الرئيسية » مقالات » الفقر و صديقي الأمريكي و الإمام السيستاني

الفقر و صديقي الأمريكي و الإمام السيستاني

من يتابع السينما الإيرانية سيدرك و بدون كبير عناء مدى معاناة الشعب الإيراني من الفقر و الجهل و الحرمان رغم أن بلدهم هو واحد من أغنى بلدان العالم، و لعل ملالي قم و طهران يريدون الإبقاء على هذه الحالة لحكمة نحن غافلون عنها و هم و الله وحده يعلم ما هي الحكمة في الإبقاء على الطبقة الفقيرة!! ربما كي نبقى على معرفة بمعنى كلمة “فقير” و التي اشتقها العرب من “ألم الفقرات”، و في العراق الجديد يريد بعض المعجبين بالنظام الإيراني أن نقيم مآثر حية للفقراء تكون شاهدا حيا على معنى كلمة يكاد الغربيون ينسونها بفضل إنجازاتهم الفكرية و الثقافية و الاقتصادية و بالتالي فنحن “أفضل” من الغربيين لأننا نعرف ماذا تعني كلمة فقير بينما نسيها الغربيون الساكنون في المريخ.

لطالما أراد علي بن أبي طالب أن يقضي على الفقر و أن يخرج الفقراء من مرض اسمه الحاجة و الطبقية البغيضة و كلماته: لو كان الفقر رجلا لقتلته.. عجبت ممن يبيت جائعا و لا يخرج شاهرا سيفه.. عجبت ممن نام شبعانا و جاره جائع..”!! هذه الكلمات و غيرها تشير إلى أن أهم هدف لأي دولة هو القضاء على المعاناة و الطبقية مع ملاحظة أن لكل مجتمع فقراءه لكن الفقر يختلف من بيئة إلى أخرى، ففي الغرب قد يكون هناك فقراء – و هم بالتأكيد ليسوا كفقراءنا – لكن أفقر فقراء الناس في الغرب ليسوا بحاجة للتسول و الإستجداء و طلب العون، فالدولة تتكفل بكل أساسيات الحياة ضمن مجموعة ضمانات متكاملة تمثل نظام تكافل رائع، و إذا ما وجد متسولون فإن أمرهم يتضح من خلال حوار أجريته مع صديقي الأمريكي، ذات مرة حينما كنت أتحدث مع أحد أصدقائي الأمريكيين و حينما أتينا إلى موضوعة الفقر و الفقراء قال لي معترضا:

ــ نحن أيضا لدينا فقراء يستجدون..” فقلت له:

ــ أليس ذلك الفقير هو ذلك الشخص الذي بدد الإعانات الاجتماعية و الضمان على الخمر أو القمار أو شيء من هذا القبيل..”؟ فابتسم و قال:

ــ هذا صحيح..”

إن المسألة هنا تتعلق بنا كشعب عراقي، فإذا ما استمرينا في التصويت للأتقى و الأكثر ورعا أو للأكثر ترديدا للشعارات الوطنية دون النظر إلى حقيقة كونه مجرد تاجر منافق بهذه الشعارات أو أنه فعلا يطبقها على الأرض، فإن أعداد الفقراء ستستمر في التزايد و معاناة المواطن و آلامه ستزداد، حيث يملك فرد ملايين الدولارات بينما عائلة كاملة لا تملك أصغر راتب من الرواتب، معالجة هذه الطبقية القبيحة و التي أستطيع وصفها بالجريمة لا يمكن أن تتم بأساليب الوعظ و المحاضرات الدينية و ما إلى ذلك، بل عبر محاسبة المسؤولين و استمرار الشعب في تثقيف نفسه و تعلم أساليب التغيير الديمقراطي و كيف أن الشعب يستطيع عبر الانتخابات الإطاحة بأكبر الرؤوس و أكثرها شرها و نهما للسرقة.

لا قيمة للجوامع و الحسينيات و التكايا و المسابح و اللحى و صلاة الجماعة و الأرجل المتورمة من كثرة العبادة إذا كان هناك فقير واحد في البلد فكيف بالملايين من أبناء العراق الذين ينامون على بحر من الذهب “النفط”، إن آفة العراق الأولى هو فئتان من اللصوص، الأولى ترتزق باسم الإسلام و آل البيت و الصحابة و “الأمة الإسلامية المزعومة” و الأخرى ترتزق بالقومية و شعارات الغيرة و الشهامة و غيرها من عبارات عبادة الذات التي هي الشرك الحقيقي في أننا نعبد غرورنا بدلا من أن نعبد فعلا إله الإنسانية المحب الرؤوف الرحيم.

على المواطن أن يتثقف يخط ثقافي محدد و لا يحيد عن هذه الثقافة لأنها المعيار الوحيد للدولة الناجحة، فلست أهتم بصلاة المسؤول و طول لحيته أو إن كانوا ينادونه “يا حـــاج فلان” أو كم دمعة سالت من عينه حينما أتى الواعظ على ذكر الحسين و استشهاده فقد قال صادق آل محمد جعفر بن محمد: الكافر العادل خير من المسلم الظالم..”، المسؤول الحقيقي هو ذلك الذي يقف إلى جانب الفقراء و يصوت لصالح الضمانات الاجتماعية و الصحية و يكون مع تحويل جزء كبير من الميزانية إلى رواتب ثابتة لكل حامل جنسية عراقية، و الجريمة الكبرى التي نعانيها هو أن رجال الدين – سنة و شيعة – حولوا الدين إلى تبرير سخيف للألم و المعاناة و الطبقية، فما دمت فقيرا و مريضا و ما دمت تتألم فإن هذا يعني أن اللـــــــــــــه يحـــــبك، هذا بينما الحقيقة الدينية تقول أن أعظم الخير هو في إزالة آلام الناس و تغيير حياتهم نحو الأفضل و نحو حريتهم و كرامتهم.

و هذا الأمر يقودنا إلى بحث آخر، فكون الدين سلبيا في مجتمعاتنا هو ناشيء عن كون رجال الدين ينظرون إلى الدين على أنه أسطورة و خرافة غير قابلة للتصديق و من هنا يلجأ رجل الدين إلى الارتزاق عبر هذه الخرافة و الأسطورة بدلا من أن يكون هذا الدين حلا عقلانيا لمشاكل الإنسان، فهدف الدين من خلال مكافحته للفقر هو خلق الشجاعة و الثقة في قلب المؤمنين لمواجهة ظلم الدولة – بالوسائل السلمية – و ما أنجزه رجالات الكنائس الأمريكية و الأوروبية من تثقيف و تغيير جذري اجتماعي سلمي أكبر بعشرات المرات من كل إنجازات الثوريين الخمينيين و القوميين و منظري الأحزاب الدينية و القومية، و حري برجال الدين المسلمين أن يذهبوا لدراسة هذه التجارب الإنسانية بدلا من كل هذا الكم الهائل من مجلدات الوعظ و النصائح الريائية المخدرة.

نعود إلى بحثنا الأساسي فنقول أن الفقر هو أخطر من الإرهاب لأن الفقر يعني أن تتعاظم كل المشاكل الأخرى، و أذكر أن مرجعا من مراجع “الحوزة الناطقة”!! كان يقيم صلاة الجمعة أيام الطاغية صدام كان يحدث الناس عن “مثالب الحضارة الغربية و مشاكلها”!! بينما كان المصلون الذين يأتمّون به في الدرك الأسفل من المعاناة و الفقر و قبل كل شيء فقدان حريتهم، بالتالي نجد أن من الطبيعي جدا أن الفقير الذي يعرف الكثير عن “مشاكل الغرب” بينما هو يجهل لماذا يملك فلان قصورا بينما هو لا يملك سقفا طينيا فقير كهذا لا يمكن له أن يجد حلا لمشاكله لأنه يعيش خارج هذا الواقع في عالم من الأوهام، الأكيد أن رجال الدين بهذا العمل السلبي يثيرون ثقافة سلبية مقلوبة تزيد الطين بلة، بينما نجد الإمام السيستاني هو الوحيد الذي يطالب الشعب بمحاسبة السلطة و مواجهتها سلميا من أجل انتزاع الحقوق، فيا ليتهم كانوا سيستانيين و لكنني أشك أن يكون وعاظ الأحزاب الدينية و القومية يقلدون شخصا حريصا على العراق، ربما لأن مرجعهم له هموم وراء حدود العراق.