الرئيسية » مقالات » هل المالكي بمستوى التحديات القادمة؟ 2-2

هل المالكي بمستوى التحديات القادمة؟ 2-2

استطاع الائتلاف العراقي الموحد وعبر مساومات سياسية مع قوى التحالف الكُردستاني وقوى أخرى أن يدخل بعض الأفكار الإسلامية الطائفية الضيقة في الدستور الجديد , ولكن الدستور سيبقي يعتمد على من ينفذه. كما وجد ذلك تعبيره الصارخ في الممارسة في واقع البنية الطائفية والقومية الجديدة للوزارات التي أصبحت تشكل هاجساً ثقيلاً حتى على أولئك الذين مارسوا هذه السياسة الطائفية في جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية. وهي لا تزال قائمة وضاغطة بشكل مريع على جميع فئات المجتمع وخاصة الغالبية المستقلة التي لا تمت لأي حزب من الأحزاب السياسية العراقية بصلة والتي يمكن ـأن تصل نسبتها إلى أكثر من 95 % من مجموع بالغي سن الرشد.
هذا المشروع السياسي الذي حمله المالكي معه , سواء أكان مؤمناً أم غير مؤمن به , لم ولن ينجح في العراق. اقتنع المالكي , كما يبدو ظاهرياً , بهذا الاستنتاج منذ وصوله لرئاسة الوزارة وفشل سلفه الجعفري – الذي تميز بالطائفية الدينية والسياسية حتى النخاع في التفكير والممارسة – من تكريس الطائفية السياسية رغم نجاحه المؤلم في غزو وزارتي الداخلية والأمن الوطني …الخ بشكل خاص بالقوى الطائفية الحاقدة والدخيلة , بسبب واقعية المالكي النسبية , وبالرغم منه أحياناً كثيرة , ومن خلال تعامله المباشر مع المشكلات التي واجهت وتواجه العراق. وهو موقف من حيث المبدأ أيجابي يخدم عمله السياسي ويخدم العراق في آن إن صدقت النيات. ولكن المالكي عجز في السنة الأولى من وجوده على رأس الحكم أن يطرح مشروعاً جديداً أو يتبنى ما هو صالح للعراق لأسباب كثيرة معروفة , فوجد نفسه في المحصلة النهائية أمام خيارين لا ثالث لهما : إما الاستقالة وترك الائتلاف الحاكم يختار رئيس وزراء جديد ويلتحق بالجعفري الذي فقد كل رصيده السياسي المحدود في العراق , وإما أن يقوم بتنفيذ ما يفرضه عليه الواقع السياسي العراقي مستفيداً من تأييد التحالف الكردستاني غير المحدود له في هذه الخطوة. وكان في مقدمة تلك المسائل الشائكة , الموقف من المليشيات المسلحة , وخاصة ميليشيات جيش المهدي والتيار الصدري المتطرف فكرياً (دينياً ومذهبياً) وسياسياً وعسكرياً وثقافياً , وبعض القوى الأخرى. كان الاختيار صعباً , ولكنه أدرك إما أن يكون أو لا يكون ! فاتخذ القرار الصائب بتفليش ميليشيات جيش المهدي التي كانت ولا تزال تقاد من رجلٍ لا يعرف حتى الآن ما يريد ولا ما يراد له ممن يوجهه فكرياً وسياسياً , ولذلك نجده يتحرك بين “حانة ومانة” , بين مدينتي “نعم ولا” , فتسبب هذا التيار وجيشه أيضاً في أغراق العراق بالدم والدموع وأشلاء الموتى العراقيين والجرجى والمعوقين. ولكن دور ميليشيات جيش المهدي العدواني لم ينته بعد , إذ لا تزال إيران تريد له دوراً مقارباً لدور حزب الله في لبنان. وسيتسبب هذا الجيش ورأسه بالكثير من المآسي والكوارث للناس البسطاء والطيبين في العراق ولكل الشعب العراقي خلال الفترة القادمة , ما لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بلجمه ولجم جيشه في آن.
لقد نجح السيد المالكي في البصرة ومدينة الثورة ببغداد والموصل وفي ديالى , وحقق نتائج مهمة , ولكنه لم ينته منها بعد , لأن هذا التيار وجيشه يفعل اليوم كما فعلت قوى فيلق بدر حين توزعت على الحمايات الخاصة للإئتلاف العراقي الموحد ووزراء وكبار موظفي هذا الائتلاف وحمايات دوائر حكومية “تعود” لذلك الائتلاف حيث يمكن تشكيل جيش جرار منها في سويعات لا غير , وهي مالكة لمختلف أنواع الأسلحة. وهو الأمر الذي يفترض أن يراقب جيداً , لأنه من حيث المبدأ يشكل قوة مسلحة كبيرة داخل القوات الحكومية العراقية المسلحة لا تأتمر بأوامر الحكومة بل بأوامر مسؤول فيلق بدر , وهو عضو قيادي في المجلس الأعلى الإسلامي في العراق وعضو في مجلس النواب العراقي , وصديق مخلص جداً جداً لإيران بشكل خاص!
كما لم تتخذ الحكومة إجراءات أخرى مماثلة ضد بعض المليشيات السنية العربية المشكلة بصورة غير رسمية وغير المعلن عنها رسمياً والناشطة سياسياً والمستعدة دوماً والفاعلة عند الحاجة. علماً بأن الكثير من أعضاء تلك الجماعات المسلحة قد التحق بجماعات الصحوة لما في هذا الالتحاق من امتيازات مهمة ومتنوعة. إذ من المحتمل أن تصبح في فترة لاحقة مشكلة فعلية لا للحكومة وحدها , بل للدولة العراقية والمجتمع , ما لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بالحد من احتمال تطور تلك القدرة وتشكيلها قوة متفردة داخل القوات الحكومية التي يمكن أن لا تأتمر بأوامر الحكومة , بل بأوامر شيوخها.
ومع أن المالكي لم ينته من العملية الأمنية والعسكرية , بل تصاعدت هنا وهناك عمليات إرهابية تتحدى السلطة والمجتمع , فقد أعلن عن سعيه لتشكيل مجالس الصحوات في الوسط والجنوب. والسؤال المنطقي هو : لماذا يحتاج رئيس وزراء العراق والقائد العام للقوات المسلحة إلى تشكيل مثل هذه الصحوات؟ لا يحتاج المتتبع إلى ذكاء خاص ليؤكد ما يلي من العوامل وراء هذه الرغبة الجديدة التي يدافع عنها قادة في حزب الدعوة , إضافة إلى المالكي :
لم يمتلك حزب الدعوة ميليشيات رسمية مسلحة , كما في حالتي المجلس الأعلى والتيار الصدري وقوى شيعية أخرى , وبالتالي أصبحت الآن , كما يرى حزب الدعوة , الظروف مهيئة لمثل هذا التأسيس لمنافسة ومواجهة تنامي نفوذ المجلس الإسلامي الأعلى على حساب التيار الصدري في محافظات الوسط والجنوب مثلاً. كما أن هذه الصحوات ستتسلم رواتب ومخصصات من الحكومة العراقية , وبالتالي ستدين بالولاء لمن يدفع لها مالياً ويزودها بالسلاح , وهو رئيس الوزراء. إن حزب الدعوة يتوقع قرب انفجار صراع سياسي , وربما بالسلاح , داخل الائتلاف , أي بينه وبين المجلس الإسلامي الأعلى وهو أمر متوقع بين كل المليشيات الطائفية المسلحة.
إن السيد نوري المالكي وقيادة حزب الدعوة (جناح المالكي) يع فان حجم قوات فيلق بدر وانتشارها في أجهزة الدولة العسكرية العراقية وتشكيلها قوة غير رسمية داخل القوات الحكومية المسلحة , وبالتالي يريد أن تكون له ذات القوات لمنافسة القوى الأخرى في الوسط والجنوب , خاصة وان انتخابات مجالس المحافظات لم تعد بعيدة في هاتين المنطقتين. وممارسة مثل هذا الأمر سيء حقاً من قبل رئيس وزراء عراقي يقف على رأس السلطة السياسية ويمارس مثل هذا الإجراء , في حين أن واجبه أن يمنع نشوء ميليشيات تحت أي اسم كان.
ما أنجز حتى الآن في مقاومة ومطاردة وطرد قوى الإرهاب الدموي التابعة للقاعدة يعتبر إنجازاً كبيراً , ولكنه لم ينته حتى الآن , كما يمكن أن ترفع ميليشيات المهدي رأسها من جديد وتتمرد على قائدها االمتلون والمتقلب , إضافة إلى تحرك أكبر لقوى البعث المرتبطة بعزة الدوري. كما أن هذا الإنجاز لم يتوج بمنجزات سياسية فعلية على أرض الواقع لكي تعزز المنجزات الأمنية , ولم تتحقق نجاحات في الحقل الاقتصادي أو في مكافحة الفساد المستشري في البلاد.
كان يفترض أن يشكل هذا الإنجاز الأمني المهم جزءاً من مشروع وطني مدني ديمقراطي فيدرالي حديث للعراق الجديد. ولكن ليس هناك من مشروع لدى الحكومة. فالسيد المالكي لا يملك اليوم مشروعاً من هذا القبيل وغير قادر حتى الآن على طرح مثل هذا المشروع , وربما يمكن إيراد بعض الأسباب لهذا الموقف , ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن السيد المالكي عاجز عن وضع وتنفيذ مثل هذا المشروع , بل أن قدرته على التحول والتطور موجودة إن أراد ذلك ولكن باتجاهين متعاكسين تماماً. ومع ذلك فهو ليس خياره الشخصي بل سيبقى خاضعاً لمجموعة من المستلزمات التي يمكن أن تفرض نفسها بالاتجاه الديمقراطي المنشود وتساعده على اتخاذ القرار المطلوب , أو العكس أيضاً. مع واقع وجود عوامل تدفع بالاتجاهين. علينا أن لا نهمل دور إيران في هذا المجال.
إن النجاح الأمني النسبي المهم كان ولا يزال يتطلب نجاحات في الساحة السياسية العراقية , ولكن لم يتحقق ذلك , بل نشأت تصدعات في التحالف الحكومي الراهن الذي , كما يبدو , لا يمارس عمله , بل أن رئيس الوزراء هو الذي ينفذ ما يراه مناسباً أو ما يقترحه عليه مستشاروه من نفس الإيديولوجية الدينية والطائفية السياسية. التصدع يسير باتجاهين , داخل الائتلاف الشيعي , ومع التحالف الكردستاني , إضافة إلى الشرخ القائم مع القوى الأخرى.
مع ذلك نقول إن الإنسان الواقعي يتغير بتغير الزمن والظروف التي يعيش في ظلها , وطبيعة ووجهة هذا التغير ترتبط بعوامل فاعلة كثيرة , يتمنى الباحث أن يحصل ذلك للسيد المالكي وجمهرة من العاملين معه بالاتجاه الديمقراطي وليس بالاتجاه الاستبدادي , إذ أن التحول صوب الديمقراطية سيكون لصالح العراق ولصالح مستقبل أفضل لجميع القوميات المتعايشة فيه , أما الاستبداد فيقود إلى كوارث جديدة , وهو أشد ما يخشاه الإنسان , إذ أن الإيديولوجيتين الدينية والقومية تقودان إلى الشمولية والاستبداد , وألأيديولوجيات الأخرى غير محمية طبيعياً أيضاً. وقد لنا العالم الرأسمالي والاشتراكي الكثير من الحقائق في هذا الصدد.
المشروع الوطني والديمقراطي الذي لا يمتلكه المالكي ليس مجرد إجراءات أو سياسات هنا وهناك , بل يفترض أن يكون سلة متكاملة من المشروعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنويرية والعسكرية والبيئية , سلة من المشروعات الداخلية والعلاقات الإقليمية والدولية المستقلة عن بعضها وفي الوقت نفسه متشابكة ومتبادلة التأثير مع بعضها الآخر والمتفاعلة في ما بينها والمتسمة بالديناميكية والمرونة والقابلية على التعديل والتطوير والإغناء , والتي تشكل في المحصلة النهائية خطاً واحداً تلتقي عنده وتدفع بالبلاد نحو المنشود من التقدم , أي نحو الأهداف المركزية التي يمكن أن تتحدد في المشروع الوطني الديمقراطي العراقي. ويمكن أن يطلق على هذا المشروع الوطني الديمقراطي والمدني الحديث باستراتيجية التنمية الوطنية على المستويين المادي والبشري , وفي الجانبين الداخلي والدولي. ومثل هذا المشروع حتى في خطوطه الأولية غائب عن السياسة العراقية وعن الحكومة بشكل خاص , وهو ما أكده الكثير من المختصين والعاملين في العراق , كما ورد على لسان السيد الدكتور علي بابان , وزير التخطيط والتنمية العراقي في أكثر من تصريح صحفي له , كما يؤكده عشرات المختصين في الشئون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية …الخ. وبالتالي يصعب على العراق أن يجد حلولاً عملية لتلك الأزمات التي يعاني منها والتي أشرنا إليها في بداية الموضوعات دون أن يمتلك مثل هذا المشروع الديمقراطي والعقلاني.

1/10/2008 كاظم حبيب