموية ، أو ما شابه ، ولكنه كان مدروس النتائج ، وكما أسلفنا كانت الغاية منه صناعة نمط جديد من أنماط غجر العصر الحديث ، وذلك من خلال أوسع عملية تغيير ديموغرافي في تاريخ سوريا ، في الوقت الذي تبذل الكثير من الدول مجهودات قياسية ، من أجل توطين كافة أشكال ونماذج الحياة المرتحلة ، وهي إذ تسعى في مسعاها ذاك ، توظف الأموال الطائلة لهكذا برامج وطنية.

ـ أبرز مظاهر الإحصاء : في ظل غياب وسائل الاتصالات ، وندرة وسائط التنقل ، وبطء تمرير المعلومة ، في مطلع الستينات من القرن الماضي ، قررت السلطات إجراء أكثر الإحصاءات فجائية في تاريخ هذه المعمورة . وفي عجالة مستهجنة ، وبطريقة مبتكرة ومبتدعة ، انتشرت لجان الإحصاء في المدن والبلدات والقرى الكردية حصراً ، وفرضت حظراً على التجوال ، ودون سابق إنذار ، اقتحمت البيوت ، وأحصت ما كانت تريد إحصاءه ، وغيّبت ما لم تكن تريد إحصاءه .

واستعانت على ذلك بقوة حدسها ، المستمدة من تعليمات الدوائر ذات الاختصاص ، المعادية والحاقدة على كل ما هو وطني . فقد استبعدت من سجلات المواطنين ، الكثير من الآباء المجاهدين في فترتي الاحتلال العثماني ، والاستعمار الفرنسي ، والذين كانوا يحملون أوراقاً ثبوتيةً من مختلف دوائر الدولة ، وأبقت على بعض أبنائهم ضمن خانة المواطنين . زد على ذلك ، أن بعض العائلات تم تقسيمها وتجزئتها إلى ( نصف مواطن ، ونصف مكتوم ) .

ومما يثير الاستغراب ، أن بعض المواطنين الكرد كانوا غائبين عن قراهم ومدنهم ، بسبب التحاقهم بالخدمة الوطنية الإلزامية ، وتم تدوينهم تحت خانة الأجنبي أو المكتوم ، وتم انتزاع جنسياتهم ، بعد انتهائهم من أداء خدمة الوطن ، وخدمة العلم ، وفيما بعد أصبحوا بلا وطن ، وبلا عَلَم . ومما يحز في النفس ، أن والد كاتب هذه الأسطر حاز في تلك الفترة على وسام بطل الشجاعة في الجيش السوري ، وهو من أرفع الأوسمة على مستوى الدولة ، ومذيل بتوقيع وخاتم رأس الدولة آنذاك ، ولكن إثنين من أشقائه ، وثلاث من شقيقاته حازوا على مكافأة بديعة ، وتمثلت هذه المكافأة ، أنهم كانوا مكتومي القيد !!!.

هذا الوضع اللاشرعي واللاإنساني ، انسحب فقط على أبناء المنطقة من الكرد دون سواهم ، وتحديداً القاطنين منهم في منطقة الاستقرار الأولى ، والتي تتمتع بميزة هطول نسب عالية من الأمطار ، لا تقل عن 1200 مم مطري وتصل إلى 4000 مم مطري في بعض المواسم ، مما يجعلها من أخصب الأراضي الزراعية ، وذات مردود إنتاجي عالي ومرتفع ، دون اللجوء إلى عمليات السقاية ، قياساً إلى مناطق الاستقرار الثانية والثالثة ، وبذلك تكون كلفة الإنتاج منخفضة ومتدنية بشكل ملحوظ .

إن انتزاع الجنسية من المواطنين الكرد ، من خلال الإحصاء الجائر ، كان مقدمة لانتزاع أراضيهم الزراعية ، لتوزع فيما بعد كوحدات إنتاجية ، على مستقدمين آخرين من محافظات أخرى ، بهدف إفراغ المنطقة من أبنائها ، في عملية لاستبدال السكان الأصليين ، الذي عرفت فيما بعد بـ ( الحزام العربي ) . والتي كان الهدف منها ، إبعاد الكرد الذين يقطنون جنوب الخط الحدودي الذي رسمته اتفاقية سايكس ـ بيكو ، عن أبناء عمومتهم وأخوتهم ، الذين يقطنون شمال ذلك الخط الحدودي ، والذي تم تكريسه فيما بعد ، على أنه الحدود الدولية بين دولتي سوريا وتركيا .

ـ خمسة عقود من المعاناة : من المحزن جداً ، أن الكثيرين من أبناء هذه المنطقة ، قد ولدوا على هذه الأرض ، وترعرعوا عليها ، وتزوجوا عليها ، وأنجبوا المزيد من الأبناء والبنات عليها ، وتوفاهم الله عليها ، ثم دُفنوا تحت ترابها ، ولم يحملوا ذات يوم جنسيتها !!!.

ولم تشفع لهم حياتهم البائسة ، طوال هذه الفترة الزمنية الطويلة ، لإعادة حقوقهم المنتزعة ، في الوقت الذي هاجر العديد من أبناء هذه العائلات ، إلى شتى قارات هذا العالم ، وقد تمكنوا من الحصول على جنسيات جديدة ، في دول أخرى ، كالولايات المتحدة ، وكندا ، وأستراليا ، وألمانيا ، وبريطانيا ، وفرنسا ، ودول اسكندنافيا ، وغيرها ، بينما لا يزال ذووهم ، يعانون من مشقة الحصول جنسياتهم المسلوبة منهم ، داخل وطنهم .

ـ ماذا بعد ؟. حتى يومنا هذا ، لا تزال السلطات تُخضع هذه المسألة للتسويف والمماطلة ، وتحت حجج وذرائع واهية لا قيمة لها ، مما أدى إلى نفور ما يقارب من مليون مواطن سوري محروم من جنسيته ، من الوعود المتكررة ، وخلق حالة من الاشمئزاز من هذا الوضع المشين ، وتنامي واشتداد نزعة المقاومة لنتائج إحصاء 1962 الجائر ، بحق أبناء هذه الأرض ، والتي تم استصلاحها واستزراعها ، بمجهوداتٍ ذاتية ٍ، وبطرق بدائية ، وذلك قبل استقدام الآلة ومكننة الزراعة . وحين كانت الأرض تحتاج إلى الكثير من الجهد والوقت ، لعملية إعدادها للاستنبات .

السلطات السورية ، وبعد كل هذه المعاناة التي تكبدها أبناء منطقة الجزيرة ، مطالبة وبإلحاح ، وبدون تأخير ، العمل على تصويب الأوضاع الخاطئة ، والشاذة ، التي تسبب بها بعض الانتهازيين ، أمثال محمد طلب هلال ، الذي ترقى من ضابط صغير برتبة ملازم ، إلى مرتبة وزير ، كمكافأة له على مقترحاته ، والتي إن أصابت في مقتل ، فهي لم تصب سوى الخيرين والشرفاء من أبناء وطنه ، الذين جاعوا وتشردوا وعانوا ما عانوه ، لكي يستأثر هو وأمثاله بالقليل من حياة البذخ والرفاهية ، والتي هي لا محالة إلى زوال .

فرحان صالح بونجق

بمناسبة يوم الخرق الوطني 5 تشرين الأول

عام تلو العام نكتب، نصرح، نندد، نشجب، نرفع أصواتنا إلى أصقاع العالم لإعادة الجنسية لكن لا آذان صاغية، ولا بوادر لحل هذه المعضلة الإنسانية من قبل القيادة السورية، الذين وعدوا بإعادة الجنسية إلى الأكراد المجردين منها، والوعود المتكررة وفق كل المستويات القيادية، ولكن ليس هناك أي إرادة جادة لإغلاق هذا الملف بعد مرور ( 47 ) عاما على المعاناة الإنسانية التي يتعرض لها جزء كبير من الأكراد، حيث تزداد هذه المعاناة بمرور الزمن، وتزداد معها المشاكل الاجتماعية وتحدث شرخاً في النسيج الوطني السوري، فالكثير من الأكراد الذين جردوا من جنسيتهم السورية كانوا مواطنين سوريين يملكون الأوراق الثبوتية وخدم بعضهم الجيش ومازالوا يحملون دفتر خدمة العلم.

الكردي المجرد من الجنسية ( وكاتب هذه الكلمات واحد من ضحاياه ) ممنوع عليه التوظيف في الدوائر الحكومية حتى لو حصل على أعلى الشهادات من الجامعات السورية، وممنوع عليه تسجيل أملاكه الخاصة باسمه، فيقوم بتسجيل تلك الأملاك بأسماء غيره من أقاربه الذين يتمتعون بالجنسية أو بأسماء معارفه الموثوقين وغالبا ما ينتج عن ذلك من مشاكل اجتماعية، وممنوع عليه استكمال الدراسات الجامعية بعد التخرج من الجامعة، وممنوع عليه خدمة العلم، وممنوع عليه السفر خارج القطر، وممنوع عليه النوم في الفنادق السورية، وجملة من الممنوعات التي تسيء إلى سمعة سوريا في المحافل الدولية، وتزيد من الضغوط الدولية عليها، كانتهاك صارخ لأبسط مبادئ حقوق الإنسان، هذا الانتهاك الذي يأخذ طابعا جمعيا حيث يطال آلاف الأسر ويصنف في دائرة ” التمييز العنصري ” بوصفه مطبقا بحق أبناء قومية واحدة دون غيرها بالرغم من عيشهم في محيط متداخل أثنيا وطائفيا

لا يعرف الكثير من السوريين هذه المعاناة الممتدة على خارطة الوطن بطوله وعرضه، وهذه المأساة الإنسانية التي يتعرض لها جزء هام من النسيج السوري الجميل بقومياته واثنياته المختلفة، ولا يشعر بما يعانيه “مواطن” مثلي” يحمل بين طياته آلاف المشاكل، ومحروم من كافة حقوقه التي شرعتها الاتفاقيات الدولية وشرعة حقوق الإنسان، وحقه أن يكون مواطنا سورياً يحمل الجنسية السورية ويفتخر بها أمام العالم أجمع، وان يكون مواطناً من الدرجة الأولى كسائر السوريين، لا يحمل في جيبه الخلفي بطاقة حمراء أو صفراء مكتوب عليه ” خاص بأجانب الحسكة ” أو ” ممنوع من السفر وخارج القطر ” فأياً كانت المبررات والدوافع لاستبقاء هذه الحالة لمدة ( 47 ) عاما على حالها دون التطرق لمعالجتها، سيكون آثارها وخيمة على المواطن والوطن معاً، فقضية المجردين من الجنسية من أهم القضايا التي يجب حلها بأسرع وقت ممكن حتى لا تستفحل الأمور أكثر وتزداد معاناة هذه الشريحة أكثر مما هي عليه.

لا يشعر الكثير من المواطنين بمرارة هؤلاء الناس الذين فقدوا بين ليلة وضحاها ما يربطهم بتراب هذا الوطن المسقي بدماء يوسف العظمة وإبراهيم هنانو وغيرهم المئات من أبطال الاستقلال والتحرير، فمن يقف ضد إعادة الجنسية إلى الأكراد المجردين منها إنما يقف ضد الوطن بأكمله، يقف ضد الوحدة الوطنية والاندماج الوطني، فسوريا يجب أن تبقى حديقة جميلة بورودها وأزهارها المتعددة حتى نعطي للوطن رائحة الحب والجمال والتعايش السلمي، وهذه الحديقة تضم عرباً، وأكراداً، وآشوريين، وأرمن، وتركمان، وغيرها من القوميات المتعايشة ضمن إطار سقف الوطن الذي يجب أن يبقى محميا من كل حالات الفساد والإفساد المنظم للتعايش السلمي .

محي الدين عيسو – كاتب وناشط حقوقي سوري

الأكراد المجردين من الجنسية
(الأجانب)

جردت الحكومة السورية في عام 1962عشرات الألاف من المواطنين الأكراد من الجنسية (المواطنة) بدعوى أنهم أجانب تسللوا الى سوريا من الدول المجاورة لأسباب مختلفة ,والحقيقة أن هذه الرواية الرسمية لاتستند الى أدلة قانونية, ناهيكم عن كونها غير قابلة للتعميم , وان وجدت بعض حالات التسلل فهي حالات قليلة ونادرة لاترقى الى مستوى الظاهرة وذلك للأسباب التالية:
1- ان معظم هؤلاء لديهم ما يثبت أنهم من سكان سوريا قبل نشوء الدولة السورية , ومنهم من تولى مناصب قيادية عليا في الحكومات السورية قبل وبعد الاستقلال,والجيل الأول منهم خدم في الجيش السوري قبل واقعة الاحصاء التي جرت لأسباب سياسية عام 1962.
2- يقدر عدد الذين جردهم الاحصاء الاستثنائي وفق التفديرات150000فهل يعقل أن هذا العدد الكبير بل حتى10% منه تسلل الى سوريا دون أن يكون لأجهزة الأمن دور في ضبط الحدود وضبط هذه الظاهرة المزعومة.
3- لو قبلنا جدلا ادعاء السلطة,فما ذنب الجيل الثاني والثالث الذين ولدوا على الأرض السورية, ولا يعرفون الا سوريا وطنا,ولم يقبلوا غير أرضها ملاذا.
4- الأصول العائلية والقبلية والديموغرافية لفئة المجردين لاتختلف عن أصول المواطنين الأكراد الذين يحملون الجنسية السورية.
5- لماذا تجاهلت السلطة السورية ذلك التسلل في حينه, ولماذا لم تحقق في هذه الظاهرة وتكشف تاريخ تسلل هؤلاء الى سوريا.؟
6- لنفترض جدلا أن ادعاء السلطة صحيح وأن التسلل حقيقي, فلماذا لم تسحب الجنسية من السريان والأشوريين والأرمن والجاجان والشركس والتركمان أيضا؟.
وبناء على ما سبق لا يمكن أن تكون دعوى السلطة منطقية ومقبولة وقانونية.
ولتوضيح الأمر لابد من الرجوع الى الخارطة الديمغرافية و الاثنية والدينية والمذهبية في سوريا التي تتشكل وفق الواقع السكاني والتاريخي من العرب والأكراد والسريان والآشوريين والأرمن …الخ, والمجردون فئة من سكان سوريا ينتمون الى الاثنية الكردية حصرا التي تشكل ثاني قومية من حيث العدد في سوريا بعد العرب ,وترفض سوريا حتى تاريخه اعادة الجنسية اليهم رغم الوعود المتكررة, وتحرمهم من أبسط الحقوق الانسانية والوطنية, وكانت السلطة في العقود الأولى من عمر المشكلة تتعامل مع هذه الفئة كمواطنين بموجب وثيقة اخراج قيد أحمر, ولكن في السنوات الأخيرة أخذت تتنكر لحقوقهم شيئا فشيئا حتى وصل بهم الأمر الى الحرمان من أبسط حقوق الحياة الكريمة, فلا هوية, ولاحق في العمل ,ولاحق في الرعاية الصحية في مشافي الدولة ولاحق في السفر والعودة ولاحق في الملكية والتملك, ولاحق في توثيق عقود الزواج والطلاق في المحاكم الشرعية.ولاحق في الحقوق المدنية والخدمة الوطنية.ولاحق في التعلم في بعض مراحل التعليم……الخ.لقد استشرى الفقر والاستغلال بين هذه الفئة الكردية كنتيجة مباشرة للحرمان من الحقوق الأساسية الأمر الذي أدى الى انتشار الجهل والحاجة, ويعلم الجميع أن الجهل والحاجة تؤديان الى التطرف والعنف والتمرد كاسلوب وحيد لاستعادة الحقوق المسلوبة.
وخرجت السلطة في الآونة الأخيرة بنظرية جديدة تصنف المجردين بموجبها الى فئتين ,فئة يحق لها التجنس ,والفئة الأخرى لايحق لها وبذلك أضافت هم جديد الى الهم الأساسي , وهذ يدل على تخبط السلطة في مواجهة المشكلة, وهذه النظرية الأخيرة تشكل اعترافا ضمنيا أن هناك خطأ ما قد وقع بحق جزء كبير من هؤلاء المجردين ويجب تصحيحه,وبذلك فقدت نظرية التسلل المزعومة أهم أركانها ,ورغم التزام سوريا دوليا بتنفيذ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للمواطنين دون تمييز فان فئة الأكراد المجردين(الأجانب) تتعرض منذ بداية الستينات للتمييز المنظم الواسع النطاق على أساس الأصل القومي والوضع القانوني, ويؤدي ذلك التمييز في حالات كثيرة الى انتهاكات للحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يكفلها العهد الدولي,فالمادة2/1 تفرض على جميع الدول الأطراف في العهد الدولي احترام وكفالة الحقوق لجميع الأفراد المقيمين في أقليمها والداخلين في ولايتها دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الغير سياسي أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب أوغير ذلك من الأسباب, وتنص المادة3 على أن تكفل جميع الدول حق المساواة بين الرجال والنساء بما فيها التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في العهد المذكور, وتنص المادة23 على الحق في الزواج وتكوين الأسرة وتشترط على الدولة ضمان المساواة في الحقوق والمسؤليات بين الأزواج فيما يتعلق بشؤون الزواج والحياة الزوجية والطلاق, وتنص المادة 25/ ب على ضمان حق المواطنين في ترشيح أنفسهم والادلاء بأصواتهم في الانتخابات بعيدا عن أي قيود تمييزية .
ان اصرار السلطة السورية على حرمان الأكراد المجردين (الأجانب)من الهوية هو انكار للكرامة البشرية وانكار لحقوق الانسان الذي يشكل أساس الدولة والحرية والديمقراطية والعدل والسلام.وطالما أن السلطة لاتلتزم بتنفيذ العهد الدولي الخاص بهذه القضية فانني أهيب بالأخوة المجردين على تنظيم أنفسهم وتوحيد كلمتهم ومطالبهم والبدء بمسيرة النضال (التضامن) السلمي الديمقراطي لتعريف الرأي العام السوري والعربي والعالمي بمعاناتهم ومأساتهم والظلم الذي وقع عليهم ودفع السلطة على الاعتراف بحقوقهم واعادة الهوية اليهم وتعويضهم.

مرشد اليوسف

حول الجنسية وانتزاعها

نرى أن الحكومات في البلدان الأوربية المتقدمة تصعب حاليا عملية “التجنيس” من خلال وضع أسس ومطالب يجب تحقيقها من قبل طالبي الجنسية، وذلك لأن هذه المسألة تعتبر من المسائل الهامة جدا، من وجهة نظر القانون الوطني لكل من هذه الدول، ومن وجهة نظر القانون الدولي على حد سواء، ولأن هذه الحكومات تتحمل مسؤوليتها تجاه الشخص الذي يصبح “مواطنا” من خلال التجنيس، من كافة النواحي، فهي التي تدفع دية الرهائن المختطفين من قبل الإرهابيين والعصابات الاجرامية عن مواطنها أينما تم اختطافه في العالم الواسع، وهي التي تقوم بتأمين المحامين له عندما يتعرض لمشكلة قانونية في دولة بعيدة، كيفما كانت جريمته أو التهم الملقاة على عاتقه، حتى الاغتصاب وتجارة الرقيق الأبيض والمخدرات والتجسس والقتل…فالمواطن الذي عليه واجبات دفع الضرائب وحماية الوطن والمشاركة في البناء والعمران له الحق في الحماية والتأمين والأمن الصحي والغذائي أيضا، ولذا نرى الحكومات تضع العراقيل أمام “التجنيس” كونها تدرك تماما تعاظم مسؤولياتها تجاه كل مواطن جديد.. حتى أن مواطنا تركيا كان يعيش في ألمانيا وتم اختطافه في دولة أخرى من قبل المخابرات الأمريكية ونقل من هناك إلى معتقل “غوانتانامو” قد سبب للحكومة الألمانية اشكالا قانونيا كبيرا وأثار مشاكل نفسية عديدة، وقامت الحكومة الألمانية بواجباتها تجاهه أكثر من الدولة التركية ذاتها، وأعادته إلى ألمانيا رغم كل الصعوبات الديبلوماسية، وهو لم يكن يحمل الجنسية الألمانية بعد.

من جهة أخرى، لانعلم عن أحد في ألمانيا تم تجريده من الجنسية منذ أن جئنا إلى هذه البلاد، منذ ثلاثين عاما وإلى الآن، لأن القانون يضع مصاعب وعراقيل لاتعد أمام هذا الاجراء الذي يعتبر خرقا خطيرا للقوانين الدولية والوطنية الخاصة بحق “المواطنة”، في حين أن مئات الألوف من البشر من مختلف الجنسيات واللغات والأعراق والأوطان أصبحوا في ذات الفترة “مواطنين ألمان” لهم ما للمواطنين الآخرين من حقوق وعليهم ما على الآخرين من واجبات…

الجنسية هي نوع من الرابطة السياسية والقانونية بين المرء والدولة، والدولة ككيان مستقل بذاته تضع في هذا المجال القوانين الملائمة لمصلحتها ومصلحة مواطنيها، وهي حرة في ذلك، إلا أن المادة الأولى من اتفاقية لاهاي الدولية لعام 1930 وما قبلها من اتفاق دولي بشأن ذلك في عام 1924 في ستوكهولم قد وضعت قيودا واطارا عاما يجب أن تراعيه كل دولة، وجاء الاعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948 ليعكس ذلك الاتفاق المبرم على الشكل التالي في مادته الخامسة:

1) لكل إنسان الحق في جنسية معينة.

2) لايجوز استخدام التعسف في تجريد الإنسان من جنسيته أو الغاء حقه في تغيير تلك الجنسية.

واسقاط الجنسية يعتبر من الأمور الصعبة، لدرجة أن القانون الفرنسي يمنع ذلك بالنسبة لمواطنيها الأصليين تماما، ويمنع ذلك بالنسبة للمتجنسين الذين مضى على تجنسيهم عشر سنوات، في حين أن القانون الاسباني يسمح بذلك للمتجنسين فقط، دون المواطنين الأصلاء. طبعا يجب أن تكون أصول وأسباب موجبة تحمي حقه الإنساني في الاعتراض على ذلك ومخاصمة ومحاكمة الدولة حتى في أعلى المستويات القانونية في النظام القضائي.

وهذا الحق لم يتمتع به الكوردي المجرد من جنسيته السورية في يوم من الأيام… وهذا مناف للعدل والقانون.

والمجرد من الجنسية تضيع منه حقوقه الإنسانية، فهو ليس بمواطن وليس بغريب عن الوطن، إنه أجنبي في وطنه، وهذا ليس له مثيل في أي مكان آخر في العالم… كما يعد هذا نوعا من العقوبة التي رفضها معهد القانون في اجتماعه بمدينة البندقية في عام 1896 حيث أعتبر التجريد من أجل العقوبة غير مقبول على الاطلاق.

وعليه فإن معاقبة شعب كامل، كما حدث لشعبنا الكوردي بموجب قانون الاحصاء الاستثنائي الجائر في عام 1962 منافاة تامة للشريعة السماوية وللتشريعات الموضوعة التي تحتم وجود “الجنسية” للإنسان، وترفض “التجريد من الجنسية” بسبب نزعة سياسية لحكومة من الحكومات، وبخاصة فإن المادة /30/ من معاهدة لوزان الدولية لعام 1923 تنص على أن الرعايا العثمانيين المقيمين في الأراضي التي المنفصلة عن تركيا يصبحون بموجب أحكام هذه المعاهدة بملء الحق وضمن الشروط المحددة بالتشريع المحلي من تبعة الدول التي ألحقت بها هذه الأراضي”. في حين تنص المادة /36/ من المعاهدة ذاتها على أن النساء المتزوجات يتبعن وضع أزواجهن، والأولاد الذين تقل أعمارهم عن الثمانية عشر سنة يتبعون وضع ذويهم في كل مايختص بتطبيق أحكام هذا الباب”. وبموجب القرار رقم / 2825/ الصادر عن المشرع السوري في 1924 يتبين بأنه إلتزم بأحكام معاهدة “لوزان” فيما يتعلق بجنسية الرعايا المنفصلين عن الدولة العثمانية، فقد ورد في المادة الأولى من هذا القرار: “إن كل من كان من التبعية التركية مقيما في أراضي دول اتحاد سوريا بتاريخ 30 آب 1924 أعتبر حكما من الجنسية السورية وعد من الآن فصاعدا فاقدا الجنسية التركية”. وهذا يدحض مزاعم المدافعين عن حملة “التجريد الشامل” لأبناء وبنات الشعب الكوردي في سوريا بأن هؤلاء لم يكونوا مواطنين سوريين.

وحسب علمي فإن عقود عديدة من الزمن مرت على سكنى المواطنين الكورد في أراضيهم وقراهم ومدنهم في الجزيرة قبل اجراء وتنفيذ مشروع الاحصاء الاستثائي بحقهم، وعملوا في تلك الأراضي بسواعدهم كل يوم، كما مرت عدة عقود عليهم وهم في وضع “التجريد من الجنسية” منذ تنفيذ ذلك المشروع العنصري، ومع ذلك لم تتلطف الدولة تجاههم وتجاه عوائلهم وأحفادهم الذين يولدون وهم مجردون من الجنسية دون وجود أدنى حق في معاقبتهم على ذلك النحو العنصري البشع، في حين أن 5-7 سنوات فقط كافية على تجنيس إنسان “صومالي” أو “صيني” في الدانمارك أو الولايات المتحدة أو ألمانيا أو انجلترا… وأولادنا وأحفادنا نحن السوريين يصبحون أوربيين بحكم الولادة في هذه البلدان… فكيف يوجب القانون السوري على الكوردي أن يخدم خدمته الالزامية كأي مواطن سوري آخر، وفي الوقت نفسه يمنعه من ممارسة حقه الانتخابي أو حقه في الملكية أو حتى حقه في الاقامة في فندق دمشقي دون تصريح من قبل فروع المخابرات كونه لايحمل “الجنسية السورية!”؟

بعد حدوث الانتفاضة الشعبية العارمة في المناطق الكوردية في آذار عام 2004 وعدت الحكومة السورية ومن أعلى المستويات بحل مشكلة التجريد من الجنسية بالنسبة لجزء من الأكراد الذين شملهم المشروع العنصري (الاحصاء الاستثنائي” المبني على أساس من (المشروع الهلالي) لضابط الأمن السوري محمد طلب هلال الذي دعا صراحة إلى اذابة وتهجير وانهاء الوجود القومي الكوردي في البلاد من خلال تنفيذ 12 نقطة من مشروعه، ومنها نقطة “التجريد” اللاقانونية واللاشرعية تماما، ولكن وعود الحكومة لم تنفذ حتى الآن، والموضوع يحتاج إلى مرسوم تشريعي واحد من رئاسة الجمهورية يوضح أبعاد وخطورة بقاء هذه المشكلة، ويزيل الغبن الواقع على ضحايا هذا المشروع ويعوضهم تعويضا عادلا عما أصابهم من جراء تطبيقه، وبذلك تنهي الدولة إحدى أهم مشاكلها الموجودة منذ عقود طويلة في شمال البلاد، والتي قد تتحول إلى “عقب أخيل” في المستقبل إن لم تؤخذ مأخذ الجد من قبل السياسة والادارة في دمشق.

إن حلا عادلا لهذه المشكلة التي يعاني بسببها قطاع واسع من السوريين جزء لايتجزء من موضوع القضاء العادل وتطبيق القانون على الجميع دون اقصاء أو استثناء، وهذا سيعود بالفائدة على البلاد وعلى مجمل الشعب السوري. وهذا هو أحد المطالب الملحة والعادلة لحركة الشعب الكوردي السياسية في سوريا، كما أصبح مع الأيام – بسبب أهميته – مطلبا لمعظم فصائل الحركة الديموقراطية والوطنية السورية، في الداخل والخارج، ولم يعد أحد من المعارضين السوريين يصدق المزاعم العنصرية للذين طبقوا مشروع الاحصاء الاستثنائي أو سكتوا عنه طوال النصف قرن الماضي.

جان كورد


إعادة الجنسيّة ضرورة وطنيّة


يتناهى إلى أسماعنا أحياناً، من قبل هذا أو ذاك من المتشاطرين، كلامٌ أجوفُ من كلّ مضمون، يعكس خواء قائليه، وذلك في معرض الحديث عن مشكلة/ جريمة الإحصاء الجائر في محافظة الحسكة. ومن بعض ذلك الكلام: «ألم يملّ هؤلاء من ترديد وتكرار هذا الشريط البالي..؟!».. «ألن يكفّوا عن المتاجرة بهذه المسألة البسيطة..؟!». «يالهم من سُذَّج.. يالهم من عنيدين.. لم يعتبروا بعدُ.. ماذا نقول.. أكراد ورأسهم يابس..». إلخ تلك الأقاويل التي تنال من الكرديّ الذي هو الضحيّة على مدار عقود خلت، وما يزال فعل الإيداء به فاعلاً ومفعّلاً إلى تاريخه، حيث يراد، ويطبَّق المخطَّط المراد بحذافيره، إبقاؤه في حيّز المطالبة بإعادة الجنسيّة إلى المحرومين منها ممّن سُلخت عنهم، وسُلخوا عنها، وألقي بهم غرباءَ في وطنهم، منفيّين بين أهلهم، ضيوفاً في بيوتهم، لاجئين في أراضيهم، تحسب عليهم قطرة الماء منّة يستحيل ردّها، تحصى عليهم أنفاسهم، يُدفعون إلى سلْك عادات في العيش لا تليق بإنسانيّة الإنسان.. والكارثة الكبرى تكون حين الحديث عن أوضاعهم، بعد تخليف كلّ ذلك الركام الهائل، من الإرث الشائن، من مئات الآلاف من المعاملات والأوراق التي أثقلت الكواهل، ولم تجدِ نفعاً، ولا منحت أملاً، بلا أيْئست، فحلّ اليأس القاتل بعد التيئيس المدبَّر، والتهجير؛ القسريّ منه والمقنّع، حيث كلّ ذلكم، مع مآسٍ أخرى مُستجلبة، دفع قسماً كبيراً إلى الهجرة التي تناهبت الأرواح، وألقت بالإخوة بعيداً ونثرتهم في أرجاء المعمورة هنا وهناك..

قد يستغرب المرء عندما يسمع أو يقرأ عن إنسان يتمنّى أن يتعرّض لحادثةٍ ما..! لكنّ الاستغراب سيتلاشى عندما يعلم أنّ هذا الإنسان مكتوم غير معترَف به على أنّه موجود أصلاً، وسيدعو له بتحقيق ما يتمنّاه عندما تحوّله الحادثة من مكتوم إلى أجنبيّ. وهذا ما حصل بالفعل مع بعضهم، إذ تعرّضوا لحوادث، ولم يُعثر معهم على أيّة إثباتات تعرّف بهم أو تثبت شخصيّاتهم. كما اختلقت النكات المرّة والتهكّمات الأكثر مرارة. أُبْعِد عشّاق عن حبيباتهنّ بسبب جرمهم الذي ليس لهم يد فيه. حصلت مشادّات ومشاكل اجتماعيّة لا تحصى نتيجة الإحصاء الذي فرّق وشوّه ودمّر.

أن يؤجنب المكتوم فهذه خطوة مكلفة وصعبة المنال، تحتاج إلى موافقة كلّ الفروع، الظاهرة والمضمرة، وإلى قرارات وتوصيات وضبوط ومحامين وقضاة ، ثمّ ليكون الانتظار الذي لن يأتي إلاّ بعد إعجازات وإرباكات مهوّلة، ألا وهو انتظار التكرّم والتمنين عليهم بالمواطنة في وطنهم..

والسؤال حول ما الذي يمكن أن يضيفه المرء إلى ضياع أعمار وإضاعة أكثر منها، ولمَ..؟! هو إيلام لا بدّ منه للمشاركة في الدعوة التي يجب ألاّ تهدأ لأنّ هناك ما هو تيه في خضمّ الرُهاب الذي لم يُشفَ منه بعدُ؛ رُهاب المكتوم إن توطّن، أو «إن تصُدِّق عليه بمنحه الجنسيّة فمَن يضمن بماذا سيطالب غداً».. وإنّ غداً لناظره لَقريب..!

يقيناً، إنّ كلّ وعد غير منفَّذ، أو توصية غير محقّقة، محض سراب إن لم يتكلّل بالتطبيق المباشر، المستعجل غير المشروط وغير المؤجّل أو المُمطّط، كما أنّ كلّ حديث عن أنّ إعادة الجنسيّة حقّ أو….. هو أيضاً إلحاد بإنسانيّة الإنسان التي ينبغي أن تكون مقدَّسة، لا مُداسة ومدنٍّسة كما يجري العمل الآن وهنا تحديداً.. وكلّ تغاضٍ عن الجريمة جريمةٌ مضاعفة ينبغي الوقوف عندها، وعدم تمريقها لأنّ الضحايا يكثرون ويتكاثرون، وكوارثهم تتضاعف يوماً بيومٍ، وإعادة الجنسيّة عدا أنّه حقّ لا جدال فيه، ضرورة وطنيّة لا غنى عنها لتقوية الصفّ الوطنيّ، وسدّ الأبواب والنوافذ أمام المتربّصين الذين يحلو لهم الاصطياد في المياه التي تتعكّر بهم..

أخيراً أقول: هل يكفي أن تعاد الجنسيّة إلى المجرّدين منها؟ كيف يتمّ إنصاف مَن ارتحل منهم؟ كيف يُنصف الموتى؟ هل يفيد الاعتذار؟ هل يعاد الشباب الضائع؟ ما العمل مع الوصيّ الحائر على الأنقاض والنقائض..؟!!

أسئلة كثيرة وكبيرة. أحلامٌ مُجهضة بحجم الآلام الموطّنة. وطن يكفي جميع أبنائه. حلم واحد. كوابيس كثيرة.

هيثم حسين

أما آن الأوان لملف الإحصاء الجائر أن يطوى

تمرّ في الخامس من شهر تشرين أول من كل عام، ذكرى الإحصاء الجائر الذي جاء في العام 1962تطبيقاً للقرار رقم ـ 93 ـ 1962 والذي سلخت بموجبه الجنسية عن عشرات الآلاف من المواطنين الأكراد آنئذ بدعوى «تنقية سجلات الأحوال المدنية من هؤلاء المتسللين عبر الحدود التركية إلى الأراضي السورية!!».
وبهذا، فإن مواطناً نام ليلة الإحصاء يتمتع «بالمواطنة» استيقظ في صبيحة الإحصاء، ليغدو ـ أجنبياً ـ وبجرة قلم، تحقيقاً لمخطط سيىء الصيت في أذهان زبانية مرحلة الإحصاء الرجعية.
وأهالي منطقة الجزيرة يعرفون عشرات القصص التي تتقطر كاريكاتيرية، ومفارقات ساخنة
بهذا الصدد، وليس ابلغ من ذكر أن رئيس الأركان السوري توفيق نظام الدين في أول حكومة سورية غدا بموجب هذا الإحصاء أجنبياً..! ولن نسترسل هنا في إيراد أو اقتناص الأمثلة الكثيرة مثل: أن يغدو ابن أحد الشهداء الذين قاوموا الاستعمار، وغسلوا تراب الوطن بدمهم أجنبياً..! وهذا غيض من فيض.
نظرة قانونية:
يقول الأستاذ ممتاز الحسن: لقد أقرت كافة تشريعات الدول في العالم على حق الإنسان باكتساب جنسية ما، على أسس متنوعة ومختلفة، من دولة لأخرى، وحسب ظروف كل بلد على حدة.
ولقد أكدت الفقرة الأولى من المادة الخامسة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 10/12/48 على أنه لكل إنسان الحق في أن تكون له جنسية وقد نصت الفقرة الثانية من المادة الخامسة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن «لا يحرم أحد تعسفاً من جنسية ولا من حقه في تغييرها» وكذلك جاء في المادة التاسعة من مشروعي الاتفاقيتين اللتين وضعتهما لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة عام 1954 لتحرم تجريد الإنسان من جنسيته حين قالت: لا يجوز للدولة أن تجرد فرداً أو مجموعة من الأفراد من جنسيتهم لأسباب سياسية أو دينية أو لأسباب تتعلق بالجنس والعنصرية.
ويمضي الأستاذ الحسن بالقول: نصت المادة الثانية من المرسوم التشريعي 276 لعام 1969 على ما يلي: تثبت جنسية الجمهورية العربية السورية لمن كان متمتعاً بها وفقاً لأحكام المرسوم التشريعي رقم 67 الصادر بتاريخ 31 /10/ 1961 «أي قبل الإحصاء بعشرة أشهر فقط» وقد نصت المادة الأولى من المرسوم الأخير على الآتي:
أولاً: لمن يتمتع بالجنسية السورية في 22 شباط 1958.
ثانيا:ً لمن اكتسب جنسية الجمهورية العربية المتحدة من المواطنين السوريين في المدة الواقعة بين 22 شباط 1958 و 28 أيلول 1961.
أما الفقرة /هـ/ من المادة الثالثة من المرسوم 276/ 1969 فقد اعتبرت من ينتمي بأصله للجمهورية العربية السورية عربياً سورياً حكماً،والمنتمي بأصله هو «أن يكون أحد أصوله لأبيه مولوداً في سورية وتثبت الولادة للأصول بوثائق رسمية أو بالتحقيقات الإدارية».
وكذلك نصت الفقرة /د/ من الفقرة السابقة نفسها على أنه: يعتبر عربياً سورياً حكماً من ولد في القطر ولم يحق له غير ولادته أن يكتسب بصلة البنوة جنسية أجنبية.
ويورد الأستاذ الحسن موجبات سلخ الجنسية كما جاءت في قانون الجنسية على الشكل التالي:
1. الأسلوب القضائي: المنصوص عليه بالمادة /20/ من المرسوم أعلاه حيث يتم بحكم قضائي يصدر عن الجهات المختصة ضد كل من يثبت أن اكتسب جنسية الجمهورية العربية السورية بناء على بيان كاذب أو بطريق التدليس.
2. وأما الأسلوب الثاني الذي نصت عليه المادة /21/ من المرسوم نفسه فهو الأسلوب الإداري الذي يصدر من السلطات المختصة بمرسوم في حالات معينة حصرها القانون بسبع حالات وأهمها: الخيانة والتجسس وإقامة الصلات غير المشروعة مع العدو ومغادرة البلاد والمقصود بالحالة الأخيرة كما يراها الحسن هم اليهود الذين غادروا القطر للإقامة في فلسطين المحتلة بعد عام النكبة 1948.
بعض من المعاناة:
لا يحتاج أي دارس لواقع المواطنين الأكراد المجردين من الجنسية للتأكيد أن هؤلاء هم مواطنون حقاً، ويعيشون أباً عن جد في منطقتهم.
بيد أنه، رغم ذلك، سلخت الجنسية عنهم، وبذلك فقد حُرموا من حقوق كثيرة أهمها: خدمة العلم ـ الملكية العقارية والسكنية ـ الحرمان من الوظيفة لدى مؤسسات الدولة ـ عدم منح الطلاب منهم وثائق النجاح التي هي حق مشروع لهم حصلوا عليها عبر امتحانات عامة نظامية إذا كانوا مكتومي القيد ـ الحرمان من البطاقة التموينية الضرورية بأسعار رخيصة ـ لذلك يضطر هؤلاء لشراء هذه المواد من السوق السوداء بأسعار مضاعفة ـ الحرمان من الإسهام في الإدلاء برأيهم بل وحق الترشيح في الانتخابات والاستفتاءات ـ الحرمان من السفر ـ عدم تسجيل واقعات الزواج وعدم تسجيل الأبناء المتولدين عن تلك الواقعات.. ناهيك عن حرمان هؤلاء المواطنين من الكثير من الحقوق الأخرى كحقوق الانتفاع ـ بل الحرمان من حق الإنضمام إلى أية نقابة.. إلخ
إذا كانت عقلية مرحلة الانفصال 1962 قد أنتجت هذا الإحصاء، إلا أن استمرار هذا الإجراء الخاطئ على ما يقارب الآن من ربع مليون نسمة، كما جاء في أحد الإحصاءات التقريبية، هو أمر يدعو مرة أخرى إلى الدهشة، لاسيما وأننا الآن في بداية الألفية الثالثة، ونعلم بأن اية مركبة: طائرة ـ باخرة ـ .. إلخ يولد في داخلها مولود من أية جنسية اخرى، فإن له الحق بالحصول في أوروبا على جنسية البلد الذي تتبع له هذه المركبة، وثمة حالات كثيرة كهذه، باتت معروفة لدى الجميع.
يورد الصحافي ـ على محمود جديد (الثورة السورية العدد 10943 / 5/8/1999) في مقالة «هؤلاء الأجانب مواطنون» أن «أحد المحامين الذين تخرجوا من كلية الحقوق في جامعة دمشق من مواليد 1973 وقد زود بهذا البيان الذي يقول: لم يرد للمذكور قيد في سجلات العرب السوريين نتيجة إحصاء عام 1962 وبناء على طلبه أعطيناه بيان القيد المدون في سجلات أجانب المحافظة».
ويسأل هذا الصحافي قائلاً: فكيف لمن ولد في عام 1973 أن يكون له اسم في إحصاء جرى قبل الولادة بإحدى عشرة سنة.. إنه حقاً لسؤال صارخ ومحير، لايعرف الإجابة عنه إلا من وضع هذا القرار، ومن يرى ويصر على ضرورة استمرار هذا الإجراء التعسفي.
قرارات:
إن العدد الكبير لهؤلاء المواطنين المحرومين من الجنسية، وبالتالي كون المواطنة ضرورة ملحة، كالماء والهواء ورغيف الخبز بالنسبة إلى أي مواطن، لذلك فإن حاجة هؤلاء المجردين من الجنسية إلى دوائر الدولة لاسيما على صعيد تسجيل الولادات ـ المدرسة ـ الملكية.. السفر.. إلخ.. يدفعهم لمتابعة أمورهم وبالتالي تشكيل ضغط على المسؤولين في المحافظة، الذين وبغض النظر عن مواقفهم من هذا الإحصاء سواء أكانوا مع أو ضد هذا الإجراء الاستثنائي، فإنهم كانوا مضطرين على الدوام للاستفسار من الجهات الأعلى ـ في العاصمة ـ بخصوص هذه القضايا الملحة.
■ قرار: رقم 1852/ ش ـ التاريخ 30/ 12/1996
السيد معاون وزير الداخلية للشؤون المدنية
نرفق ربطاً قراري الحكم الصادرة عن المحكمة الشرعية حول تثبيت نسب أولاد مكتومين لوالديهم.
يرجى الاطلاع وبيان الرأي على أضواء توجيهاتكم السابقة.
مديرالشؤون المدنية بالحسكة.
خاتم وتوقيع
الحاشية: إلى مدير الشؤون المدنية بالحسكة:
يسجل الأولاد بسجل الواقعات فقط ريثما يتم تسجيل الزواج.
للاطلاع وإجراء المقتضى.
معاون وزير الداخلية
خاتم وتوقيع
■ إلى السيد محافظ الحسكة:
إشارة لكتابكم المرافق رقم 882 تاريخ 3/1/1988 لا نرى مانعاً من اعتماد صورة القيد المدنية الخاصة بالمسجلين في سجلات أجانب محافظة الحكسة في كافة المعاملات الرسمية وذلك لعدم وجود أية وثائق بحوزتهم سواها.
د. محمد حربة ـ وزير الداخلية.
يعمم على الدوائر..
محمد مصطفى ميرو ـ محافظ الحسكة
■ كاريكاتير 1: (أب وأعزب!!)
إن المواطن المتزوج من أجنبية ـ كردية ـ وبعد تسجيل زواجه في القيد المدني ـ سجلات الأجانب ـ لا يستطيع الحصول على بيان عائلي، وفي حال حصوله بطريقة من الطرق على هذا البيان فإنه يكتب فيه على الشكل التالي:
إسمه ومقابل وضعه العائلي أعزب!!
ويذكر فيه من ثم: أسماء الأولاد دون اسم الزوجة!!
■ كاريكاتير 2: تفوق بلا شهادة!
طالبة مكتومة القيد متفوقة في الشهادة الثانوية، أكدت لنا أن حلمها هو أن تشاهد بأم عينها: شهادتها الثانوية.
■ كاريكاتير 3: (آباء لا يورثون):
ثمة أملاك لعدد من المواطنين الأجانب ـ مسجلة في الفترة ما بين 1958 ـ 1962 في سجلات القيد العقاري بأسماء أصحابها الحقيقيين، ولكن بعد تحول هؤلاء المواطنين إلى أجانب فإنهم يتفاجؤون بأن حصة أبائهم لا تنقل إليهم..!
■ كاريكاتير 4: ممنوع البيع:
ثمة مناطق عقارية في محافظة الحسكة تبعد حوالي 200 كم عن الخط الحدودي التركي ويمنع فيها البيع بحجة أنها مناطق حدودية، بيد أن هناك مناطق في بعض محافظات القطر لاتبعد عن الخط الحدودي أكثر من 20 كم.. فقط..ويسمح فيها ببيع العقارات والبيوت السكنية..!!
■ كاريكاتير 5: تسجيل.. وتحقيق!
لايمكن تسجيل أي مولود من أبناء محافظة الحسكة مباشرة في سجلات القيد المدني، أسوة بسائر المحافظات السورية، إلا بعد إجراء تحقيق رسمي من الجهات الأمنية المعنية..!
■ كاريكاتير 6: خريجون دون وظائف!
آلاف خريجي الجامعات والمعاهد من المواطنين الأجانب دون وظائف حكومية.
كاريكاتير 7: وضاع الحب..
فتاة أجنبية في الخامسة والعشرين من عمرها، أكدت أنها خُطبت لشاب بعد قصة حب استمرت عدة سنوات، إلا أن ذوي الشاب قاموا بفك الخطبة حرصاً على مستقبل أحفاد المستقبل..!
■ كاريكاتير 8: «صباح الخير»
اندهش كل من تابع برنامج ـ صباح الخير ـ الذي يقدمه التلفزيون السوري (بتاريخ 6/9/2002) حيث تحدث المعنيون في المحافظة عن كل شيء في هذه المحافظة: الجغرافيا ـ الاقتصاد ـ السياحة ـ العمران ـ الثقافة ـ الفن ـ الفلكلور ـ وتم ذكر حتى أسماء بعض القبائل.. و… التي لا يزيد عدد سكانها عن… مئات الأشخاص، بينما تم تجاهل ذكر كلمة ـ أكراد ـ التي تعني بكل تأكيد أكثر من نصف عدد سكان الجزيرة.
■ كاريكاتير 9: إنهم لا يعرفونني!
شاب أجنبي قال لنا: إن إحساسي بكوني أجنبياً يبدو أكثر عندما لا يستقبلني بعض اصحاب الفنادق في المدن الكبيرة ـ داخل وطني ـ إلا بعد إحضار كتاب من شعبة الفنادق..
وهناك من لا يعرف في بعض المحافظات الأخرى حقيقة وضعنا إذ طالما تعرضنا لأسئلة من بعضهم من طراز: ما دمت أجنبياً فمن أي بلد أجنبي أنت؟ وما عاصمة بلدكم؟ و…
ولعل ما ينسينا مرارة واقعنا مع بعض هؤلاء، هو عندما نفكر بكيفية أن نشرح لهم حقيقة أننا مواطنون سوريون. وأجانب. الأمر الذي لا يصدقونه.!
■ كاريكاتير 10: قلق ومخاوف:
مواطن اجنبي سجل عقاراته باسم صديق له يثق به كثيراً، والآن يحس أنه في ورطة كبيرة! أجل لأن صديقه قد توفي! ويخشى بالتالي من ذمة ورثة صديقه الذين قد يعميهم الطمع فلا يعترفون بحقوقه..!
في مطار مدينة القامشلي وبتاريخ 8/9/2002 اضطررت لإضافة هذا الموقف الكاريكاتيري أيضاً: مواطن يحمل بطاقة أجنبي (وهي بطاقة من الورق المقوى الأحمر مختلفة عن البطاقة الشخصية وإخراج القيد) مكتوب عليها: غير صالحة لوثائق السفر وخارج القطر.
فساله أحد القيمين على مشاهدة البطاقات الشخصية وجوازات السفر وتدقيقها: العبارة واضحة وصريحة.. ترى كيف تسافر؟
فأجابه صاحب البطاقة الحمراء: اقرأ جيداً.. إنه يسمح لنا بالسفر داخل سورية..!
يحدث بعد أربعين عاماً من
الإحصاء الجائر..!!
لا أخفي عن القارئ الكريم، أن وضع المواطنين المجردين من الجنسية يحتل مكان الصدارة في القائمة الطويلة لمعاناة أبناء محافظة الحسكة رغم كثرة هذه المعاناة، في هذه المنطقة التي يقال عنها: إنها السلة الغذائية لسورية، بل إن حوالي 70 % من الاقتصاد السوري زراعياً ـ نفطياً ـ .. إنما تمنحه أرض هذه المنطقة المعطاء.
وبتصوري أنه بالمقابل ما من مسؤول في الدولة، إلا ويؤكد ضرورة إعادة النظر في وضع هؤلاء المواطنين، لكن ما يحدث هو أن الواقع يظل على الدوام كما هو، دون أن يتغير.
كذلك لا أخفي أن مواطني هذه المحافظة ـ وبخاصة الأجانب منهم أصحاب الشأن ـ متفائلون جداً هذه الأيام بأن يصدر قريباً قرار بخصوص إعادة الجنسية إليهم، وهي ـ لعمري ـ ابسط حقوقهم ـ بيد أن ما حدث مؤخراً كان صاعقاً بحق، ومخيباً للآمال العريضة لهؤلاء المواطنين، بل ولسواهم، ولكل من هو معني بالمواطن، وحقوقه الرئيسية، إذ صدر كتاب عن وزارة الداخلية رقم 2106 ـ 1/5 تاريخ 16/ 4/2002 يتضمن بأنه لايجوز إجراء عقود زراعية لهؤلاء الأجانب، فهذا من جهة نسف لحقوق مواطننا الأجنبي وآماله، وهو من جهة أخرى انحياز لكبار الملاكين أصحاب الحيازات الواسعة!! وذو دلالات تدعو إلى الخوف على حقوق أعداد كبيرة من الفلاحين الذين يستفيدون من أراضيهم منذ حوالي ثلاثة عقود، ويعزز من جديد شوكة الكثير من الملاكين الذين بدأوا يستردون أراضيهم بطرق ملتوية عديدة ملتفين على القانون، أو مدعومين منه على حد سواء..!
وهذه نقطة تحول مخيفة لابد من التوقف عندها وقرع أجراس الخطر لتبيان خطورة أبعادها..
وحقيقة، إن وضع هؤلاء المواطنين/ الأجانب هو في أقل تقدير عبارة عن حالة لا تتناسب وتطلعات بلدنا بأن يعيش حياة سعيدة كريمة في ظل قوانين تؤمن العدالة لسائر أبناء هذا الوطن، بل إن مصلحة البلد، لاسيما في هذه الفترة الحرجة التي تتطلب ـ ضمن ما تتطلب من أولويات ملحة جداً ـ وضع حد نهائي لمعاناة آلاف الأسر المجردة من الجنسية، والتي تعاني على الأغلب حالة فقر شديدة تدعو إلى الحزن حقاً، إذ ما أصعب أن يعيش المرء غريباً في بيته، ووطنه، وهو مفعم بحس الانتماء إلى هذا الوطن ضمن معادلة غريبة تكاد لا تصدق البتة.
أجل، إن إصدار هكذا قرار خصوصاً في عشية ترقب مواطننا له هو أمر ضروري، ونكاد نقول: الاعتذار من هؤلاء الناس الذين عاشوا طوال أربعة عقود من الزمان محنة حقيقية، بل وتشكيل لجان متخصصة لرفع الحيف عنهم، ومنحهم تعويضات مناسبة عن فترة المعاناة المريرة، ثم وأية تعويضات تعادل ذلك الحرمان الطويل من أبسط الحقوق المشروعة، بل ونبش صفحات الماضي لمعرفة دوافع أصحاب القرار، ومحاكمتهم.. لما ألحقوه من أذى إنساني بحق جزء كبير من أبناء وطننا الغالي، منطلقين من دوافع أكد التاريخ زيفها ومزاجيتها في أقل تقويم.. لها.
المراجع:
1. مجلة دراسات اشتراكية العدد 1 /1988 مقال للمحامي ممتاز الحسن ـ أوضاع الأجانب المحليين في محافظة الحسكة ومشكلاتهم.
2. دفاعاً عن قضية عادلة ـ منشورات يكيتي.
3. جريدة الثورة السورية ـ 5/8/1999 علي محمود جديد (هؤلاء الأجانب مواطنون
-4 كتبت المادة ونشرت في العام 2002 في الذكرى الأربعين للإحصاء الجائر

إبراهيم اليوسف

بصدد الإحصاء الاستثنائي
ها قد مضى 46 عاماً على أكبر عملية انتهاك ممنهج لحقوق الانسان ، حمله الفكر العنصري لأبناء بلده في سوريا , ذاك الفكر السادي الذي حرم اكثر من 120 ألف كردي و دونما وجه حق، من كافة الحقوق الانسانية والسياسية ، بدءاً بشراء عقار ليبنوا عليها أو يستفيدوا منها وليس انتهاءً بخدمة الوطن ، ليتم تسميتهم بـ أجانب محافطة الحسكة و ليصبح هذا العدد الآن ما يقارب الـ 300000 شخصٍ أو نحوه ، وليصبحوا هلاميين لا يعيشون حقيقة ً في الوطن و لا يستطيعون الانفكاك عنه، لآنهم ببساطة ممنوعون من السفر ، ولمّا يزالون اسرى المواعيد و المصالح الدولية ، فعلى الرغم من نشر مآسيهم في جهات العالم الاربع ، إلا أن صوتهم لا زال مقموعاً وخاضعاً لعملية العرض و الطلب الدولية.

من المعلوم أن عملية الاحصاء قد تمّت في الخامس من اكتوبر / تشرين الاول 1962 ، و على مدى عقود ٍ لم تحل هذه المعضلة الوطنية والانسانية ، مما نتج عنها واقع جديد وشريحة ٌ جديدة نتيجة الولادات الطبيعية ، عُرفت فيما بعد بتسمية ” مكتومي القيد ” ، وهي الفئة الاكثر تضرراٌ و تهميشاً .

وفي ظل استمرار هذه العملية اللاانسانية و اللاوطنية الجائرة ، فإن المآسي تزداد باطراد وتتفاقم الاوضاع سوءاً بالنسبة لضحايا الاحصاء ، فقد ادت هذه المأساة فيما ادت إليه ، إلى الشعور الدائم بالظلم والغبن والحيف و الاغتراب النفسي الحاد متجلياً في مظاهر الشعور بالعجز،الغربة النفسية ،اللامعيارية، الشيئية (التشيؤ)،اللامبالاه ،وما يستتبعها من مشاعر الحزن العميق و الكآبة و القلق و فقدان الأمل وحالات الإنتحار. .

ورغم المناشدات والنداءات المتكررة ( المحلية منها والدولية ) ، لا زالت السلطة متعنتة ومصرة على عدم حل هذه القضية الانسانية والاخلاقية والوطنية بامتياز.. الامر الذي دفع ولا يزال بالكثيرمن افراد هذه الشريحة وابناء الوطن الغيورين على وحدته ، بنقد النظام و فضح زيف ادعائاته التي لطالما كانت تذرّ الرماد في العيون وتتهرب من استحقاقات هذه الشريحة من ابناء الوطن السوري والمترتبة عليه .

من الجدير ذكره بأن السلطة تسمح لابناء هذه الشريحة بالدراسة وفق شروط قاسية ومجحفة ، ولكن حتى في حال التخرّج من الجامعات والمعاهد فإنه ممنوعٌ عليهم العمل في جميع القطاعات الحكومية ، الامر الذي انتج ولا يزال جيوشاً من العاطلين عن العمل والذين يملكون كفاءات ومهارات عالية ، لكن فرص توظيفهم معدومة ، فعلى سبيل الذكر فإن الاعلاميين والصحفيين ولكي يتم تسجيلهم في اتحاد الصحفيين لا بد ّ من توفر شرط ان يكون الصحفي عربياً سورياً أو من في حكمهم من اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948 ،حسب المواد 6 و 18 من شروط العضوية في الانحاد.

كما ان المادة 3 لعام 1990 تنص على أن اتحاد الصحفيين هو اتحاد مؤمن بأهداف الامة العربية في الوحدة و الحرية والاشتراكية وهو ملتزم بالعمل على تحقيقها وفق مقررات حزب البعث العربي الاشتراكي وتوجهاته .

ونلاحظ العقلية العنصرية التي تقف وراء مثل هذه الفرمانات والتي تُعدّ انتهاكاً صارخاً لحقوق القوميات الاخرى الموجودة في سوريا وفقاً للمادة 1 و 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

منظمة صحفيون بلا صحف تفنّد المزاعم التي تطلقها السلطة السورية بما يخص الحالة الديمقراطية لمؤسساتها الرسمية وغير الرسمية المرتبطة بها وبخاصة ما يتعلق بالمؤسسات الصحفية والاعلامية ، كما أن المنظمة وبالتضامن مع كل القوى والمؤسسات الحقوقية والانسانية ، في الوقت الذي تستنكر فيه بشدة وتدين استمرار جريمة الإحصاء اللاانسانية البشعة بحق هذه الشريحة الكبيرة من الكرد،فإنها تطالب رئاسة الجمهورية وحكومتها بالاسراع في انهاء هذه الازمة ووضع الحلول المناسبة لتعويض المتضررين من جراء هذا الاحصاء الجائر والذي مضى عليه اكثر من اربعة عقود و نيّف ، وتنادي كل الضمائر الحية اشخاصاً ومؤسسات ــ محلية ،اقليمية ودولية ، بالسعي الحثيث والعمل الدائم حتى تُرفع عن هذه الشريحة المآسي التي يعيشون تحت وطأتها .


منظمة صحفيون بلا صحف ـ مكتب ألمانيا


وهل ما سبق قليل ؟؟

يعني ماذا بقي حتى يضيف المرء عليه؟؟ بمجمل الأحوال هي جريمة نكراء بحق شريحة واسعة من الكرد، والآن ومع تراكم الخطأ في عدم التخلص من تبعات الإحصاء المشؤوم ، تزداد الصعاب أكثر فأكثر، ولا تبدو بكل أسف أية بارقة في تصحيح الوضع ، لا بل أن ثمة جهات لها المصلحة كل المصلحة في استمرار الوضع على ما هو عليه لغيات في نفسها، وهذه الجهات لا تفكر بمصلحة بلدنا سورية بالمطلق، إنما ترغب في إبقاء نار الفتنة وقادة، وضرب المصلحة الوطنية عبر خلخلة مفاهيم هذه الوحدة باستمرار الآلام التي الكبيرة والظلم الكبير الذي لحق بحق هؤلاء الأجانب الموطنين في أرضهم ووطنهم.

يقيناً أن هذه البلاد ستلقى ازدهاراً ورقياً حين تطوى هذه الصفحة المؤلمة، وهي بكل الأوصاف عار.. عار، ويجب أن تزال جميع آثارها، وهذا ما سيؤدي إلى تماسك وتواشج أكثر .. ونحن في سورية بجميع أطيافها أحوج ما نكون إلى التعاضد في وجه رياح عاتية قد لا تفرق بين كردي أو عربي، أو آشوري وأرمني، ومختلف الفسيفساء الجميل الذي تزخر به سورية ، ويفترض أ ن يكون سبب منعتها وقوتها لا ضعفها وتقهقرها.

آن الأوان ليفوز كل من فقد حقه بهويته الوطنية السورية أن يستعيدها مع الاعتذار الكبير من أولي الأمر، وطلب الصفح من أجيال غريبة في وطنها. .

عمر كوجري

حول الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة السورية عام 1962

قدم الضابط الأمني الشاب والمتعصب محمد طلب هلال، دراسة بعنوان((دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية)) يقول فيها: ((أجل لا حاجة بي لسرد تاريخ هذه القطعة من وطننا الحبيب-ويعني الجزيرة- وما جرى عليها من تآمر وغدر وإهمال،إذ الكل يعلم ذلك من أطماع الأتراك قديما،إلى أطماع الألمان إلى أطماع الفرنسيين والانكليز لا ضمها كقطعة غنية إلى أوطانهم –ما عدا الأتراك- بل لضرب القومية العربية(……) تلك هي تطورات المشكلة الكردية بخطوطها العريضة منذ ميلادها وحتى اليوم،واليوم وقد أصبحت تهدد الكيان العربي مغذاة من كل الجهات المعادية للقومية العربية قديمها وحديثها في الخارج والداخل…)).
تحت تأثير مثل هذا الوهم وتضخيمه،وضمن ظروف لم تكن سيطرة الدولة على الأطراف في مستواها الحالي،نبتت اقتراحات صادرة عن هذا الضابط ومن على شاكلته للقيام بإجراءات تمنع((سلخ منطقة الجزيرة على يد الكرد)) بزعمهم. وكأنما كان المناخ السائد في الخمسينات والستينات مهيأ لتكوين نظرة سلبية إلى الكرد،واتخاذ إجراءات مغرقة في السلبية ضدهم. ومنها : ((الإحصاء الاستثنائي لمحافظة الحسكة عام 1962 استنادا إلى المرسوم التشريعي رقم 93 تاريخ 23/8/1962 المتضمن إجراء إحصاء عام لسكان محافظة الحسكة المعدل بالمرسوم التشريعي رقم 108 تاريخ 28/8/1962 …)) –المجلة القانونية السورية لعام 1984- والذي أجري بطريقة غير واضحة الأهداف والأسباب –حينذاك- إلا عند أصحاب القرار،ولكنه تمخض عن نتائج مأساوية وكوميدية أيضا.
لقد تحول عدد كبير،قدِّر حينذاك بـ (150)ألف نسمة –إلى أجانب، أو حجبت سجلاتهم ليعتبروا مكتومين ،على الرغم من كونهم مسجلين في السجلات الرسمية،ومؤدين للخدمة العسكرية، وإن كان بعضهم-بسبب ظروف التسجيل-لا يزال مكتوما بالفعل -وهم قلة قياسا إلى الجميع- وهذا لا ينفي وجود حالات تنقل عبر الحدود-المصطنع سياسيا- وهي قلة أيضا.وموجودة في كل دول العالم.
كما اظهر الإحصاء نتائج غريبة،بعض أفراد الأسرة مواطنون والبعض الآخر أجانب.ولعل الأطرف هو ورود اسم وزير الدفاع السوري الأسبق (عبد الباقي نظام الدين) بين الأجانب مما عزز الشعور بالشك بدوافع الإحصاء خاصة إذا وقفنا على الملاحظات التالية:
1- إنه إحصاء استثنائي وخاص بمحافظة الجزيرة.
2-إن الأجانب جميعهم كانوا فقط من الأكراد،ما عدا حالات جد قليلة صححت فور اكتشافها.
3-رافق الإحصاء تدابير استهدفت الكرد فقط:
ا- عدم توظيفهم أو تعيينهم في المراكز الإدارية العليا والنظر إليهم بعين الاتهام..
ب-عدم قبول الطلاب في المدارس والمعاهد التي يتوظف خريجوها تلقائيا(دور المعلمين
مثلا) ومنع الكرد من ممارسة ثقافتهم ولغتهم الخاصة.
ج- حظر تطوعهم في الجيش أو قبولهم في سلك التعليم، خاصة.
د-إطلاق يد الأجهزة الأمنية في كل ما يتعلق بشؤون حياتهم على حساب القانون وأحيانا كثيرة كانت هذه الأجهزة تساهم في إيجاد نزعات أو تصرفات لدى بعض الأكراد لتتخذها ذريعة في تبرير إجراءاتها..
4-تم نزع يد الفلاحين الكرد عن الأرض التي يستثمرونها في منطقة حدودية موازية للعراق وتركيا بطول يقدر ب(375) كيلو مترا وعرض يقدر ب(10-15)كيلومترا..سميت هذه المنطقة رسميا ب (الحزام العربي) باعتبار الخطة تقضي بنقل الكرد منها وإسكان عرب محلهم، ثم غير الاسم إلى (خط العشرة) ف(خط المطر) وأخيرا (مزارع الدولة).وفيما بعد فككت مزارع الدولة هذه ووزع قسم كبير منها ضمن شروط خاصة.
5- تقديم تسهيلات للعرب المستقدمين –المستوطنين- من حلب والرقة إضافة إلى حالات كثيرة استفادت من مواقعها السلطوية والوظيفية ..
ولا نريد الدخول في تفصيلات نتائج أفرزتها الحالة،وانعكست على الحياة اليومية ..وهذا لا ينسينا القول بأن أخطاء قد ارتكبت من قبل الأكراد تحت تأثير الظروف التي أوردناها كرد فعل من جهة هي الأضعف ضمن علاقة غير متكافئة ،ولم يوفر الطرف الأقوى فيها المناخ المناسب لتصحيح الخطأ . ومع ذلك فلم تنتج عن هذه الحالات ما يمكن أن يسجل على الكرد ذنبا عظيما وعلى مستوى الوطن. بل بالعكس كان الكرد دوما وقودا للحرب مع إسرائيل،وقبل ذلك ضد الاستعمار الفرنسي.والشواهد أكثر من أن تحصى.
وأما النماذج التي تجلى فيها تحول المواطن المسجل إلى مكتوم أو أجنبي فكثيرة،والوثائق الدالة على ذلك أيضا بينة،وقد نشر صور لبعضها في بعض أدبيات الحركة السياسية الكردية،كما أنها في حوزة أصحابها ويمكن تقديم أمثلة عنها في كل وقت.
وأخيرا فإن الدعوى الشرعية التي وردت في ((مجلة القانون)) لعام 1984 وفي الصفحة :
( 861) و(862) والمتعلقة باجتهاد قضائي صادر عن نائب رئيس محكمة النقض،السيد:حسن القاضي،والأعضاء المستشاران: محمد كلزيه وسعدي أبو جيب، تلقي بعض الضوء على مثل هذه الحالة ونقتطف منها : ((… وكان القيد المدني للطاعن قد اظهر أنه سوري الأصل إلا أنه سجل في سجل الأجانب لأنه لم يرد له قيد في الإحصاء الأخير الذي جرى في منطقة الجزيرة،وكان الاجتهاد القضائي قد استقر على أن المسلمين من أهالي منطقة الجزيرة الذين كانوا في الأصل من السوريين إلا أنهم لم يأت لهم ذكر نتيجة الإحصاء الجاري في المنطقة لا يمكن اعتبارهم أجانب…))
ونرفق صورة عن ذلك مع هذا الاستعراض كدلالة وثائقية رسمية صادرة عن مصدر قضائي سوري توضح ((انه سوري الأصل إلا انه سجل في سجل الأجانب لأنه لم يرد له قيد في الإحصاء الأخير الذي جرى في منطقة الجزيرة)).
نستخلص من هذا السرد والتحليل أن عوامل متداخلة من شعور قومي متوهج إلى تأثيرات خارجية مختلفة ومخاوف نفسية واقعية أو مضخمة ومصالح فئات وأفراد طالت واقع اللحظة التي انبثق عنها تصور مبالغ في تكوينه وملامحه عما يمكن أن يفعله الكرد من اقتطاع محتمل لجزء من البلاد-كما يروج البعض الآن،وكما كانوا يروجون ماضيا،ولا نبرئ تيارا مغاليا من مضطهَدي المسيحيين في رسم الصورة السلبية سواء من خلال مواقع داخل الاتجاه القومي العربي ممثلا في الانتماء الحزبي البعثي خاصة،أو من خارج هذا الاتجاه العروبي ممثلا في أحزاب تخصه..
وإذا كان لا بد من تسجيل أخطاء ارتكبها الكرد فهي سوء التعبير عن أنفسهم أحيانا وارتباك الصياغات في ذلك.وقد كانوا متأثرين بواقع حياتهم المتخلفة من جهة والواقع تحت الضغط من جهة أخرى مما جعلهم في حالة رد الفعل أحيانا أكثر من حالة يقدرون فيها على الفعل الواعي بكفاية تتطلبها الظروف.وبالتالي فإنهم كطرف ضعيف ضمن المعادلة لا يتحملون نتائج ما حصل،أو –على الأقل- فإن قسطهم من هذه النتائج ليس إلا القليل قياسا إلى الطرف الأقوى والذين يدير الأمور من موقع سلطوي وهو العرب في هذه الحالة.
والحوار هو المفتاح لحل كل إشكالية واقعة أو متوقعة. ودائما –كما يقال – رأس الخيط في يد الأقوى والأعلم.
والله ولي التوفيق.
ملحق:
مجلة القانون السورية لعام 1984 /أحوال شخصية ص 861-862
شرعية أساس 256 قرار 232
تاريخ 28/3/1984
الرئيس:حسن القاضي نائب رئيس محكمة النقض
الأعضاء:المستشاران: محمد كلزية وسعدي أبو جيب
تثبيت زواج
إن الاجتهاد القضائي قد استقر على أن المسلمين من أهالي منطقة الجزيرة الذين كانوا في الأصل من السوريين إلا أنهم لم يأت لهم ذكر نتيجة الإحصاء الجاري في المنطقة لا يمكن اعتبارهم أجانب فيما يحتاجوا في معاملات زواجهم إلى موافقة وزارة الداخلية.
لما كان يتبين من ملف الدعوى أن الطاعن قد استدعى تثبيت زواجه من المطعون ضدها مع تثبيت نسب أولاده منها وتسجيل ذلك في السجل المدني.
وكان القاضي قد رد الدعوى بقولة أن الطاعن أجنبي ولا يجوز تثبيت زواجه من امرأة سورية إلا بعد ترخيص من وزارة الداخلية.
وكان القيد المدني للطاعن قد أظهر انه سوري الأصل إلا أنه سجل في سجل الأجانب لأنه لم يرد له قيد في الإحصاء الأخير الذي جرى في منطقة الجزيرة.وكان الاجتهاد القضائي قد استقر على أن المسلمين من أهالي منطقة الجزيرة الذي كانوا في الأصل من السوريين إلا أنهم لم يأت لهم ذكر نتيجة الإحصاء الجاري في المنطقة لا يمكن اعتبارهم أجانب بالمعنى المقصود بالمادة 40 من قانون الأحوال الشخصية حتى يحتاجوا في معاملات زواجهم إلى موافقة وزارة الداخلية.وإنه لا يمكن تطبيق أحكام المرسوم التشريعي رقم 272 لعام 1969 بحقهم،كما وان الفقرة الأخيرة من المادة 11 ونص المادة 542 من قانون أصول المحاكمات لا يسري بحقهم….
وكان ما سبق ذكره يجعل ما انتهجه القاضي في حكم الطعين لا يتفق مع القانون والاجتهاد المستقر…فهو لذلك حري بالنقض وينال منه ما جاء في أسباب الطعن.
لذلك تقرر بالإجماع:
1- قبول الطعن شكلا.
2-قبوله موضوعا ونقض الحكم الطعين

• جزء من دراسة بعنوان ” حول أسباب إحصاء 1962الاستثنائي في الجزيرة”.
محمد قاسم

ذكرى الإحصاء في هذا العام تحولت إلى
يوم وطني بامتياز
بحلول يوم الخامس من تشرين أول من هذا العام يكون قد مر على الإحصاء المشؤوم ستة وأربعون عاماً ، ففي مثل هذا اليوم طالت يد الشوفينيين العنصريين صناع الانفصال وتلامذة محمد طلب هلال أكثر من مائة وخمسين ألفاً من أبناء شعبنا الكردي العريق الذي يعيش على أرض آبائه وأجداده منذ مئات السنين لتعبث بمصيرهم وهويتهم وانتمائهم التاريخي إلى هذه الأرض في محاولة اعتباطية قذرة لتشطب من سجلات الوطنيين السوريين أبناء هذا المكون الأصيل من مكونات الشعب السوري المتنوعة كألوان الطيف .
لقد كان المرسوم التشريعي لحكم الانفصال الذي يحمل الرقم 93 وتاريخ 23 – 8 – 1962 ومن ثم لينفذ في يوم 5-10-1962 حكماً جائراً على أبناء شعبنا الكردي المسالم ليرمي بأكثر من مائة وخمسين ألفاً من المواطنين السوريين الأكراد خارج دائرة المواطنة غرباء في بلد لم يبخلوا في سبيل استقلاله بالدماء السخية ، وليجرد هذا الكم من الأكراد من جنسيتهم السورية بحجة (تنقية سجلات الأحوال المدنية من هؤلاء المتسللين عبر الحدود التركية إلى الأراضي السورية ) فغدا الابن مواطناً ، وصار الأب أجنبياً ، وغدت الأم أجنبية وصار الأب مواطناً ، وانفرد الكثيرون منهم من عداد أسرهم ليصبحوا بين عشية وضحاها أجانب ضمن الأسرة الواحدة التي ينتمون إليها ، وحدثت سخافات كثيرة ، وحصلت مفارقات أكثر ولن أطيل في سرد الأمثلة التي تبين المغالطات الكثيرة عدا عن المغالطة الرئيسية وهي عملية الإحصاء برمتها بل سأكتفي بذكر حالات كان من المفروض على الغيورين على هذا الوطن أن لا يتباطؤوا إلى هذا التاريخ في علاجها وإزالة آثارها السلبية فقد بات من المتعارف عليه أن السيد توفيق نظام الدين رئيس أركان الجيش السوري في أول حكومة سورية (غدا بموجب هذا الإحصاء أجنبياً..! ولن نسترسل هنا في إيراد أو اقتناص الأمثلة الكثيرة مثل: أن يغدو ابن أحد الشهداء الذين قاوموا الاستعمار، وغسلوا تراب الوطن بدمهم أجنبياً..! وهذا غيض من فيض ) .
وبنظرة قانونية إلى هذا الموضوع الذي أصبح شائكاً ومعقداً بمرور هذه العقود عليه نجد أن من حق الإنسان كائناً من كان أن يكتسب جنسية ما ، فإلى أي دولة ينتمي هؤلاء الأكراد طالما أنهم أجانب وما هي جنسيتهم قبل أن تسلخ منهم الجنسية السورية ، أليس من حقهم أن يحصلوا على الجنسية السورية – على فرض أنهم ليسوا سوريين – بعد ستة وأربعين عاماً ؟ وذلك بموجب (الفقرة الثانية من المادة الخامسة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن ( لا يحرم أحد تعسفاً من جنسية ولا من حقه في تغييرها ) وكذلك المادة التاسعة التي صاغتها لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة والتي تحرم على الدول أن تجرد الإنسان من جنسيته (لا يجوز للدولة أن تجرد فرداً أو مجموعة من الأفراد من جنسيتهم لأسباب سياسية أو دينية أو لأسباب تتعلق بالجنس والعنصرية)
وبعودة سريعة إلى الخلف ، وقراءة خاطفة للمراسيم التشريعية السورية التي صدرت نجد أن المادة الثانية من المرسوم التشريعي السوري رقم 276 الذي صدر عام 1969 تنص على إثبات الجنسية السورية على من كان يتمتع بها قبل الإحصاء (تثبت جنسية الجمهورية العربية السورية لمن كان متمتعاً بها وفقاً لأحكام المرسوم التشريعي رقم 67 الصادر بتاريخ 31 /10/ 1961 وقد نصت المادة الأولى من المرسوم الأخير على الآتي:
أولاً: لمن يتمتع بالجنسية السورية في 22 شباط 1958.
ثانيا:ً لمن اكتسب جنسية الجمهورية العربية المتحدة من المواطنين السوريين في المدة الواقعة بين 22 شباط 1958 و 28 أيلول 1961 ، كما أن الفقرة ( هـ ) كانت أكثر وضوحاً وحسماً عندما اعتبرت عربياً سورياً كل من (ينتمي بأصله للجمهورية العربية السورية عربياً ) أي يكون أحد أصوله (لأبيه مولوداً في سورية وتثبت الولادة للأصول بوثائق رسمية أو بالتحقيقات الإدارية ) .
لقد صودرت جنسية هؤلاء الأكراد الذين عاشوا ويعيشون أباً عن جد على أرضهم التاريخية في وضح النهار وعن سابق إصرار وتصميم ليجدوا أنفسهم وقد حرموا من حقوق المواطنة الكثيرة بل حرموا من المواطنة التي هي بمثابة الماء والهواء والغذاء ، وقد شكلت هذه الحالة ضغطاً متعدد الأبعاد والمجالات في العقود الماضية كما يرى السيد فايز سارة ( قبل أن تتحول إلى ضغط سياسي على الدولة والمجتمع وتتحول إلى قضية عامة تحتاج إلى حل سريع وجدي ) .
ولذلك طالبت المنظمات السورية لحقوق الإنسان السلطات السورية أن تستجيب لمطالب الأكراد المشروعة لأن (الأخطار الجدية المحدقة بسوريا أكبر من حجمنا جميعا، وهذا يتطلب منا تمتين الوحدة الوطنية عبر إزالة السلبيات والثغرات الموجودة في جسم الوحدة الوطنية ومن هذه الثغرات هي القوانين والمحاكم الاستثنائية المطبقة على المجتمع السوري عامة والشعب الكردي في سوريا خاصة )
وإزاء هذا الغبن الذي لحق بأبناء الشعب الكردي في سوريا ، لم تجد الحركة الكردية أمامها سوى اللجوء إلى فضح هذه الممارسات العنصرية مراراً وتكراراً في وسائل إعلامها المتواضعة مطالبة بإنصاف الكرد ورفع هذا الظلم والحيف الذي لحق بهم عن كاهلهم ليتمتعوا بالمواطنة الحقة ويشعروا بالمساواة الفعلية الملموسة على أرض الواقع بينهم وبين باقي مكونات الشعب السوري فلجأت الحركة الكردية إلى تصعيد أساليب النضال السلمي حتى بلغ بها الأمر إلى القيام بالاعتصامات العديدة في هذه الذكرى وعلى مدى سنوات ، وكانت السلطات الحاكمة في كل سنة تقابل هذه الاعتصامات بالقمع والضرب والملاحقة والاعتقالات وبالوعود المتكررة التي لم يتحقق منها حتى الآن شيء على أرض الواقع ، فتحولت الاعتصامات إلى تظاهرة وطنية حقيقية واستطاعت الجماهير الكردية المسالمة والعزلاء أن تكسر حاجز الخوف وتثبت لمن يقمعون هكذا تظاهرات واعتصامات سلمية أن هذا الأسلوب من النضال يتفوق على أساليب القمع والبطش الذين يرفضهما منطق هذا العصر .
في الختام نقولها بمرارة : لقد كانت الاعتصامات تقام في ساحة الشهيد يوسف العظمة ذلك الكردي الذي روى بدمائه تراب ميسلون ليبعد الخطر عن دمشق ويقول للفرنسيين (لن يمرغورو إلا على جثتي ..أنا الكردي السوري ..لن أقدر أن أصدهم أي نعم، سأقتل أي نعم ولكن دمائي الكردية يجب أن تزهر في هذا الوطن حباً ..ووحدة وطنية “حقيقية ) ولكي لا يخجل التاريخ من ذكر اسمي و( لا يذكر التاريخ يوماً أن القوات الفرنسية دخلت دمشق دون مقاومة ) . فماذا فعلوا بأبناء يوسف العظمة في ساحته وعلى مرمى حجر من تمثاله ؟
أجل لقد تحول يوم الخامس من تشرين الأول إلى يوم (وطني مشهود يعبّر أصدق تعبير عن التلاحم الكردي ـ العربي وتضامن فصائل المعارضة الوطنية مجتمعة مع قضايا الشعب الكردي ) وستجد الأجهزة الأمنية والسلطات السورية نفسها عاجزة عن إسكات الأصوات المطالبة بأبسط حقوق المواطنة ، والتي يأتي حق الجنسية في مقدمتها ، كما يعبّر عن الإمعان في مواصلة السياسة الشوفينية حيال الشعب الكردي، وإنكار وجوده التاريخي،والتنكر لحقوقه القومية ولشرعية حركته الوطنية ، وبهذه المناسبة، فإن عمليات القمع المتكررة لن يكون بمقدورها ردع جماهيرنا عن النضال في سبيل إلغاء كل أشكال التمييز بين المواطنين بسبب انتماءاتهم القومية، وإيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية في إطار وحدة البلاد ) .

في 5-10-2008