الرئيسية » مقالات » الآلوسي مثال طيب! 1-3

الآلوسي مثال طيب! 1-3

المدخل:
حين كنت في المستشفى وتحت العلاج صدر في 14/9/2008 عن مجلس النواب العراقي القرار القاضي برفع الحصانة البرلمانية عن النائب العراقي ورئيس حزب الأمة الأستاذ مِثال الآلوسي وتقديمه إلى المحاكمة بسبب مشاركته في مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب عقد في دولة إسرائيل. وشعرت مباشرة بالمخاطر الكبيرة والجديدة التي بدأت تهيمن على الساحة السياسية العراقية , مخاطر الاستبداد الشمولي التي تتسبب بها قوى إسلامية سياسية وقومية يمينية متطرفة تلتزم بأيديولوجية دينية شمولية أو أيديولوجية قومية شوفينية شمولية , وأن هذا القرار ليس سوى البداية المريعة المحتملة “أول الغيث قطر ثم ينهمر المطر”! ولم تمض فترة طويلة حتى صدر القرار القرقوشي الجديد المعبر عن طبيعة هذا المجلس والقاضي بإلغاء المادة 50 من قانون انتخابات مجالس المحافظات , تلك المادي التي تسمح للقوميات الأخرى الأقل عدداً بحصة معينة من الممثلين ينتخبون في مجالس المحافظات. وقد كان هذا القرار تأكيداً لمخاوفي وسيراً على نهج المثل الشعبي القائل “درب الصد ما رد”! وتحت تأثير القرار الأول كتبت هذه المقالات الثلاث التي لم يتسن لي نشرها وأنا في المستشفى أو المصح وأنشرها الآن تباعا. أملي أن لا تكون متأخرة.

1-3
كانت المرة الأولى التي سمعت بها اسم الأخ الكريم الأستاذ مثال الآلوسي حين كنت في برلين , وحين علمت من نشرات الأخبار الألمانية أن رجلين عراقيين مناهضين للنظام العراقي , أحدهما يحمل بيده مسدساً صغيراً , دخلا السفارة العراقية لا لقتل أحد , بل ليعلنا عن رفضهما للنظام العراقي ويجلبا انتباه الألمان والأوروبيين والعالم إلى الكوارث والمآسي والتجاوزات القاتلة على حقوق الإنسان التي كانت تجري يومياً حينذاك في العراق. وأقولها اليوم بصراحة , لم ارتح في حينها لهذا الأسلوب , إذ أنه لا ينسجم مع ما التزمت به من حقوق الإنسان ومن رفض استخدام العنف أو حمل السلاح لفرض شيء ما , كما كنت ولا أزا أدرك بأن هذا الأسلوب يثير عدم ارتياح الغالبية العظمى من سكان أوروبا , وبالتالي يحصد الإنسان عكس ما كان يسعى إليه. وفي حينها حاول الدكتور غالب العاني , وكان رئيساً لمنظمة حقوق الإنسان في العراق/ألمانيا , زيارته والاطمئنان على صحته ومعرفة حاجاته , ولكن لم يحصل ذلك. ولكن كان دائم الاتصال بابنه للاستفسار منه عن الوالد وعن أوضاعه في المعتقل الألماني. وكنت أتتبع أخباره عن طريق الصديق الدكتور غالب العاني.
ثم جاء سقوط النظام الاستبدادي عبر الحرب , وعاد الأستاذ الآلوسي ضمن من عاد إلى الوطن. تابعت بعناية نشاط ومواقف السيد مثال الآلوسي منذ فترة وصوله إلى بغداد وعمله مع الدكتور أحمد الجلبي ثم سفره فيما بعد إلى إسرائيل للمشاركة في مؤتمر دولي ضد الإرهاب , وما نجم عنه من افتراق عن حزب الجلبي وتشكيله مع مجموعة من صحبه حزب الأمة العراقي وانتخابه عن الحزب ممثلاً في مجلس النواب العراقي , وما أعقب ذلك من استشهاد ولدين شابين يافعين له في بداية عمرهما وحياتهما الغضة , هما الشهيدان أيمن وجمال الآلوسي , على أيدي عصابات الموت والخراب في العراق. ثم تابعت ما حصل له أخيراً في مجلس النواب العراقي في محاولة بائسة من جمهرة من أعضائه لرفع الحصانة عنه كنائب يتمتع بها وفق الدستور العراقي الجديد والعمل على تقديمه إلى المحاكمة.
وخلال الفترة المنصرمة استمعت إلى أكثر من مقابلة صحفية له , كما قرأت له أكثر من مقال وبيان صحفي , كما أن أدبيات حزبه تصل إلى بريدي الإلكتروني باستمرار وأقرأها بعناية , إذ فيها الكثير من المعلومات النافعة.
ليس مهماً مدى اتفاقي أو اختلافي مع الأخ السيد مِثال الآلوسي , سواء أكان ذلك من الناحية الفكرية أم السياسية أم المواقف , فهي قضية ثانوية تماماً في مثل هذا الظرف العصيب والمعقد والاستثنائي الذي يمر به العراق وما يواجهه السيد الآلوسي من محاولة جادة وسيئة لخنق حرية الإنسان وحقه في السفر والتنقل والمشاركة في أي مؤتمر عالمي أينما يعقد , والدوس الفظ على لائحة حقوق الإنسان الدولية والدستور العراقي وعلى لائحة مجلس النواب ذاته وعلى القضاء العراقي.
في هذا المقال الثلاثي الحلقات أحاول معالجة ثلاث قضايا أساسية , وهي:
السمات التي يتميز بها السيد مثال الآلوسي , علماً بأني لم التق به شخصياً , ثم ما يكمن وراء محاولات مجلس النواب سحب الحصانة عن الآلوسي , ثم من يقف وراء هذا القرار وما هي عواقبه إن نجح من يريد تمريره في الوصول إلى غاياته السيئة.
سأجيب في البداية عن السؤال التالي: ما هي السمات التي يتميز الأستاذ الفاضل والأخ الكريم السيد مثال الآلوسي ؟
السمة الأولى التي تفقأ عين كل من لا يريد رؤيتها هي شجاعته الفائقة واستعداده للتضحية بأعز ما يملك , بأولاده وبنفسه , من أجل أن يتحدث ويعمل وفق قناعته. فهو لا يخشى في الحق لومة لائم , ولكنه لن يضيع للود قضية , في آن واحد. ولا يمتلك الإنسان الشجاعة في مواجهة المصيبة التي امتلكها ما لم يكن مقتنعاً بما يتحدث به ويمارسه. إنها شجاعة وليست مغامرة , فمن يعمل في العراق يدرك أنه لا يتعامل مع ملائكة السلام والرحمة , بل مع الكثير من الأبالسة والمجرمين الذين لا يتورعون عن قتل أي إنسان أو قلع جذور أية عائلة لو وجدوا أنه يقف أو أنها تقف في طريق تنفيذ مخططاتهم العدوانية القذرة. وكان ولدا السيد الآلوسي ضحايا ليس بسبب جرأة وشجاعة أو مغامرة الآلوسي , بل ضحايا الإرهاب الإجرامي الذي تفشى ولا زال متفشياً في العراق وروح الانتقام ممن لم يكن يحتمل صراحة وجرأة أحاديث السيد الآلوسي ويتمنى الخلاص من كل من له قناعات مختلفة أو مخالفة لقناعات من يقف وراء القتلة المأجورين.
السمة الثانية التي يتسم بها هي قدرته على التحمل ومواجهة الصعاب بجلد وإيمان , فليس سهلاً أن يعمل المرء وسط عدد كبير من المناوئين له ومن يريد التخلص منه بأي ثمن كان , لأنه لا يسكت على ما يراه غير مناسب للعراق أو يلحق الضرر بالعراق والمجتمع.
السمة الثالثة هي حسه الوطني العراقي العالي وإخلاصه لهذا الوطن ونضاله من أجل أن يتخلص من كل الأعداء الذين يريدون به الشر في الداخل أو على حدود البلاد ودول الجوار. فهو لا يضمر الشر لأحد ولا يريد إيذاء أحد , ولكنه لا يريد أن يؤذى العراق بأي شكل من الأشكال. إن عراقيته محببة , رغم اختلافي معه حول المجتمع العراقي , إذ أن هذا المجتمع لا يشكل أمة , بل يتكون من قوميات عدة ومجازاً نقول الشعب العراقي ولكن غالباً ما يردف هذا المصطلح في الفترة الأخيرة بـ “كل مكوناته”, وهنا المقصود بمكوناته القومية , وهو تعبير سليم أيضاً.
السمة الرابعة ثقافته الرفيعة ومداركه العالية ووضوح الرؤية لما يريد وما يعمل من أجله , وهي التي تسمح له بالحديث المنطلق غير المتعثر أو المتردد في التعبير عما يجول في خاطره أو في الإجابة عن أسئلة الصحفيين والقنوات التلفزيونية أو خطبه في مجلس النواب وحواراته ونقاشاته المختلفة. وهي سمة نادرة في مجلس النواب العراقي الراهن.
السمة الخامسة صراحته المتناهية وشفافية مواقفه الفكرية والسياسية وعدم استعداده للقبول بحصول انفصام في شخصيته وفي سلوكه السياسي والإنساني , وهي العلة التي يعاني منها الكثير من بنات وأبناء الشعب العراقي , وخاصة الجمهرة السياسية منهم وفي مجلس النواب وفي الكثير من الأحزاب والقوى السياسية العراقية. ويمكن العودة إلى الدكتور الراحل على الوردي لنتعرف على خصائص ازدواج الشخصية في الفرد العراقي وأسبابها وعواقبها على الفرد والمجتمع. فالآلوسي صادق مع نفسه ومع شعبه ومع القضية التي يحملها وغير مستعد لمجاملة أحد حول أية قضية يعتقد ويقتنع بها. إنها خصلة حميدة جداً ونادرة أيضاً في الأوساط العراقية , ولكن تحمل معها مخاطر جمة.
عندما تجتمع هذه الخصائل في إنسان عراقي فهو جدير بالثقة وهو جدير بأي تضامن ضروري معه , لأنه تضامن مع الحق والعدل والكرامة العراقية , لأنه دفاع عن الحرية الفردية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المواطنة الحرة , ولأنه دفاع ضد القهر السياسي والاجتماعي والديني الذي عاشه الشعب طوال عقود. إن هناك قوى سياسية في العراق لا تريد للعراق الاستقلال والسيادة والتصرف الحر , بل تريده أن يكون تابعاً وخاضعاً لسياسة إقليمية إيرانية توسعية يفترض أن نتصدى لها بكل قوة , لأن هؤلاء يريدون الإساءة لكل ما هو خير في العراق لأغراض غير نبيلة ولها عواقب وخيمة على مستقبل العراق وتطوره وتقدمه.
إن الألوسي مِثالٌ طيبٌ للسلوك الحر والشجاع والشفاف والعقلاني الذي يفترض أن يكون عليه كل عراقي بغض النظر عن الأفكار والمواقف التفصيلية , فهو مثال طيب وعراقي أصيل وإنسان يحس بإنسانيته ويتعامل معها وفق ذلك , ولكنه في الوقت نفسه شوكة في عيون كل الذين لا يريدون الخير للعراق , أولئك الذين أنهوا حياة ولديه وحياة الكثير من العراقيات والعراقيين , ومنهم صديق الطيب والراحل الأستاذ كامل شياع , ويتمنون أن ينهوا حياته أيضاً , ولكن خاب فألهم وله العمر المديد !

المصح / براندينبورگ في 18/8/2008 كاظم حبيب