الرئيسية » مقالات » عقدة عدم حسم الامور لدی مسعود البارزاني.. الدستور واللغة نموذجا.!

عقدة عدم حسم الامور لدی مسعود البارزاني.. الدستور واللغة نموذجا.!

کما هو واضح للعيان أن الوضع في کوردستان بعد إنفصال الإقلیم عن بغداد منذ ما يقارب من عقدين، قد شهد التغییر و تنفس الناس الصعداء بعد مغادرة الدکتاتور والدکتاتورية، ولا ينکر أن الحرية قد دخلت مناحي الحياة، والناس يکتبون ويصرحون وينتقدون ويزعلون.. ولکن هذا لا يعني عدم حدوث خروقات قاتلة من لدن السلطة الکوردية ذاتها، بسبب عدم جديتها في معالجة المشاکل الطارئة، بل کونها طرفا في إثارتها أو خلقها، وبالتالي تقع المسؤولیة المباشرة علی عاتق رئیس الاقلیم السيد مسعود البارزاني باعتباره‌ المسؤول الأول. ومن ثم لا يمکن غض الطرف عن حالة الرجوع القهقري التي تمر بها کوردستان بشکل عام، سواء من الناحية السياسية أو المعيشية أو الإجتماعية أو اللغویة، برغم مشاریع الإعمار التي تشهدها المنطقة بشکل لم يسبق لها مثیل، تلک التي لا ينال برکاتها إلا المحظوظون.

في کل إجتماع مهم نجد رئیس الاقلیم يبشر العالمین بأن بزوغ فجر الدستور أصبح قريبا، وفيه‌ ما لا عین رأت ولا اذن سمعت ولا خطر علی قلب بشر، ويؤتي اکله‌ کل حین، ولکن المراقبین ذاقوا ذرعا بهذه‌ الوعود وتولاهم الیأس، لأنها لا تعدو کونها طلقات في هواء لیس إلا.. مع العلم أن مسودة الدستور الکوردستاني کتبت قبل ولادة الدولة العراقية الثانیة عام 2003 بأکثر من عقد، وقبل کتابة وصدور الدستور الفيدرالي العراقي عام 2005 الذي يحکمنا الیوم بخيره‌ وشره‌.. ولکن ماتزال مسودة دستورنا تراوح مکانها دون مسوغات، وتأکل عمرها‌، وتتجمع علیها الأیادي التي تقول دائما ( هل من مزيد ! )، وتصرف من أجلها المخصصات من قريب أو بعيد، يضاف إلیها ويحذف منها ما هو قديم أو جديد.. ولا يخالجني أدنی شک بانه‌ حين صدورها سيکون حالها کحال الأکلة التي طبختها مجموعة من الطباخين، فهي إما أن تکون محترقة أو مالحة، لکثرة الأيدي علیها لحاجة أو من دون حاجة.

المتابع لتصريحات رئیس الإقلیم، يجد أنه‌ في غدواته‌ وروحاته‌ يکتفي دائما باطلاق شعارات سئم الناس من تکرارها، والأنکی من ذلک عدم جديته‌ في تکلیف جهة أو طرف بالتنفيذ والمتابعة، ومن ثم رفع تقارير بشأن الامور المهمة خاصة، لاسيما لأننا في مرحلة تحول صعبة جدا تتمیز بالمخاض العسير، لکون العديد من المشاکل مازالت معلقة دون حل، والیوم نواجه‌ قدرا يکتنفه‌ الکثیر من الغموض والضبابية، حتی مع الذين شکلنا معهم الأحلاف، إضافة إلی بروز الروح اللهجوية والمناطقية التي باتت تهدد وجودنا القومي لامحالة، وهي في قمتها الیوم، بعد أن لم تکن موجودة أصلا، وظهرت بعد الإقتتال الداخلي واشتد أوارها منذ عامین.. موضوع التبشير بالدستور يذکرنا بموضوع اللغة الموحدة التي تعتبر حسب رأيی أهم حتی من سن وصدور الدستور في الوقت الراهن، لکون مستقبل الکورد کشعب واحد مرهون بمعالجتها دون تأخير أو تسويف، وکان رئيس الاقلیم قد طالب في إجتماع في العام الفائت مسؤولي جامعة صلاح الدين إيلاء اللغة الفصحی الأهمیة القصوی، لخطورتها، ولکن بدلا من إتخاذ خطوة واحدة بشأنها، طلع أخيرا السيد آراس نجم الدين أحد مسؤولي وزارة التربیة في أربیل وبتأريخ 2008/09/10 یعلن علی الملأ بأن طلاب مدينة دهوک وتوابعها سوف يدرسون ( باللغة البهدينیة ! )، وطلاب مدينة أربیل والسلیمانیة يدرسون ( باللغة السورانیة ! ).. والأغرب من ‌هذا وذاک، ذکر المتحدث باسم الوزارة بأن ( الجالیة السورانیة ) في دهوک وکذلک ( الجالية البهدينیة ) في أربیل سوف تکون حرة في إختیار اللغة التي تفضلها.. کل ذلک بذريعة أن الکورد لا يفهمون لغات بعضهم البعض.. هذا في حین أن اللغة الکوردية التي کانت معتمدة خلال حوالي قرن، أسهل لکل طفل کوردي في الإقلیم، من منهج اللغة العربیة لطفل عراقي من البدو والحضر، ناهیکم عن طفل مغربي أو تونسي، وذلک لکون الکوردية أقرب للغة المحادثة من العربیة الفصحی.

أنا لا أخاف من تأخير صدور الدستور الکوردستاني، خاصة بعد أن ترک أمر اللغة أمام رياح ظهور قوميات جديدة في کوردستان، وهي في طريقها تباعا، وکأني بالصراع العربي الکوردي يعيد نفسه‌ بین الکورد أنفسهم، ووصل الأمر بأحدهم أن يقول في مقالة نشرت في صحیفة ( هاوولاتي ـ العدد 461 ) الکوردية، بأن لا مناص من الإعتراف بأن في کوردستان أربع قومیات مختلفة علی الأقل، ويجب أن يعترف بجمیعها وجعل لغاتها رسمیة.. ولکن الذي أتوقعه‌ هو أن تأتي في قابل الأشهر جماعات التعکیر والشغب في البرلمان العراقي علی خط الدستور الکوردستاني أيضا، لیمنعوه‌ من الصدور، بحجة أن أمر تعديل الدستور العراقي مازال قائما ولم يحسم بعد، وقد يقترحون ويصرون علی إلغاء المادة الخاصة بصلاحیة الأقالیم في تشريع دساتيرها.. وبذا تدخل أربيل في صراع جديد کانت في غنی عنه لو أسرع في البت في الأمر في وقت مبکر، مع من أثبتوا أخيرا بأنهم أکثر عددا وأقوی سندا، وبذا نقترب من مربع الحکم الذاتي المرتبط بالمرکز، أمیالا أخری، کل ذلک بسبب عدم حسم السيد رئیس الإقلیم الأمور الهامة في وقتها، کما کان عهدنا به‌ في مسألة اللغة الموحدة التي تحولت حکاياتها إلی ألف ليلة ولیلة، ولکنها في ربوع الکورد تروی في النهار والليلة.

2008/10/04