الرئيسية » مقالات » {قضية اجتماعية} منتحر … شهيد … أناني !

{قضية اجتماعية} منتحر … شهيد … أناني !

قال لي حين عاد :
” بعد أن واجهتني ظروف عاطفية صعبة جدا , ولم أستطع معها تحمل البقاء في عالم بلا من أحب وانهارت أمامي جميع ممالك الأمل في وجداني قررت الانتحار , نعم قررت أن أنهي حياتي فلم يعد في الوجود ما يستحق أن أعيش لأجله فلقد صدمت حتى في آخر محاولاتي لرد الاعتبار لعواطفي وحينها قررت ألا أمد لحياتي جسورا أخرى نحو ما يسمى بمستقبل أو غيره مم يسميه البشر من خطط للعيش الرغيد .
أحببت أن أنشذ عن درب الهاربين من عزرائيل لأعلن المواجهة معه أو كي أكون حامل راية السبق , سأنتحر فليبحث عني هو بين الموتى .
نعم لقد قررت أن أحمل سكينا كي لا أفاجئ بموتي وأعلم وأنا في تلك اللحظات, لحظات اختيار آلة الموت أننا نحن جماعة الراغبين في الانتحار نبحث أولا عم هو متوفر من أدوات ولكننا نبحث ثانيا عن آلة تتوافق مع ما نشعر به في تلك اللحظات هل نرغب بأن نتعذب أكثر أم نرغب بأن نجرح جرحا بالغا فيتم إسعافنا وبذلك نحقق شيئا مم نرغبه من عملية الانتحار أم نتمنى أن تنتهي حياتنا بأسرع ما يمكن فنختار مسدسا , ولكنني اخترت سكينا حتى أشي برغبتي في وداع أقربائي وأشي بالكثير مم هو كامن في قلبي من مشاعر الحب لها , نعم تلك التي أود أن تعلم بمحاولاتي , لا بموتي , أن تعلم بقوة حبي لا بضعفي .
لحظات طويلة من التردد بدأت تنتابني وأنا أقف في إحدى الغرف حاملا سكيني , ورجفة بدأت تسري في جسدي راغبة ربما بمنعي من التمثيل بجسدي , سألت نفسي حينها هل يجب علي أن أنتحر واقفا أم اختار الجلوس وحينها وبعد أخذ ورد اخترت الوقوف خوفا من السكين لا غير وخوفا مم سيحدث بعد أن تغرز في جسدي , لقد تأهبت للحظة الموت البطئ بعد جرح دام سينزف بغزارة , اخترت الوقوف مع تخوفي شيئا ما من السقوط بقوة على الأرض ويا لها من مفارقة أن أخاف من الوقوع على الأرض بعد أن أجرح ويغادرني الخوف شيئا ما من الانتحار والموت وغرز السكين في بطني حيث اخترت أن يكون هو المنطقة التي تستقبل هذه السكين مبتعدا عن قلبي أو عنقي أو وريدي ربما لأنني لم أرد أن أموت بسرعة أو أنني لم أرد الموت أبدا فالطعن بالسكين في قلبي أو عنقي أو قطع وريدي يجعل من الموت أقرب ما يكون إلي ويؤدي إلى ألم لا أحتمله , إذا فمن الأفضل أن تصبح بطني موطن دائي .
حاولت لمرة أخرى أن أقنع نفسي بعدم جدوى الانتحار وبخطيئة ما أقوم به وبدأت حينها أفكاري بالتمدد يمنة ويسرة وبدأت أكتشف في تلك اللحظات أسرارا أخرى عن طرق الموت حيث علمت حينها لما ينتحر الإنسان , حيث بدأت بالتحدث إلى نفسي طالبا منها المبرر لما أقوم به فكانت تجيبني بأن الآخرين سيقولون كذا وكذا , سيقولون لقد مات لأجل حبه سيقولون لقد كان صادقا ولم يخف من الموت لأجل ما آمن به , نعم لقد كان نعم الإنسان الذي يدافع عم يعتقد ولو أدى ذلك به إلى الموت .
لقد كنت أنا موجودا في عمق موتي , لقد كانت أنانيتي هي الناطقة باسم جميع أسبابي وحينها أدركت بأنني أنتحر لأنني أحب نفسي لا لأنني أكرهها أو أود التخلص منها , لقد وددت الخلود , لقد أردت أن يتحدث الآخرون عني وأن أكون مركز حديثهم لقد كنت أنانيا لذلك كنت أحاول أن انتحر ويا لها من فكرة حمقاء أن انتحر لأجل أنانيتي وهذا هو حال الكثيرين ممن ينتحرون وأجزم بأنه حال الجميع فهذه الفكرة الحمقاء تدفع بنا نحو الهلاك وحينها كانت تشتد عزيمتي لأنني سأصبح المركز , نعم لن يبقى سوى الحديث عن حادثتي.
وبدأت أفكاري تشط إلى حيث لم أستطع الإمساك بزمامها وإلى حيث سيغضب الآخرون إن جاهرت بها , نعم فلقد بدأت أطبق ما أقوم به على الشهداء وأستأذن نفسي لأسألها عن الشهداء هل كانت أسباب موتهم تشبه أسبابي , أي ( وعذرا ممن سيسمعني ) هل أن الشهداء هم رجال أنانيون بالدرجة الأولى وخاصة ألئك الذين يرمون بأنفسهم إلى ميادين الموت لأجل أمر ما ؟ وبدأت هنا أفرق بين من يسمون شهداء وقد ماتوا قسرا ودون إرادتهم ممن لا تنطبق عليهم لا فكرة الشهادة ولا فكرة الانتحار, وبين من يهرعون وراء رغبة الموت ليسموا شهداء ولأسميهم منتحرين ومن ثم أنانيين .
وبدأت السكينة تغرز في بطني أول محاولاتها لتفشل وتعود من جديد ولقد سبقتها رغبتي في أن أسرع في الطعن كي أموت أو عفوا كي أجرح, ولكن ومهما كانت يدي سريعة في الانطلاق بدءا كانت تقف وتتباطأ ما أن تقترب من النهاية ولم تقف المحاولات فلقد كررتها عدة مرات ولكن دون جدوى , فقط كانت بعض الخدوش الصغيرة ترتسم على بطني دون أن تفي بغرض الموت .
وهكذا إلى أن جاء أحدهم فأخفيت آلة الموت ( سكينتي ) وتظاهرت بأن لا شئ قد حدث ولم تستطع رغبتي في الموت أن تعود بعد ذلك اليوم وكان ذلك اليوم شفاء لي من ألم وعذاب ما حل بحبي وبقلبي لأعود إلى الحياة معلنا ما يخفيه هؤلاء الذين يختارون الموت على طريقتهم الأنانية ” .
ملاحظة : هذه القصة حقيقية .