الرئيسية » مقالات » هل المالكي بمستوى التحديات القادمة؟ 1-2

هل المالكي بمستوى التحديات القادمة؟ 1-2

الخطوة الأولى وماذا بعد؟
انقضى من عمر الجمهورية الخامسة 66 شهراً بالتمام والكمال. ومنذ ما يقرب من سنتين انتقلت رئاسة الوزراء إلى السيد نوري المالكي , رئيس أحد أجنحة حزب الدعوة الإسلامية والمشارك في الحكم والممثل القلق للائتلاف الوطني العراقي الشيعي الحاكم الهش. وها نحن نقف , بعد انقضاء هذه الفترة الزمنية غير القصيرة , أمام كثرة من الأسئلة , منها مثلاً :
هل امتلك المالكي مشروعاً سياسياً حين تسلم الحكم ؟ وهل يمتلك الآن مشروعاً سياسياً وطنياً وديمقراطياً جديداً ؟ أم أن الرجل لا يزال يمارس سياسة ردود الفعل ويحوم حول مشروع سياسي مبهم وعائم؟
إن طرح هذه الأسئلة يقترن بالظواهر التي يعيشها العراق في المرحلة الراهنة والأزمة الطاحنة التي لا تزال تحيط بالحكم والمجتمع وتخلف سبل معالجتها في ضوء المشروع السياسي الذي يفترض أن يمتلكه العراق. فالأزمة الراهنة هي أزمة تشمل الدولة بسلطاتها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية , تشمل السلطة التنفيذية بكل أجهزتها والمجتمع بأغلب طبقاته وفئاته الاجتماعية وهي تشدد الخناق بشكل خاص ومؤلم على الفئات الكادحة والفقيرة والأكثر عوزاً وصغار الموظفين وذوي الدخل المحدود , أزمة تشمل الأحزاب والتكتلات السياسية وتحالفاتها , أزمة أفراد , وأزمة قيم ومعايير فردية وجمعية وأزمة ثقة , إضافة إلى كونها أزمة علاقات معقدة ومركبة مع دول وقوى الجوار والعالم. وحين يدرك الإنسان هذا الواقع عليه أن يتحرى عن حلول لجميع هذه الأزمات التي تواجه العراق. وهي مهمة تقع على عاتق الحكومة وجميع المسئولين والقوى والأحزاب السياسية , إضافة إلى مراكز البحث العلمي التطبيقي التي تعالج المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والثقافية … الخ.
حقق العراق , وفق تقديرات أغلب المتابعين , خلال الأشهر المنصرمة بعض المهمات الأمنية والعسكرية الصعبة , نشأت عنها مهمات سياسية جديدة أكثر تعقيداً وصعوبة على المديين القريب والبعيد , كما برزت التزامات أكثر استحقاقاً؟ وإذا كانت بعض الأهداف والمهمات التي أنجزت بدت قبل ذاك بصيغتها العامة ودون تفاصيل , فأن تفاصيلها هي التي وضعت ويمكن أن تضع الدولة والمجتمع في العراق أكثر فأكثر على كف عفريت وفوق برميل مليء بالبارود القابل للاشتعال في كل لحظة , ما لم تتبلور رؤية عقلانية ووعي بالواقع العراقي ومشكلاته والقوى التي تحيط به من جهة , ووعي بتاريخ العراق خلال سنوات القرن العشرين من جهة ثانية , لكي لا نكرر ما ارتكبه الحكام الآخرون من أخطاء وما ترتب عليها وعنها من عواقب وخيمة على كل مكونات الشعب العراقي.
حين نتابع تصريحات ونشاط أغلب السياسيين العراقيين في المرحلة الراهنة , يمكننا تشخيص عدد من السمات السلبية التي تؤثر على المجتمع العراقي وعلى حل المشكلات التي تواجه العراق , ومنها على سبيل المثال لا الحصر :
1. عدم الالتزام بمواد الدستور التي تم إقرارها , بل أن كل طرف سياسي يرى ويسعى إلى تطبيق ما ينسجم مع رغباته ويبتعد عن تلك التي لا تتناغم مع وجهات نظره , وفي هذا تجاوز على الدستور وعلى التعامل الواعي والمتساوي مع مواد الدستور , أي أن الأمور تقاس من جانب غالبية السياسيين العراقيين بمكيالين , وكأن بالإمكان حصولا صيف وشتاء على سطح واحد. كما أن هذا يعتب تجاوزاً على كل الاتفاقات التي تمت بين القوى السياسية العراقية المعارضة لنظام الدكتاتورية قبل سقوطه.
2. لا تختلف غالبية السياسيين العراقيين بشكل عام عن بقية المواطنين في واقع معاناتها من انفصام الشخصية والتصريح بشيء في مقابل العمل بشيء آخر , أو امتلاكها لوجوه عدة وألسنة أكثر , وهو الأمر الذي يُسقِطُ مصداقية الكثير من السياسيين العراقيين , إذ أن هذه السمة حين يتميز بها السياسيون تكون عواقبها أشد سلبية على الإنسان العراقي وعلى المجتمع وعلى التطور والتقدم المنشود.
3. غياب الصراحة والمجاهرة والشفافية الضرورية مع المجتمع لمواجهة ما ينتظره من مشكلات وسبل معالجتها والعقبات التي تعترض سبل الحل.
4. هيمنة الروح الفردية ونموها وتحولها إلى استبداد فردي قاهر ينتشي في ذهنية ونشاط غالبية السياسيين العراقيين تدريجاً , ونتائج ذلك حصول كوارث متلاحقة على العراق وشعبه. ويقدم مجلس النواب مثلاً نماذج مهمة وصارخة لهذه الظاهرة السلبية.
5. الإهمال الجدي وغير المسئول لإرادة ومطالب ومشاعر المجتمع والتصرف باسمه وكأن هذا السياسي أو ذاك هو الممثل الشرعي والوحيد لهذا المجتمع بكل طبقاته وفئاته الاجتماعية. بل يصل الأمر برئيس الوزراء مثلاً إلى إهمال مجلس الوزراء والوزراء والتصرف بقرارات فردية غير مدروسة وغير مقررة. حتى تلك الأمور البسيط يتخذها دون التفكير العميق بعواقبها الاجتماعية , ولكنه ينطلق من ذهنية دينية محافظة مثل منع حفلات الزفاف في الفنادق والأماكن العام وخصرها بفنادق الدرجة الأولى , أي للقطط السمان وأصحاب النعمة الحديثة!
ومن المفيد أن أشير بهذا الصدد إلى أن السادة رؤساء الوزارات الثلاثة الذين تولوا المهمة في العراق في اعقاب سقوط النظام قد برهنوا على امتلاكهم الفعلي لهذه السمات وهيمنتها على سلوكهم وأسلوب ظهورهم وخطاباتهم الجنجلوتية , بمن فيهم السيد نوري المالكي , وكانت أكثر شدة لدى الدكتور الجعفري الذي كان يتبختر كالطاووس المنفوش حين يخطب أو يستقبل أحدا. إلا أن ظواهر جديدة تشير إل تناميها بسرعة في نشاط السيد المالكي أيضاً , وكلاهما ينحدر من حزب واحد وإيديولوجية دينية وطائفية واحدة.
كيف يمكن ترتيب النتائج الإيجابية التي تحققت مع هذه السمات وكيف يمكن جعل تلك النجاحات الأمنية والعسكرية جزءاً من مشروع عراقي ديمقراطي منشود؟ وهل أن مثل هذا المشروع مطروح للحوار والمناقشة بين أطراف القوى السياسية العراقية والمختصين والمجتمع العراقي بشكل عام ؟ وكيف هو موقع مهماته من الدستور الذي يتطلب بدوره معالجة جملة من النواقص التي تضمنها حين إقراره ؟
الكثير منا يعرف السيد نوري المالكي باعتباره سياسياً محترفاً وقيادياً في حزب الدعوة ومن المتحمسين جداً لبرنامج هذا الحزب وسياساته , كما أن الكثير منا يعرف مواقفه في دمشق الشام. يأخذ المالكي بما رسمه المفكر الإسلامي والشهيد الراحل السيد محمد باقر الصدر مسؤول حزب الدعوة الإسلامية الأسبق من حيث المبدأ [يمكن الاطلاع على أفكاره في مؤلفين أساسيين للراحل هما “اقتصادنا” و “فلسفتنا” عدا مؤلفاته الدينية الأخرى]. ويمكن لي , وقد اطلعت ودرست هذين الكتابين قبل سنوات واستخدمتهما في بعض الأجزاء من كتابي الموسوم “لمحات من عراق القرن العشرين” , تقديم الكثير من الملاحظات الجدية بشأن ما جاء فيهما , واللذين كما أرى , يجسدان عملاً تجميعياً وانتقائياً غير متجانسين , كما يطرحان نقداً غير متماسك لنظريات اقتصادية وفلسفية لا يصمد أغلبه أمام النقاش الموضوعي والواقعي كما لا يرتقيان إلى مستوى الكتب العلمية الأصيلة في البحث الاقتصادي والفلسفي. ولا يصلح كتاب “اقتصادنا” أن يكون برنامجاً اقتصادياًُ لدولة ديمقراطية حديثة تقف في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين , لدولة متعددة القوميات والأديان. وأتمنى أن يتسنى لي أو لغيري من المختصين بمناقشة هذين الكتابين. ويبدو أن الائتلاف العراقي الموحد , وهو يسيطر على وزارة التربية , بدأ التثقيف بهذا الكتاب في العراق وكأنه الدستور الاقتصادي للعراق الجديد حيث يطرح أيديولوجيو هذا الاتجاه الإسلامي السياسي أسئلة في امتحانات طلبة البكالوريا العامة الذين لم يطلعوا على الكتاب ولم يسمعوا به أو حتى باسم كاتبه.
وإذا تركنا موضوع هذا الكتاب وشأنه , فحزب الدعوة الإسلامية وضع على عاتقه إقامة دولة إسلامية في العراق , وهي المسألة التي التقى عندها مع بقية القوى الإسلامية السياسية الشيعية التي تََحقَقََ أئتلافها بجهد اللبرالي الدكتور أحمد عبد الهادي الجلبي , الرجل الذي كان يفتش عن موقع قيادي له على رأس السلطة العراقية عبر ذلك الائتلاف الديني الطائفي , ثم تركه (أو أخرج منه) على عجل لأنه لا ينسجم مع تطلعاته. ومثل هذا المشروع الذي تبناه المالكي عند وصول الائتلاف للحكم لم ينجح ولا يمكن أن ينجح في تنفيذه لأنه يتعارض مع الكثير من وقائع الحياة وطبيعة المجتمع وبنيته والمحيط الذي يجد العراق نفسه فيه والوضع الدولي والدولة التي اعتمدتها أبرز قوى الائتلاف قبل ائتلافها لإسقاط النظام الاستبدادي , رغم دور الولايات المتحدة المؤقت في تنشيط الطائفية السياسية في العراق ودعمها للقوى السياسية الشيعية , ثم محاولتها الراهنة في تحقيق التوازن بين القوى الطائفية السياسية في العراق , إضافة إلى اختلافها مع التحالف الكردستاني , رغم المساومات الجديدة التي يمارسها التحالف إزاء سياسات الائتلاف العراق الموحد التي تلحق ضرراً بالحركة الوطنية العراقية , كما حصل أخيراً في الموقف غير العقلاني والمرفوض حيث ألغي حق ثابت دستورياً من حقوق القوميات الأخرى في العراق , وهو حصة ملزمة لهذه القوميات والأقليات الدينية في مجالس المحافظات.
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية : هل المالكي بمستوى التحديات القادمة؟
وماذا يريد المالكي؟

1/10/2008 كاظم حبيب