الرئيسية » التاريخ » من صفحات التاريخ :الثورة القدرية الأولى

من صفحات التاريخ :الثورة القدرية الأولى

كان القدريون من معارضي الحكم الأموي البارزين و قد تعرضوا ( معبد الجهني و غيلان الدمشقي و الجعد بن درهم ) للملاحقة و القتل بسبب ذلك من قبل السلطة لكن تأثير هؤلاء القدريين وصل في وقت لاحق إلى البيت الأموي نفسه عندما تلقى بعض أمراء بني أمية العلم على بعض القدريين , كان بين هؤلاء مثلا آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد الذي كان يلقب بالجعدي لأنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بالقدر و خلق القرآن , و الخليفة الذي سبقه يزيد بن الوليد بن عبد الملك ( 705 – 744 م ) , الخليفة الأموي الثاني عشر..لم يصل يزيد إلى الخلافة بالطريقة التقليدية في توريث السلطة بل جاء إليها نتيجة ثورة على الخليفة السابق الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي اشتهر بمجونه و انتقامه الشديد من أعدائه من داخل البيت الأموي الذين عارضوا توليه العرش..عندما اشتد استياء الناس من حكم الوليد أتوا إلى يزيد و دعوه للبيعة فاستشار أخاه العباس فنهاه لكنه لم ينته و بدأ الناس يبايعونه سرا و رغم تحذير مروان بن محمد والي أرمينية من الخروج على الوليد قام بإرسال جيش لمقاتلة الوليد و دخل دمشق و كان أكثر أهلها قد بايعه سرا و انتهت الثورة بقتل الوليد..يذكر د. محمد عمارة أن هدف الثورة كان ” إعادة الحق في السلطة و السلطان إلى الأمة , بالشورى بعد أن ساد النظام الملكي الوراثي … و جعل معيار بقاء التفويض للحاكم هو الوفاء بشروط التفويض .. ” ( د. محمد عمارة , الإسلام و حقوق الإنسان ص 232 ) و هكذا عندما نجحت ثورته “أعاد الشورى لتكون فلسفة الحكم الإسلامي مرة أخرى و أعلن منهاج العدل من جديد بين الناس فزاد في عطاء الناس و نقص من أعطيات أمراء بني أمية فسموه “الناقص” ” ( د. عمارة , ص 230 )..واجه يزيد العديد من الاضطرابات التي قام بها أمراء أمويين طامعين أو ولاة الوليد في الأمصار و كان يواجهها داعيا معارضيه إلى الشورى لا إلى نفسه..لكن خلافته لم تدم أطول من خمسة أشهر قضاها في محاولة تثبيت خلافته ليسدل الستار على محاولة تحويل النظام من الداخل بعد أن فشلت كل محاولات تغييره أو إسقاطه بالمعارضة المسلحة للخوارج و الشيعة أو المعارضة الفكرية للقدريين و الجبريين…
من خطبة يزيد بن الوليد بعد نجاح ثورته
أيها الناس : إني و الله ما خرجت أشرا و لا بطرا و لا حرصا على الدنيا و لا رغبة في الملك … و لكني خرجت غضبا لله و رسوله و دينه … لما هدمت معالم الهدي و أطفئ نور أهل التقوى و ظهر الجبار العنيد المستحل لكل حرمة و الراكب لكل بدعة …
و إن لكم أعطياتكم عندي في كل سنة و أرزاقكم في كل شهر حتى تستدر المعيشة بين المسلمين فيكون أقصاهم كأدناهم , فإن وفيت لكم بما قلت فعليكم السمع و الطاعة و حسن المؤازرة و إن أنا لم أف فلكم أن تخلعوني إلا أن تستتيبوني فإن تبت قبلتم مني فإن علمتم أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم فأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه و يدخل في طاعته
د. محمد عمارة , الإسلام و حقوق الإنسان , ص 232 – 234 .