الرئيسية » مقالات » ألآلوسي مثال طيب! 2-3

ألآلوسي مثال طيب! 2-3

اتخذ مجلس النواب العراقي قراراً يقضي برفع الحصانة البرلمانية عن النائب السيد مثال الآلوسي. جاء هذا القرار مفاجئاً , ولكنه ليس غريباً عن مجلس من هذا التكوين , لأن الأستاذ مثال الآلوسي كان قد زار إسرائيل قبل ذاك ولنفس السبب , أي المشاركة في مؤتمر دولي يبحث في شئون الإرهاب الدولي , ومنه الشأن العراقي , حيث لا يزال الإرهاب الدموي يلتهم بنات وأبناء العراق ويدمر المزيد من المنشآت ويحَّمل الدولة خسائر مالية فادحة سنوياً ويبقي البلاد في قلق ويضعف من قدرتها على تمويل المشاريع الاقتصادية وتشغيل العاطلين عن العمل …الخ. ومن هنا يفترض نفي أن يكون السبب وراء رفع الحصانة هو دخول الآلوسي إسرائيل والمشاركة في المؤتمر الدولي الذي شاركت فيه 60 دولة , بمن فيها دول عربية وإسلامية وأوروبية …الخ. فاين أذن تكمن العلة؟
تطرح أمامنا ثلاث احتمالات نحاول أن نتحرى عنها لمعرفة السبب وراء رفع الحصانة الذي أيدته أكثرية الحاضرين في تلك الجلسة , وليس الأكثرية البرلمانية حين يكون الجميع حاضراً فيها.
يبرز الأول في ما تبناه أحد أعضاء المجلس في حواره مع الصديق الفاضل الأستاذ عبد المنعم الأعسم والذي أشار له فيه بأن العراق في حالة حرب مع إسرائيل ولا يجوز زيارة دولة عدوة. وهنا يطرح السؤال نفسه , إذن لماذا لم يحاسب قضائياً في حينها ؟ ولِمَ جرت الموافقة على ترشيحه لعضوية مجلس النواب , إن كان ذلك محرماً قانوناً منذ أول زيارة له إلى إسرائيل , وإذا كان العراق في حالة حرب معها؟
منذ سقوط النظام الاستبدادي في العراق , سقطت معه كل قرارات مجلس قيادة الثورة السابقة , بما فيها القرار الخاص بمنع زيارة إسرائيل وإيران والولايات المتحدة , إذ خلت الجوازات العراقية الجديدة من منع المواطنة أو المواطن من زيارة هذه الدول. وهذا يعني بالتتابع أن العراق لم يعد يعتبر نفسه في حالة حرب مع إسرائيل , وإلا لكان قد وُضع اسمها في قائمة الدول الممنوعة الدخول. العراق ليس دولة جارة لإسرائيل , وهي لا تهدد العراق بالحرب. وأن أكبر الدول العربية وأكثر القوى السياسية فيها حديثاً وتهريجاً عن وحول القومية العربية وفلسطين , وهي مصر , تقيم علاقات دبلوماسية وزيارات متبادلة بين المسئولين وغير المسئولين إلى البلدين. وهكذا الحال مع الأردن ومع عدد آخر من الدول العربية. العراق ليس في حالة حرب مع إسرائيل , وقد الغي هذا القرار , الذي كان قد صدر عن مجلس قيادة الثورة , باختفاء هذا المجلس وإعدام رئيسه بتهمة المجازر الدموية التي ارتكبها بحق الشعب العراقي وخيانة هذا الشعب , ولا يمكن العمل بهذا القرار لرفع الحصانة عن السيد الآلوسي , بل يفترض أن يحاسب الآلوسي وفق الدستور العراقي , والدستور العراقي لم يعتبر إسرائيل في حالة حرب مع العراق ولا اعتبرها عدوة للعراق. وبالتالي فهذه الذريعة لا يؤخذ بها في المحاكم العراقية التي يفترض فيها أن تستند إلى الدستور الجديد في الحكم على ما يجري من أحداث.
المسألة الثانية هي أن الأستاذ الآلوسي قدم في المؤتمر الدولي مطالعة اتهم فيها إيران , كدولة وحكومة ومؤسسات عسكرية , بالتدخل في الشأن العراقي وتشجيع الإرهاب ومده بالأموال والأسلحة وفتح الحدود بين إيران والعراق أمام القوى الإرهابية للدخول وإدخال المخدرات أيضاً. وهذا الاتهام يذكره المسؤولون العراقيون يومياً. سمعناه من الدكتور موفق الربيعي , مستشار الأمن القومي , وسمعناه من أعضاء بارزين في المجلس الأعلى الإسلامي في العراق ومن آخرين , بل وسمعناه من رئيس الوزراء نوري المالكي ومن الناطق الرسمي باسمه , الدكتور علي الدباغ. وقد كَتبتُ عن تدخل إيران في العراق وخاصة في جنوب العراق عشرات المقال المدعمة بحقائق على الأرض برهنت الحياة على صحتها. فهل هذه المطالعة التي اتهم فيها السيد الآلوسي إيران بالتدخل في الشأن العراقي والتأثير على الحياة السياسية والدينية والاجتماعية فيه وإثارة النزاعات الطائفية وتمويل الإرهاب بالمال والسلاح والعتاد والإرهابيين هو السبب وراء هذا الموقف المسيء لمجلس النواب العراقي في رفع الحصانة عن السيد الآلوسي؟
المسألة الثالثة تبرز في مطالبة السيد الآلوسي من على منبر المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب بتشكيل تعاون وتنسيق دوليين في المنطقة , وخاصة دول الخليج , لتنظيم النشاط الأمني والاستخباراتي وتبادل المعلومات والمعارف , لمواجهة النشاط الإيراني المتفاقم في المنطقة , وخاصة نشاطها في العراق ولبنان وفلسطين وسوريا ودول الخليج ..الخ. وهذا يعني بدوره الكشف عن أتباع اللوبي الإيراني ليس الذين يتحدثون بصراحة ويكشفون عن أوراقهم بلا تردد , بل وكذلك أولئك المخفيين أو الجواسيس الذين يعملون بالسر لصالح إيران في العراق والمنطقة. ولا شك أن هذه المسألة تزداد أهمية بالارتباط مع سعي إيران المتواصل لإنتاج السلاح النووي والذي سيهدد المنطقة بأسرها , بسبب الرغبة الجامحة لدى رئيس الجمهورية والحرس الثوري بتصدير الثورة الإيرانية إلى الدول الأخرى.
كل الدلائل تشير إلى أن في العراق لوبي إيراني قوي يمسك بيديه بعض المفاصل الأساسية في العراق , ويستخدم لهذا الغرض المليشيات الطائفية المسلحة أو التي أعلنت عن حل نفسها شكلياً وتسربت إلى مواقع مهمة في أجهزة الدولة ومجلس النواب , وخاصة الأجهزة الأمنية والعسكرية منها (الجيش والشرطة والحمايات), وأن إيران أبدت أكثر من امتعاضها من موقف الآلوسي ومطالعته في المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب وطالبت بمعاقبته والثأر لها منه وجندت ضده من يتحرك ويثير زوبعة في فنجان لرفع الحصانة البرلمانية عن الآلوسي. واستطاع هذا البعض , بغض النظر عن من هم هؤلاء .. أو ما هو عددهم , استطاع التحرك وإحراج الكثير من النواب الآخرين في قضية لا تزال حساسة , هي إسرائيل وعلاقتها بالعرب وفلسطين , فاستطاع أن يعبئ عدداً غير قليل من النواب الذي صوت إلى جانب هذا القرار البائس.
لا يمكن الادعاء بأن جميع من صوت إلى جانب هذا القرار هو من أتباع اللوبي الإيراني , بل أن بعضهم ربما ضد إيران أيضاً , بل هو ضد إسرائيل ويسعى إلى رميها بالبحر , كما كان شعار الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي , وهو الشعار القومي الشوفيني البائس وشعار أخوان المسلمين الذي كفت عن رفعه حتى الجامعة العربية وكل الدول العربية , في ما عدا قوى وأحزاب قومية يمينية لا تعمل شيئاً ضد إسرائيل سوى التهريج والوعيد , وبعض القوى الإسلامية السياسية من اتباع القاعدة ومن لف لفها أو أتباع أحمدي نجاد والحرس الثوري الإيراني ومن يخضع لقرارات هذا الحرس في العراق أو من كان جزءاً منه قبل ذاك ومن لا يزال يرتبط به بألف خيط وخيط. كما أن بعض القوى العربية السنية الطائفية الممثلة في المجلس , ومنهم بعض البعثيين المعروفين , صوت لرفع الحصانة عنه لأن الآلوسي ضد الطائفية السياسية , سواء أكانت شيعية أم سنية.
ولكن ما كان مثيراً حقاً في مجموعات القوى التي صوتت إلى جانب رفع الحصانة عن النائب الآلوسي هو تصويت التحالف الكردستاني (لا معلومات ما إذا كان كل التحالف أم بعضه قد صوت) إلى جانب هذا القرار الخائب. والأغرب من ذلك أن يعاتب الأخ الأستاذ الدكتور فؤاد معصوم , الذي أحترمه وأقدره كثيراً , السيد الآلوسي على خلقه هذه الورطة ووضعهم في موقف محرج. لا أدري أين هو الحرج , في وقت تقيم بعض الدول العربية علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وأخرى لها أوسع العلاقات الاقتصادية وثالثة في زيارات مستمرة ألى إسرائيل ؟ الحرج كما يبدو لي يبرز في الخشية من التهم الكاذبة التي تتقول بوجود علاقات بين إقليم كُردستان وإسرائيل , وأن هناك إسرائيليين في كُردستان العراق , أو أن الإسرائييلين اشتروا مساحات واسعة من الأرضي والعقارات ودور السكن في كُردستان , وأن كُردستان تريد أن تقيم علاقات سياسية ودبلوماسية مع إسرائيل ؟ لم أكن أتوقع من الأخ الدكتور فؤاد معصوم والتحالف الكُردستاني هذا الموقف , ولم أكن أتمنى أن يتخذ مثل هذا الموقف غير السليم , كما أرى!
لقد كان صدام حسين يتبجح بأنه سيحرر القدس – تماماً كما يهرج اليوم الفاشي الجديد في إيران محمود أحمدي نجاد بما أقامه من جيش المقدس – ولكن صدام لم يفعل شيئاً للفلسطينيين ولا جيش القدس الذي شكله , سوى التشجيع على الانتحار ودفع مبلغ مقطوع لعائلات المنتحرين (20 ألف دولار لكل عائلة منتحر) (ويقال أنه لم يدفع حتى هذا المبلغ) , مما رفع من درجة مناهضة العالم لهذه العمليات الانتحارية غير السليمة والموجهة ضد المدنيين في إسرائيل والتي كانت تقابل بعمليات انتقامية ضد المدنيين أيضاً من جانب حكومة إسرائيل. أدرك جيداً بأن إيران لم ولن تفعل شيئاً ضد إسرائيل , فالعربة الفارغة كثيرة الجعجعة , كما أنها تعرف عواقب ذلك عليها بالذات , ولكنها تريد أن تجعل بعض القوى والدول العربية مخلب قط أو ملقط نار لها ضد إسرائيل , وهذا ما لا يجوز للعراق , أو أي دول عربية أخرى , أن يقع في مثل هذا المطب.
حين يكون لنا موقف من إسرائيل , فهو لا يرتبط بوجودها كدولة ولا يرتبط بشعبها اليهودي , ولا بديانتها اليهودية , بل يرتبط بسياسة حكومات إسرائيل اليمينية التي غالباً ما تسوف في الوصول إلى سلام دائم وعادل مع الشعب الفلسطيني وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها محمود عباس (أبو مازن) , لأنها لا تنفذ قرارات مجلس الأمن الدولي السابقة , ولأنها تقتطع باستمرار مزيداً من الأرض الفلسطينية وتقيم عليها مستعمراتها , ولأنها تعاقب جماعياً دون وجود حق قانوني بذلك بل ضد القانون الدولي وضمن ما يطلق عليه بجرائم الحرب , ولأنها لا تعامل العرب معاملة اعتيادية , بل هي تمارس سياسة شوفينية تمييزية أيضاً , كما كان موقف الحكام العرب والجماعات القومية العربية من اليهود في الدول العربية.
لا يقيم العراق حتى الآن علاقات دبلوماسية مع إسرائيل , ولكنه ليس في حالة حرب مع إسرائيل. ينبغي تأكيد هذه الحقيقة أولاً. وإسرائيل دولة رأسمالية متقدمة بالقياس إلى كافة الدول العربية , وهي في المفهوم الغربي المعوج ديمقراطية تسودها الديمقراطية الشكلية , ولكنها تبقى أفضل عشرات المرات من كل الديمقراطيات العربية التي هي ليست سوى استبداد غاشم تعيشه أغلب الشعوب العربية مع النظم السائدة فيها. وحين تكون هذه الدولة رأسمالية على النمط الغربي , فهذا يعني جملة من المسائل التي لا بد من تأشيرها , وهي:
** إنها دولة طبقية ذات علاقات إنتاجية رأسمالية استغلالية للطبقة العاملة والفلاحين وبقية الكادحين.
** وأنها دولة شوفينية لأنها دولة قومجية (الصهيونية) كأي دولة قومية أخرى في المنطقة , ومنها بعض الدول العربية أو كلها , وبالتالي فأتباع القوميات الأخرى الذين يعيشون فيها يعانون من التمييز القومي.
** وهي دولة تأخذ بالدين اليهودي , كما تأخذ الكثير من الدول العربية وغير العربية بالدين الإسلامي باعتباره دين الدولة الرسمي , وهي بالتالي تميز بين أتباع الأديان والمذاهب المختلفة لصالح الدين اليهودي , كما نلاحظ ذلك في كل الدول العربية إزاء أتباع الأديان الأخرى من غير الإسلام.
** وهي تميز بين اليهود من حيث كونهم من اليهود الاشكناز الأوروبيين أو من اليهود الشرقيين أو من السود الأفارقة (الفلاشا الأحباش) , إذ أن الآخيرين هم في آخر السلم التراتبي التمييزي.
** وهي دولة يسود فيها الفساد المالي والإداري كأي دولة رأسمالية أخرى في العالم , ولا تختلف كثيراً عن دول العالم العربي , في ما عدا نقطة واحدة هي أن الفاسد والمفسد في إسرائيل ينكشفان للملأ ويقدمان إلى المحاكمة , في حين لا يمكن الوصول إلى نتائج محددة في العالم العربي. مثال ذلك ما يجري الآن لرئيس الوزراء المستقيل آولمرت.
** وهي لا تزال تمارس إرهاب الدولة المحتلة في فلسطين إزاء الفلسطينيين بحجة أنهم يمارسون العمليات الانتحارية ضد الإسرائيليين , وهو اتهام صحيح لأنه موجه ضد المدنيين من سكان إسرائيل. وقد أشار تقرير القس دزدموند توتو , (من جنوب أفريقيا) ممثل الأمم المتحدة في التحقيق في ما حدث في بيت حانون في العام 2006 , إلى أن القصف المدفعي الثقيل ضد بيت حانون يرتقي إلى مستوى جرائم الحرب والتي حاول الجيش الإسرائيلي التستر علي طبيعتها. كما أنها لا تزال تحتل مرتفعات الجولان السورية ومزارع شبعا اللبنانية.
ولكن هذا الواقع وسياسة الحكومة الإسرائيلية لا يمنع بأي حال من عقد مؤتمرات دولية في إسرائيل ومشاركة الكثير من الدول والشخصيات العراقية والعربية فيها بشأن مكافحة الإرهاب مثلاً , وهناك بالضبط يمكن إدانة كل أشكال الإرهاب بما فيه إرهاب أسرائيل للفلسطينين , وكذلك العمليات الانتحارية وقذف الصواريخ من غزة التي يمارسها المتطرفون الفلسطينيون ضد المناطق السكنية في إسرائيل .
ومن حيث المبدأ لم يرتكب الآلوسي مخالفة دستورية بحيث تسمح لمجلس النواب العراقي رفع الحصانة البرلمانية عنه. وهذا ما أتوقع أن يؤكده القضاء العراقي حين يعتمد الدستور في إصدار حكمه في هذه القضية المهمة.

المصح / براندينبورگ 19/8/2008 كاظم حبيب 

1/3