الرئيسية » اللغة » قدر اللغة الکوردية علی مسلخ اللهجات… جوابا علی مقالة الکاتب جان کورد

قدر اللغة الکوردية علی مسلخ اللهجات… جوابا علی مقالة الکاتب جان کورد

01/10/2008 

في معرض رده‌ علی بعض اطروحات کاتب هذا المقال، والتي تقف ضد الترويج للهجات، نشر الاستاذ جان کورد مقالة في رسالة بعنوان ( معرکة اللهجات الکوردية ) يدعو فیها إلی فتح المجال أمام کل اللهجات في الکتابة والدراسة والإعلام، من دون الإلتفات لمخاطرها.. وتلکم الدعوة، بغض النظرعن مخالفتها لواقع الامم المتقدمة والعاقلة، فانها تحول خارطة کوردستان الفيدرالیة ـ مثلا ـ إلی مقاطعات وکانتونات لهجوية، ما أن تغادر إحداها إلا وأنت تصطدم باخری أو تقع في حفرتها، وتحتاج بالتالي إلی مترجم، کيف لا والأنام هناک في صمم عن الکلام.. والذي أود ذکره‌ أيضا لأخي جان کورد بأن هذه‌ الدعوة هي بحق لايجاد لغات، مهما خلصت النوايا، وغدا تصبح کلها کیانات هشة، قد تبقی بعض الخيوط المشترکة، کما هو الحال بین العربیة والعبریة، وهما من سلیل لغوي واحد، وقد تکون السورانیة والکرمانجية رائدتان في هذا الإنفلات.. وإذا لم يحسم الکورد الیوم مسألة الفصحی، فان البون يزداد اتساعا ويتسع الخرق علی الراقع بمرور الأعوام بین الکورد أنفسهم، حيث الکل يشتغل علی لهجته‌ ويجتهد في أن يجعلها متمیزة ومختلفة عن الأخری، وهذا الأمر جار بینهم الآن، حیث لا لهجة تعترف باخری. وکم کنت أتمنی لو سار کتابنا علی نهج الاستاذ برزو محمود الذي قلما وندر وجدت مثله‌ من يدرک خطورة التعدد اللهجوي، أعتقد إنه‌ من سوريا، وقد إطلعت علی ما کتبه بشأن هذه‌ الأزمة في موقع کوردستان تايمز ومواقع أخری.. ولا غرو أن ثمة رجلا إيرانيا يشتغل في إحدی القنوات الکوردية في اوروبا، لا هم له‌ إلا تفتیت وتصنیف الکورد في مجامیع لهجوية، وهو يحسب أنه‌ یحسن صنعا، وکأنه‌ أصيب ـ حفظه‌ الله‌ ـ بعقدة أو ورم خبیث قاتل يريد التخلص منه باسرع ما يمکن، ولله‌ في خلقه‌ شؤون !

إن مثالکم عن السويد وحق التلمیذ في تعلم لغة ثانیة وثالثة، صحیح، ولکن لا يعدو کونه‌ تعلم لغات لا لهجات، أی ليس هناک دروس ولا دعوة لتدريس اللهجات السويدية، وما أکثرها، وهذا لا ينفي دراسة اللهجات من قبل أهل الاختصاص، والإستفادة الجدية منها لتطعيم اللغة الفصحی.. للأسف، إن هناک کتابا من الکورد يخادعون أنفسهم وبني جلدتهم، في قولهم ثمة في السويد لهجتان رسمیتان، فما هو موجود بجانب السويدية هو اللغة اللابلاندية ( ساميسکه‌ ) التي هي قريبة من الفنلندية.. وفي معرض دعوتکم لتعلم الکورد لهجات بعضهم البعض، فانه‌ يتبادر إلی الذهن ـ وأنتم في ألمانیا ـ تساؤل فيما لو کان التلميذ الألماني لديه‌ حصة اسبوعیة لتعلم لهجة بني جلدته‌ في سويسرا أو النمسا، أم إنها لغة فصحی واحدة تجمع الجمیع، برغم وجود إختلاف ـ قل أو کثر ـ هنا أو هناک.؟! أما الإحتجاج بالنرويجية من قبل بعض الکورد، لخلق لهجات کوردية علی نمط لهجتي ( نینورسکه‌ ) و ( بوکمول ) هناک، فمن يطلع علیهما سوف يجد أن الإختلاف بینهما ليس أکثر من الفرق الموجود بین لهجتي کرکوک والسلیمانیة، أو بين لهجتي دهوک وهکاري، والخلاف الأکبر هو في الإملاء. ولا يخفی أن ( بوکمول ) تکتسح الساحة تماما وهي لغة الجمیع، وما يکتب بالنینورسکه‌ ( اللهجة الصغیرة ) قلیل لا يتجاوز 10% من النتاج العام. فجعل اللغة النرويجية نمودجا والقياس علیها، لیس إلا مجرد إلقاء الکلام علی عواهنه‌ من غیر فکر ولا إطلاع عن قرب أو الإستناد إلی مصادر، ولا ينطبق بالتالي علی الواقع اللغوي الکوردي الذي يختلف تماما عما هو موجود هناک، ویتمیز بالحساسیة الشديدة، وذلک بفعل واقع التجزأة الذي عاشته‌ کوردستان طويلا، مما جعل بعد المسافة بین لهجاتها أکثر مما علیه‌ الحال في النرويج، والتفاهم بها أصعب، وبالتالي الدراسة بها أخطر، ویؤدي الأمر حتما إلی ظهور لغات مستقلة. وقد تکون هذه‌ الظاهرة الکوردية موجودة بین لهجات اللغة الألمانیة أيضا، من حيث إختلاف وصعوبة لهجاتها في البلدان المختلفة، ولکن الألمان أدرکوا الأمر ولم يعرضوا لغتهم وأنفسهم للانقسام، مثلما يريده‌ الکورد. کما لا يخفی وجود نفس الظاهرة في اللهجات العربیة، حیث إنه‌ يستحيل أن يفهم العراقي ما يقوله‌ المغربي، وبالعکس، إن لم تسعفهما الفصحی. عندما زرت الجزائر عام 1991 لاقيت صعوبة شديدة في التفاهم مع أهلها الطيبين، فلولا الفصحی لأصبحت في عداد الحائرين.

أنا ضد خداع النفس والآخرين، وکان احتجاجي دائما بالتأريخ ووقائع الامم.. لیست هناک امة تعتقد أنها واحدة، بلهجتین، ناهیکم عن کومة من اللهجات، مثلما يدعو إلیها بعض کتاب الکورد الیوم، بحیث يحولون وطنهم اللاموجود رسمیا؛ إلی مقهی اللهجات.. إضافة إلی أن ما يطالب به‌ هؤلاء يفوق طاقة الدول في تنفيذه‌. إن مثل هذه‌ الدعوات اللهجوية الخيالیة، سرعان ما تجلب مسخرة الشعوب المجاورة، ومعهم الحق، ومن المؤکد أنها ستکون موضع سجال وجدال في البرلمان العراقي مستقبلا، لأن الواقع اللغوي الکوردي الموجود علی الأرض يتناقض مع ما في الدستور العراقي من فرض وحدانیة اللغة العربیة والکوردية، لا إزدواجية اللغات أو تعدد اللهجات، ولعمري إن للناس عقولا تفکر بها، ولنا عواطف لا نحقق هدفنا بها.! إضافة إلی أنه‌ لیس هناک في کل الدنیا دعوات تطلق لنیل أو منح حقوق اللهجات، حتی في المیثاق العالمي لحقوق الانسان، إنما هي لغات تجمع الشعوب وإن تقاطعت مع هذه‌ أو تلکم اللهجة في محطات الاسم والفعل أو بناء الجمل.

ألیس من العيب أن تقود مجموعة کوردية تدعي الثقافة والعقلانیة، حملة جمع التواقيع سمتها ( الحملة المبارکة ) للمطالبة بالتدريس باللهجات، بدلا من مناشدة السلطة الکوردستانیة بايجاد حل وسط ـ وما أکثره‌ ـ يحفظ وحدة الکورد، والتي لا تتأتی إلا من خلال وحدة اللغة الکوردية التي هي وحدها العاصم من القواصم. ألم يقرأ هؤلاء تأريخ اللغة العبرية التي کانت في عداد اللغات المنقرضة في الثلاثینیات من القرن الفائت، ولکن الإرادة وإعمال العقل والبرمجة، جعلت من لغة ممزقة ومفتتة صاحب أقوی کيان یجمع الیوم شعبا بمئات اللهجات والألسن والألوان.؟ إذا لم تجمع لغة واحدة أبناء أجزاء کوردستان المختلفة، فما الذي يمیزهم عن الشعوب المجاورة ؟ لو قيل فلیتعلموا لهجات بعضهم البعض، ألا يعني هذا في الواقع بناء لغات وبالتالي تأسيس شعوب، وکل مافي الأمرهو قول الآخرين أن هؤلاء کانوا کوردا في يوم ما، وما کانوا عاقلین.؟! بناء علی هذا فان أي دعوة لترويج لهجة ما علی حساب لغة واحدة، تقطع العلاقات القومیة والوطنیة بین أبناء الشعب الواحد، وتجعل کل تعاضد لحق اللهجة ـ من دون الدعوة لوحدانیة اللغة ـ بمثابة الإعتراف بولادة شعب آخر، شئنا أم أبينا.

ولعل الاستاذ الفاضل جان کورد سمع بتصريحات الشيخ الهوراماني المنشورة، وهو يرفض فيها کورديته‌ جملة وتفصيلا، ویؤکد علی أن لهجتهم لغة مستقلة تماما، علی عکس تأکیده‌ السابق علی کونها فرعا من شجرة اللغة الکوردية، ‌هذا وأول الغیث قطر ثم ینهمر، وقد تکون الزازاکیة علی سکة الانفصال في المرة القادمة، أو صارت ولم نعلم بذلک بعد. لهذا السبب، فانني أقول بانه‌ لو خير العبد الفقير بین الدراسة بالکورية ـ نسبة إلی کوريا ـ مثلا، وبین الدراسة بالسورانیة والکرمانجية في نفس الوقت، لما ترددت في إختيار الکورية وتفضیلها، لاسيما هناک مودة بین الشعبین ومشترک لفظي یجمع إسمیهما.. ولو خيرت بین الدراسة بالکرمانجية فقط، وبین الدراسة بالسورانیة والکرمانجیة في نفس الوقت، لما ترددت لحظة في رفض السورانیة الحالیة ـ برغم التقدم الهائل فیها والذي یهیئها لترتقي بالکورد إلی مصاف شعوب المنطقة لغة ـ واختيار الکرمانجیة، لأنها تضمن عندئذ وحدة شعبي التي هي في وحدة لغته‌ أولا وأخيرا، خاصة لأننا مازلنا شعبا کبیرا في الحجم والعدد، في حال لم نتعرض للتقسیمات اللهجوية التي هی مزلزلة وحالقة بحق. أما الذين يراهنون علی وحدة الشعور القومي فقط، فهذا العامل إضافة لکونه‌ مؤقتا وعارضا، فهو أوهن من بیت العنکبوت أمام هجمة فيروس اللهجات، أيا کانت.

ما یخص موضوع اللاتینیة، فکما تلاحظون إنني لم ألق لها بالا يذکر طوال إشتغالي علی موضوع اللغة، باستثناء بعض المقالات، لانني مؤمن بأن ليست هناک علاقة بین إشاعة الحروف اللاتینیة وذکاء أو غباء أو تقدم أو تأخر الشعوب، فاليابانیون لم يغزو بصناعاتهم العالم ببرکة اللاتینیة، ولم تتأخر ألبانیا عن رکب جیرانها بفعل اللاتینیة، ناهیکم عن کونها لا تنسجم تأريخيا ونفسيا مع واقع ومزاج أبناء الجزء الفيدرالي، حتی فرضها في ترکیا کان إنقلابا مقصودا ومعلوما، وليس نزولا عند رغبة الشعب الذي طالما يحن إلی الحروف العثمانیة.. کما وأستغرب تقديس بعض الکورد لتلکم الحروف ونسج أساطیر حولها، في حال لا أعتقد أنه‌ سيأتي زمان تعترف فيه‌ ترکیا رسمیا حتی بوجود ضيعة کوردية يمکن أن تسمی کوردستان، بله‌ مدينة أو إقلیم، کما هو الحال مع استان کوردستان في إيران مثلا.. وبالطبع لن أتحدث هنا عن کوردستان الفيدرالیة التي هي بمثابة دولة داخل دولة، إن قدرناها حق قدرها، ولم ننسفها نسفا، باحياء اللهجات واللهیجات.

أما حديث النفس ومشتهیاتها وترک قدر اللغة الفصحی علی مسلخ ( أنا أتعلم لهجتک، وأنت تتعلم لهجتي، وهو يتعلم لهجتنا، ونحن کلانا نتعلم لهجته‌، والکل يتعلم لهجة الکل ) وعلی أمل أن تتحقق الوحدة اللغوية ـ وبقدرة قادر ـ بمجرد تحقيق اسطورة کوردستان الکبری کلمح بالبصر، فلا جرم إنه‌ أضغاث أحلام وجوهر ازمة الفکر الکوردي العاطفي، أو ضغث علی إبالة؛ أي بلیة مضاعفة قد يجیب عنها وعن نتائجها الکارثیة أحد أبرز علماء اللغة في الشرق الأوسط الدکتور عبدالواحد وافي في کتابه‌ الشهیر ( فقه‌ اللغة ـ ص 152 ) بقوله‌ :

( إن اللغة العامية تختلف باختلاف الشعوب العربية، وتختلف في الشعب الواحد باختلاف مناطقه‌. فعامیة العراق لا يکاد يفهمها المصريون أو المغاربة، وعامیة المصريين لا يکاد يفهمها العراقيون ولا المغاربة، وعامیة المغاربة لا يکاد يفهمها العراقيون ولا المصريون. وفي البلد الواحد تختلف اللهجات العامیة باختلاف طوائف الناس وباختلاف المناطق، فعامیة المنیا غیر عامیة جرجا. بل إن المديرية الواحدة لتشتمل علی کثیر من المناطق اللغوية التي تختلف فيما بینها إختلافا غير يسير. فالقضاء علی الإزدواج لا يکون إذن إلا بأن تصنع في کل منطقة، بل کل مدينة، بل کل قرية، لغة کتابة تتفق مع لغة حدیثها وبذلک يصبح في البلاد العربية آلاف من لغات الکتابة بمقدار ما فيها من مناطق ومدن وقری.. ولا أظن عاقلا ينصح بمثل هذه‌ الفوضی..).

2008/09/30