الرئيسية » مقالات » المشرد والعربة …

المشرد والعربة …


في سنتر كوبنهاغن اراه
وقد تمَلـّكَ اعتباطا عربة السوبرماركت
رجل بمعطف ثخين لا يخلعه
حتى في أيام الصيف ” القارص ”
ملتح ٍ
متسخ لم يغتسل منذ فارق بيته
وزوجته ” النبيلة ”
وأولاده الرائعين
لقد قرر ان يتزوج الأرصفة
لعناد ما !
لمهارشات ليلية صارخة
لخيانة ما !
لأن أحب أحبائه قد ألقى به في الشوارع
اصيب بالكآبة أول الأيام
بعدها تمرد على أقراص النوم
بدأ بمزج الدواء بالكحول
بعدها تدرج في الهباء
مع حفنة من حشيش
غدا الواقع في راحة اليد
كالحلم
غدت الزوجة في سرير الوهم
انتقاما وشبقا وسادية
غدا الخيال احلى من الواقع
الجنون أجدى من العقل
غدت الالوان متشابهة
الشوارع واحدة
المدينة جمعاء مصطبة
غدا النهار اسْودَ والليل من حليب
نهار قطراني وليل حليبي
كل شيء قريب كالنجوم
بزجاجة الخمر
تصبح مصطبة التشرد سحابة وردية
فم الزجاجة حلمة لأجمل نهد
الامتصاص حتى آخر قطرة ارتواء رضاعة
البكاء الهستيري فرح آخر الليل
الشبق الحيواني كيف ما اتفق حقيقة الكون الاولى
التيهان في الأزقة لامتناهي سمر !
بلحية طويلة وبسطال عتيق
ومعطف ممزق في الريح
ونظرة باكية اسيفة او لامبالية
يتحدى الصعلوك ذاتية العالم
وذاته المفتوحة على الفجيعة
الفوضى ” كارمن ” الحنين
و” شهرزاد ” الجراح
و” حلاق اشبيليا ” الألم
الفوضى ماقاله الخالد حسين مردان :
” الحرية كلمة لايعرف معناها الأ الحيوان ”
ذلك المتشرد اراه كل صباح
في سنتر المدينة
سحقا لكل عسّاسيها وشرطتها
اذا نالوا من بهائه
او مسوا وقاره الجريح او فضيلته المهانة
انه سيد العالم بالضياع
وامبراطور الخواء
انه فراشة في نسمة
كلب هائم
طائر لاتدعيه سماء
سحقا لكل من يمسه بالوردة
دعوه في الحقيقة الساطعة
والتي هي :
أن لا أحد لي ولا احد لك
لاقلب لوحشتك
لاحب لانكسارك
لاسماح لخطيئتك
لامغفرة لذنوبك
لايد لغريق مثلي ومثلك
لا اعادة تكوين لبائس
لا اعادة بناء لمن تهدم
وحيد وباك ومخذول في كل يوم
الريح من ورائه
والهاوية من تحت اقدامه
الهبوط الى مالانهاية مصيره المحتوم
في لحظة واعية
يرفع رأسه الى الأعالي
يرى باستغراب !
اشباحا وارواحا هائمة تدوس من فوقه
ويعود ليغفو حالما بليالي عائلية
وأيام طفولية
باُم ، بزوجة ، بحبيبة ، ببنت ، بولد
الجميع عربات قطار تدوس مسرعة على رأسه
انه سكة حديد بارد
سكة في جليد المسافات
لا متناهي شظف لامتفاني حمى وصداع
انه رجل اعجف
بل هو المتورم
المتبرم
المتمرد
المقتول حيا والمقبرة الزاحفة
واللحد المتحرك
انه صورتي وصورتك التي نقلع عنها
ونشمئز منها
وذلك لإيمان بإمكانية ما !
انه أنا في غد قريب
وحيثما أتلفت فانني منبوذ
لازوجة
لا دفء عائلي
مخذول وحيد في الليالي
باك ٍ على بحيرة
حزين على مصطبة في غابة
أسيف النظر
نادم لنظافة معطفي ويدي وحذائي
لحظة وانهض مرتفعا الى سقوطي
لحظة وأرتقي الى أسفل
لحظة وأصعد الى الهاوية
لحظة واعتلي سفح حفرة !
هناك اتلفت آخر الليل
نازف الخطى
سكران ، متأرجح
عائد الى بيتي آخر الليل
بيت امقته
بيت سأعمل على تصفيته قريبا
باحثا عن عربة
عن عربة بمثابة أُم
عن عربة بمقام زوجة وبيت
عن رفقة سهاد ودموع
عن عربة سوبرماركت امتلكها اعتباطا
وامضي في الشوارع
امبراطورا جديدا على الأزقة
ملكا على الليل
” اسكر حتى النسيان ”
استيقظ كل صباح في سرير الاسفلت
في لامتناهي شوارع
اتلفت رافعا رأسي هامسا بذعر :
أين عربتي
أين أوفى أوفيائي
العربة … العربة
الرفيق الوحيد
الذي يقف قرب جثتي الهامدة ذات صباح
جثتي الهامسة في ميتتها :
الله … ما أسعدني
كانت معي عربة
كانت معي أسمال .

*******
* 19- 5 – 2008