الرئيسية » مقالات » إشكالية الدين و العلمانية في العراق

إشكالية الدين و العلمانية في العراق

تشكل المسألة الدينية و البعد الروحي لحياة الإنسان دورا مهما في خلق بيئة متطورة و مدنية قائمة على التسامح و المحبة الإنسانيين – إذ ينبغي تجاوز الخطاب الفئوي في الدين – أو أن هذا البعد الروحي سوف يتسبب بكارثة في مجتمعاتنا كما هو واقع الحال الآن بسبب استغلال الدين و القومية سياسيا، إن الدين و لكونه يتجاوز البعد المادي المحدود للإنسان و لكونه يتجاوز المنطق و الفلسفة و كل الأفكار البديهية، فإنه يشكل خطرا فعليا إذ لا يمكن التحاور معه إذا ما تحول إلى فعل عنيف كون العنف لا يعرف لغة غير العنف المماثل.

الدين يكون مفيدا فقط حينما ينغمس في الروح الفلسفية و يتجاوز ظواهر النص الجامدة، و منذ صدر الإسلام كان هناك صراع و تنافس بين نمطين من التفكير، الأول – متمثلا في السلفيين من السنة و الشيعة و الخوارج و أهل الظاهر – كان يرى أن الإسلام كدين هو مجموعة نصوص و شرائع غير قابلة للتأويل و لا يمكن إيجاد حل وسط بين الرفض أو القبول لهذه الشرائع و القوانين، بينما الطرف الآخر – المتمثل في الشيعة الإشراقيين و المتصوفين السنة و الشيعة الإسماعيلية و الباطنية – كان يرى في الشريعة حلولا لمجتمعات لم تكن تملك قوانين وضعية أو ثقافة تنظم شؤون و مصالح الفرد و المجتمع.

إن الدين كحقيقة متجاوزة للمادة الملموسة لا يمكن له أن يطرح نفسه كمهيمن على السلطة الزمنية التي ينبغي لها أن تنسجم مع أهداف الدين و مقاصده لا تفاصيله المتراكمة و المرتبطة بحوادث تاريخية متصلة بظروف الماضي و أجواءه، فبالتأكيد زمننا مختلف كليا عن زمن النبي و الأئمة المعصومين، زمننا الذي أصبح أشبه بخلق جديد قوامه السرعة و تخطي الزمن و المكان و السبل، إذا فلابد من تحجيم التدين الذي أخذ حجما هائلا لا يناسب مكانته الحقيقية و صار من المهين للدين نفسه أن نطلب منه أجوبة على كل شيء مع أن مجال الدين محدد ببعض القواعد الأخلاقية و الاجتماعية، و هذا أشبه بالذي يرجو أن يبني بيتا أو بناءا عبر الطب أو الذي يعالج مريضا بالهندسة.

إن الإسلام ظهر في أرض غير مدنية قوامها الصراع و الغزو و كان عهد المدينة الذي أبرمه النبي مع اليهود أول دستور تعرفه الجزيرة العربية و الحقيقة أن العرب لو كانوا يملكون قوانين مدنية كحال الفرس و الرومان لربما كان الإسلام سيحوي جوانب عقائدية فقط، لكن و لأن الناس لم يكونوا يعرفون شيئا عن مفهوم العدالة و المساواة أمام القانون فقد كان لزاما على النبي أن يعلمهم حتى كيفية الاغتسال و الأكل و الشرب و هو ما جعل الفقهاء و الوعاظ يقدسون هذه التعليمات “الدنيوية” المحددة بواقع تاريخي معين، من هنا نستنتج أن هذه التعليمات و القوانين في غالبيتها كان يهدف إلى تمدين البيئة البدوية و يعرفها بهدف القانون – المساواة – و إن كان إسلاميون سيتهموننا بأننا نروج للـ”كفر” و “الإلحاد” فنحن لا نأبه بهم لأنهم من الدكتاتورية و روح الهيمنة إلى درجة أن أحدهم يكفر العالم أجمع.

إن غايات الأديان أهم من طقوسها، و نحن العراقيون أحوج ما نكون إلى هذه الثقافة التنويرية في بلد متعدد الأديان و الثقافات، فلو قمنا بجعل العراق دولة قائمة على العرق أو الدين فإننا بذلك نكون في بداية خلق شرخ حقيقي في المجتمع و النظام القضائي، لو كان العراق بلدا منقطعا عن جيرانه بفضل البحار – كاليابان مثلا – لربما كان من الممكن أن يكون العراقيون أقرب إلى النمط الواحد، و لعل هذا التنوع يكون بذاته دافعا و سببا لترسيخ العلمنة و العلمانية في العراق كون ذلك يشكل حاجة ماسة للحفاظ على الاستقرار و تطوير مجتمع مدني ذي بنية سليمة، فإذا كانت إيران و السعودية – التي تتسمان بهيمنة طائفة معينة – تعانيان من الداء الطائفي فما أحوجنا نحن العراقيين لذلك.

العلمانية تعاني في العراق بسبب تعاقب أنظمة شمولية كانت تعلن (علمانيتها) بينما كانت على أرض الواقع طائفية عنصرية مما أدى إلى ردّ فعل سلبي تجاه العلمانية و خصوصا أن تلك الأنظمة لم تنتهج نهج العلمانية الإيجابية التي تطبع النظام الديمقراطي الغربي الآن، هذه العلمانية التي تحمي حرية العقيدة و الفكر و الإبداع، بل كانت الأنظمة تضطهد العراقيين على أساس المذهب و الطائفة، حتى أن الشيعي كان متهما لمجرد انتمائه المذهبي و كان نظام البعث يصنف حتى معارضيه طائفيا لتكون عقوبة هذا المعارض أقسى من ذلك المعارض المنتمي إلى مذهب أو طائفة أخرى.

إذاً من الضروري للعراقي المتدين أن يعرف أن العلمانية لا تعني بحال من الأحوال أن يتم اضطهاد الدين و العقيدة و محاولة إلغائها بقدر ما تعني أن تكون السلطة و القوانين محايدة لا لون لها إلا اللون العراقي – الهوية الجامعة لكل المواطنين – فبذلك وحده نكون آمنين أحرارا نفكر كما نشاء و نعبر عن أنفسنا كما نريد.