الرئيسية » مقالات » ألآلوسي مِثالُ طيب ! 3-3

ألآلوسي مِثالُ طيب ! 3-3

السؤال الذي يفترض الإجابة عنه بالارتباط مع ما جرى في جلسة رفع الحصانة البرلمانية عن الأستاذ النائب مثال الآلوسي هو : هل أخطأ الأخ مثال الآلوسي في الموقف من إيران , وهي الدولة الجارة للعراق , وهل أن ما أثاره عن دور إيران في العراق هو بعيد عن الحقيقة ؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة مهمة للغاية لأنها يمكن أن تفند أو تكرس ما لجأ إليه مجلس النواب العراقي في موقفه من السيد الآلوسي , رغم الخطأ الجوهري في اتخاذ القرار دون أن يكون للقضاء العراقي موقفه المحدد.
وفق قناعتي الشخصية وتتبعي للأحداث في العراق والمنطقة والعلاقة بين العراق وإيران , وكذلك بين إيران ودول المنطقة وتحليلي لتلك الأحداث وعلاقاتها المتشابكة , إضافة إلى معرفتي بطبيعة نظام الحكم في إيران منذ أن هيمنت المؤسسة الدينية الشيعية مباشرة على الحكم في أعقاب ثورة الشعب الإيراني التي صادرها السيد روح الله الخميني لصالح تلك المؤسسة الدينية الشيعية الإيرانية , فأن السيد مثال الآلوسي لم يكن مخطئاً بأي حال , بل تحدث بالحقيقة , وربما ليس كل الحقيقة. علينا نحن في العراق أن نشير إلي عدة مسائل جوهرية :
• إن إيران دولة كبرى في منطقة الشرق الأوسط , من حيث النفوس والمساحة والقدرات الخامية , وتريد أن تلعب هذا الدور في رسم وتحديد سياسة المنطقة والمشاركة مع الدول الكبرى في تقرير مصير المنطقة بما يخدم مصالحها. أي أنها تريد أن تكون شريكاً في الهيمنة على المنطقة في حالة عجزها في أن تكوين المسيطر الوحيد على دول الخليج والعراق.
• وأن لحكومة إيران والمؤسسة الدينية والمرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران برنامجها الخاص في تصدير الثورة الإسلامية الشيعية إلى دول المنطقة وبقية الدول الإسلامية بهدف نشر المذهب الشيعي بما ارتداه من بدع وطقوس غير إسلامية منذ العهد الصفوي حتى الآن من جهة , وبهدف الحصول على مواقع لها في تلك الدول لتحقيق “مصالحها الحيوية” كأي دولة كبرى ذات أطماع في المنطقة من جهة أخرى.
• وهي تعتقد بأن استخدام العداء لإسرائيل والإدعاء بالرغبة بإزالتها وإبقاء حالة التوتر في المنطقة يمكنه أن يعبئ الجماعات الإسلامية في كل مكان حولها لأنها بذلك تثير عواطف الناس إزاء بيت المقدس باعتباره ثاني القبلتين وثالث الحرمين مقترناً كل ذلك بسعيها لامتلاك السلاح النووي.
• وترى حكومة إيران بأن امتدادها يفترض أن يبدأ بالعراق بسبب الأكثرية السكانية الشيعية المذهب وطاقات العراق الزاخرة وموقعه المهم ليشمل كل دول الخليج , إضافة إلى نفوذها الواسع في كل من سوريا ولبنان وغزة والسودان في الوقت الحاضر. وهي تعمل من أجل ذلك ليل نهار. وتجد في القوى الطائفية الشيعية السياسية , وليس في كل الشيعة العراقيين , لوبياً مخلصاً لها وتسعى إلى تنشيطه ومده بالقوة والقدرة والنفوذ على الحركة والتأثير في الأحداث , كما هو حال حزب الله في لبنان , إذ أن الهوية الحقيقية لحزب الله ليست لبنانية بل إيرانية.
• وعدا عن ذلك فأن إيران تسعى إلى تصفية حساباتها باتجاهين:
أ‌. باتجاه تنشيط صراعها المستمر مع الولايات المتحدة على الأرض العراقية وإشغال القوات الأمريكية بما تثيره من عمليات إرهابية ومشكلات سياسية واجتماعية ودينية في العراق بحيث يفقد العراق القدرة على تأمين الأمن والاستقرار في البلاد , وهو بالتالي انكسار للولايات المتحدة في العراق والمنطقة.
ب‌. الثأر والانتقام من قوى البعث بسبب الحرب العراقية الإيرانية , سواء أكانوا من أتباع صدام حسين أم كانوا ضده , إذ أن المهمة هي اجتثاث البعث وما يرتبط بذلك من مشكلات سياسية واجتماعية في العراق وعواقبها على الأمن والاستقرار.
• ومن أجل تحقيق هذه الأهداف وغيرها لم ولا ولن تتورع إيران عن استخدام كافة السبل المتوفرة لديها , بما في ذلك : – تشكيل فرق للاغتيالات السياسية والاجتماعية ؛ – فتح الحدود أما قوى الإرهاب للتسرب إلى داخل العراق والتعاون مع سوريا لتكون حدود سوريا هي الأخرى مفتوحة لقوى الإرهاب ؛ – إيصال كميات هائلة من مختلف أنواع السلاح والعتاد للجهات التي تتعاون معها مثل جيش المهدي أو المليشيات الشيعية المسلحة الأخرى , وتلك التي يمكن أن تلتقي معها في العداء للولايات المتحدة , مثل تنظيم القاعدة وأنصار الإسلام السنة ومن لف لفها ؛ – تأمين الأموال الضرورية لعملائها في العراق , سواء أكانوا من العاملين في الحقول السياسية أم الدينية أم الاجتماعية , لضمان تنشيطهم وزيادة عدد المرتبطين بهم مصلحياً والذين يزودونها بالمعلومات الأمنية والاستخباراتية الضرورية لنشاط قوى إيران في العراق ؛ – ضمان استمرار وجود وعمل وعلاقات القوى الإيرانية المباشرة , سواء امتلكت جوازات إيرانية أم عراقية , ومنها قوى الجيش والحرس الثوري والأمن الإيراني ورجال المؤسسة الدينية الإيرانية الذين يعملون في العراق ؛ – الاستفادة القصوى من النشاط الاقتصادي الإيراني في العراق لضمان وصول ما يرغبون إيصاله للعراق أو التأثير في الرأي العام الشيعي العراقي أو توظيف أناس في المشاريع التي يتعاملون بها في العراق لتحويلهم إلى قوى تخدم مصالح إيران بصيغ كثيرة ؛ – تقديم الاستشارات السياسية لجمهرة من السياسيين العراقيين الشيعة الذين يتميزون بالطائفية السياسية ومساعدتهم في أساليب التدخل المباشر في السياسية العراقية من خلالهم ولصالح إيران.
• التأثير المستمر على موقف الأحزاب السياسية الشيعية من القضية الكُردية باتجاه مناهض لما التزموا به في فترة عملهم المشترك في المعارضة أم في بداية الوصول إلى السلطة بأمل تشكيل تحالف ثم التنكر له بعد تعزيز مواقعهم في العراق ودعم إيران لهم. وهي المسألة التي حذرنا منها كثيراً ولم يلتفت لها الأخوة في في القيادة الكُردستانية , وكنت أشعر أحياناً بأننا نحن الديمقراطيين العرب نعمل مع الأخوة الكُرد على طريقة المثل الشعبي العراقي ” اللي يقرأ هندي واللي يسمع من أهل الجريبات!” , مع احترامي الكامل للعرب والكُرد , ولكن لا مناقشة في الأمثال النابتة. لقد كتب الصديق العزيز الأستاذ عدنان حسين مقالاً معاتباً الأخوة الكُرد على الثقة الكبيرة التي أولوها للقوى الشيعية السياسية , وهي بالضرورة طائفية ومناهضة لكل ما هو ديمقراطي وفيدرالي , وتركوا القوى الديمقراطية العربية تعاني من ضعفها دون أن يمدوا لها يد المساعدة والإنهاض من الكبوة التي أسقطهم فيها صدام حسين حين كانوا يناضلون لصالح القضية الكُردية وكانوا دوماً يناضلون في سبيل الديمقراطية للعراق والحقوق القومية للشعب الكُردي. وهو ليس فضل من العرب على الكُرد في هذا النضال , ولكن لا بد من ذكره لأهميته للفترة القادمة , إذ أن النضال من أجل عراق ديمقراطي مدني وفيدرالي حديث لم ينته بعد ولن ينتهي بسهولة أو بسرعة.
• لقد حول الإيرانيون البصرة ومناطق أخرى في جنوب العراق إلى مستعمرات لمزاولة نشاطهم المعادي للعراق وللولايات المتحدة الأمريكية لفترة غير قصيرة , وهي لا تزال كذلك بحدود غير قليلة , إذ لم تنته حتى الآن , ومنها بدأوا بتحريك القوى الشيعية المتطرفة ضد المواطنات والمواطنين من أتباع الديانة المسيحية وأتباع الديانة الصابئة المندائية وضد المثقفين والديمقراطيين , وضد المرأة الحرة وضد الثقافة الحرة والفنون والموسيقى والغناء على نحو خاص. لقد حولوا البصرة لفترة غير قصيرة , ولا تزال مؤهلة للعودة إليها , إلى قاعدة لانطلاقهم إلى كل مناطق العراق , كما استخدموا ديالي وبعض مناطق كُردستان الحدودية لهذا الغرض ورعوا ودعموا قوى أنصار الإسلام السنة الكُردية المجرمة التي نفذت جملة من العمليات المسلحة والانتحارية في إقليم كُردستان العراق أيضاً.
• وكما أن القاعدة تؤمن بالعمليات الانتحارية , فأن حكومة إيران الراهنة والمرشد الأعلى للثورة الإسلامية فيها يؤمنان بأهمية وضرورة العمليات الانتحارية أيضاً. وكان الراحل الخميني والحكومة الإيرانية في فترة الحرب العراقية الإيرانية مسؤولين عن الكثير من القوى التي زجت على جبهات القتال ليمارسوا العمليات الانتحارية ضد القوات العراقية , إذ يكفي أن نتذكر كيف زج الخميني بالصبيان الصغار (أقل من 15 سنة ) في المعارك الأمامية ضد قوى الاحتلال الصدامية في الحرب العراقية الإيرانية واستشهد الألاف منهم , وكان كل من هؤلاء الذين قتلوا في تلك الحرب يحمل في عنقه مفتاح جنته الموعودة!
في ضوء هذا وغيره أشير بوضوح إلى أن السيد مثال الآلوسي لم يكن مخطئاً في ما طرحه في ذلك المؤتمر الدولي الذي عقد في إسرائيل , كما أنه لم يذكر كل الحقائق التي يعرفها عن دور إيران في العراق وفي تأثيرها على الوضع الأمني في البلاد.
إن مجلس النواب غير محق وغير عادل وغير موضوعي في اتخاذه قراراً خاطئاً وخطراً في آن بحق الآلوسي , ولا بد من التصويت مرة أخرى ضد هذا القرار والاعتذار للسيد مثال الآلوسي عن هذا القرار البائس والمجحف.

المصح- براندينبورگ في 20/9/2008 كاظم حبيب