الرئيسية » مقالات » الشعر والعصبية القبلية … وجهان لعملة واحدة أسمها التخلف ؟؟!!

الشعر والعصبية القبلية … وجهان لعملة واحدة أسمها التخلف ؟؟!!

مقدمة لابد منها

اعلم جيدا بان كلامي هذا سوف لا ينال رضا الكثير من القراء لسبب بسيط وهو أنني انتقد به الشعراء والقبيلة في حين ان الكثير منهم يقدمون قبيلتهم وطائفتهم على أوطانهم ، واغلبهم يقدسون الشعر ويعتبروه امتداد لوجودهم على انه تراث عربي خالص وبامتياز !! ، ويقينا أن رواسب تفكيرهم سوف لا تتقبل مثل هكذا طرح وربما سيخرج احد النكرات متهما اياي باني احد اقلام الفتن !! أوقد يجوز
ان البعض منهم قد يعتبره شكلا من أشكال الشعوبية أو الهرطقة الفكرية والتجديف ، ولكني تعلمت أن أقول رأيي وبكل صراحة وبدون أي تحفظات وان كنت اقول الحقيقة فلا اهتم كثيرا حين اوصف او ان اكون واحدا من أقلام الفتنة .

ولكي لا يتقول المتقولون ويشكك المتشككون محاولة منهم (( كعادتهم )) في الاصطياد بالماء العكر والآسن فليعلم الجميع باني انتسب لنسب عربي يعتبر بمقياسهم هو من اشرف الأنساب والأحساب، إلا إني من المؤمنين بان الإنسان لا يشرفه النسب ولا يزيد من قدره الحسب ، بل أن عمله وفعله وإنجازاته هي المعيار الوحيد للقياس في أن يكون المرء حسنا أو أنه عكس ذلك .


صورة المجتمعات العربية

من ينظر إلى الحياة الاجتماعية والثقافية في المجتمع العربي عموما والعراقي خصوصا يلاحظ بروز طبقة من الشعراء أو لنسمهم (( توخيا للدقة )) المستشعرين ، وأيضا الروح القبلية العشائرية والتفاخر المبالغ به بالأنساب والاحساب((وللأسف هذه الظاهرة هي ليست حكرا على عامة الناس وجهالهم بل انتشرت حتى في الأوساط المثقفة)) ، فيلاحظ بروزهم (( وخاصة في وقتنا هذا )) على السطح و بشكل واضح لا يحتاج إلى عدسة مكبرة لاسيما بعد أن ضعف مؤسسات الدولة ، فالثقافة القبلية خلال حقبة السبعينات و الستينيات و حتى الخمسينيات من القرن الماضي كانت اضعف على ماهي عليه ألان !! ، فمن المؤسف حقا ونحن نعيش هذا العصر بكل تطوراته وإبداعاته وتقلباته ان نجد هذا الانتشار وهذا الحضور للروح البدوية ،والتعصب الأعمى للقبيلة في مجتمعاتنا المدنية ، لدرجة أصبحت ألعنصريه القبلية هي المقياس في الحكم على أي شخص وفي كل مكان بما فيها الجامعات والمؤسسات العلمية والسياسية !! .

واشد ما استغربه من البعض هو دفاعهم المستميت عن الشعر والبداوة وكأنها أرث أو تراث مقدس واجب عليهم أن يحموا بقاءه وبكل الأساليب والطرق ، ونسوا هؤلاء أن البداوة هي في أصلها نقيض التمدن والتحضر أي بمعنى أخر أنها مستوى أولي من مستويات التطور الإنساني وبعدها يتطور هذا المستوى لتحل محله الحضارة بديلة عن البداوة، فالمنهج المتحضر يكون فيه جميع البشر على قدم المساواة .. تحكمهم سنن وضعية ملائمة للأفراد وللبيئة المدنية الحديثة ويرأس هذه المنظومة نخبة من المجتمع (( باستخدام آليات ديموقراطية )) بدل أن تكون المجتمعات محكومة من قبل زعيم فرداني النزعة أهوج التفكير يأخذ قراراته بحسب ردات فعل آنية غير محسوبة العواقب ولنا في الحكام العرب خير مثال ((الذين يسيرون بلدانهم من خلال ردود افعال شخصية ونرجسية)) ، فهم يحكمون بلدانهم بعقلية القبيلة والعشيرة التي يعد فيها الباطل حقا والحق باطلا .. وأنصر أخاك ظالما أو مظلوما من الشيمة والمروءة وضربا من ضروب الفروسية !! .

دور الشعر في تكريس القبلية

ومن أسباب ازدياد ظاهرة العصبية القبلية وله الدور الكبير في بقائها وبشكل بشع ومقيت ، هم طبقة الشعراء الشعبيين العوام والذين تراهم يتفاخرون بكل شئ بما فيه فخرهم الفارغ بأنفسهم إضافة بتبجحهم بأحسابهم وأنسابهم وبقبائلهم وبدون أيما تركيز وتفكير في العواقب من زيادة حدة الاحتقان والكراهية والبغض فيما بين أفراد هذه القبائل ، فأصبح هؤلاء يمطرون علينا من كاذب شعرهم ومفاخرتهم ، وهم ينهقون صباحا ومساءا بقصائد هوجاء يمدح بها هذا الشاعر أو ذاك عشيرته و يجعل منها كعبة عشقه ويرفعها فوق السماء السابعة فهو مثله مثل الذي يتكلم بمنطق ” أنا وبس …. والباقي خس !! ” .

والمضحك في الأمر أصبحت المجاملات الشعرية فيما بينهم مثيرة للسخرية، فترى هذا الشاعر يعظم ذاك الأخر وذاك بدوره لا يريد ان يصبح صاحبه اكرم منه فتراه يطنب لهعلى صاحبه بالقول لدرجة انه يجعل منه إماما على العالمين كل هذا يجري في حوار مضحك للطرشان ، لاسيما أن البعض منهم يتصور انه في موقع النخبة وبان رأييه مسموع ومقبول من الجميع !! … وهذا مؤشر يدل على أنهم بعيدين كل البعد عن الواقع وهمومه الآنية ولا يبالون بما يحصل فالمهم هو أنهم المدافعون الأشاوس عن كرامة ذاتهم الدنيا والعشيرة ضد أي شخص يحاول المساس بها .

في حين ان اغلب هؤلاء هم من أنصاف المتعلمين وتراه لا يمتلك أي مقومات مؤهلة ، فالكثير منهم لا يمتلك شهادات ولا يمتلك حتى وضع اجتماعي رصين إذ أن كل ما يملكه هو زائف الكلمات الهابطة المستوى والمخدشة أحيانا للذوق العام عبر اصطلاحاتها السوقية بزعم أنها اللغة السائدة والمفهومة وهم بهذا الزعم قد جعلوا من رجل السوق الذي يعلن عن بضاغته وبصوت جهوري رخيم مقفى النهايات على انه شاعر همام هو الاخر!!! .


وانقل كلاما لأحد ما يسمون اليوم بالشعراء وهو يقول بكل ثقة و بدون أيما خجل ووجل بأنه لا يجد فرقا بين الشاع الفيلسوف !!! ، لا بل أن صاحبنا الشاعر يفترض ابتدائا بان الكثير يشاطره رأييه هذا !!! … وحقيقة لا اعرف من يقصدهم بـ ((الكثير)) فهل ربما هو يقصد زملاءه المستشعرين أم ربما يقصد أبناء عمومته الأقربين ؟؟!! .


و مستشعر شعبي أخر يقول وبكل جهل وصلف (( وساترك إستطالات الأحرف كما أوردها صاحبنا لأنها ربما من وجهة نظره تعطي تأثيرا ايجابيا لحجته الدامغة !! )) :

” الشعر العراقي ســــيــبقى هو الكلـــمــة الأولــى في الأدب العربي ومن أراد أن يذم الشــعر العراقي فــلــيخــتار لــغــة غير العربيــة ليذمه بها ” !! .

هنا تتوضح لدينا الروح القبلية المتعصبة لهؤلاء المستشعرين في الاعتزاز الكاذب بالنفس ،ف الأول يرى نفسه (( مع قطعه بان هذا هو رأي الكثير من الجمهور !!)) بأنه فيلسوف زمانه ويقف هو وابن رشد وابن خلدون وعلي الوردي وفولتير وجان جاك روسو في مكان واحد !! .

والثاني ترى عصبيته واضحة وهو يحاول يائسا في ان يربط المفردة الشعبية الأعجمية الهجينة المستخدمة في الشعر الشعبي باللغة العربية .. وفي نفس الوقت يحسب نفسه من المدافعين عن أصالة الشعر العربي ويتهم غيره بالانسلاخ عن العروبة فقط لأنه غيره ذم الشعر !! وأقول له وبغير العربية : So What!!!

فما معنى أن كنت أنا او غيري عربي أو من غير العرب ؟؟ وهل سينتقص هذا الأمر شيئا مني كانسان؟؟ وهل أن كنت من بني شمر سأكون خيرا من أي فرد من بني عنزة والخ الخ ؟؟!! وهل يريد ان يخبرنا هذا الفطحل بان أمة الشعر الراكدة هي خير من امة العلم والتكنلوجيا ؟؟!! .
وبعيدا عن من هو الأفضل … ألا يكفينا بان نعيش كبشر مجردين من أي انتماءات وهمية ؟؟!! .
وللأسف هذا أو ذاك ((الشويعر)) قد تناسوا بان الشعر أن كان فصيحا وان كان شعبيا (( مع ان خطر الشعر الشعبي هو أشد فتكا))…. عراقيا أو أعجميا أو أن حتى ان نبطيا فهو جميعه يصب في سلة واحدة وهي سلة التخلف وتقديم الروح على المادة ، وتغافلوا حقيقة وهي أن الشعر بصورة عامة ينقل واقعا خياليا لا علاقة له بالواقع المعاش أي أن مثله مثل باقي الأمور الغيبية التي يرفضها المنطق العقلاني .

أما سعيهم الدؤوب ((عند كل انتقاد يوجه للشعر وللشعراء)) في الاختباء وراء أسماء ((فكرية)) عملاقة مثل المعري و(( ثائرة)) مثل مظفر النواب واحمد مطر وغيرهم من كبار المفكرين والثائرين الذين كان كلامهم صرخة مدوية على فساد مجتمعاتهم ، فالدخول تحت جلباب الكبار ماهو الا دلالة على أفلاس هؤلاء عبر تبريرات ساذجة لا تجعل منهم عمالقة بقدر ما سيجعلهم أضحوكة في ثغر كل من يميز مابين الشاعر ومابين المفكر …. ومابين المنافق ومابين أصحاب المبادئ .

وقد يستغرب الكثير باني ربطت بين الشعراء وبين التعصب القبلي ، ولكن بالفعل هما وجهان لعملة واحدة فكلاهما يقدم هويته القبلية على هويته الوطنية ، وكلاهما يكبر من شان الأخر بشتى الاوصاف الكاذبة وكلاهما يتكلم بمنطق التخلف والجهل ، فالجاهل في من يظن نفسه بأنه متميز بشاعريته عن باقي البشر والمتخلف هو من يظن أن الشرف يقاس على أساس الأنساب .

فالعلاقة مابين الشعراء والنزعة القبلية السائدة هي علاقة طردية واضحة لا تحتاج إلى مُنجْم ((فتاح فال)) لكي يكشفها ، والعلاقة بين (الشعراء والقبلية) من جهة ومابين التمدن والتحضر من جهة أخرى هي بأصلها علاقة عكسية .

خلاصة القول

القبلية التي يتفاخر بها العرب قد اندثرت في كل أصقاع العالم ، وحتى في مجاهل أفريقيا ترى أن بريقها قد أصبح باهتا لا معنى له سوى انه دلالة من دلالات التخلف والهمجية ورفض النظام ، فلا يخفى على الجميع بان القبلية تنفر نفورا شديدا من مؤسسة الدولة ، كما ان الفرد القبلي يعتز أولا وأخيرا بانتمائه القبلي لانه لايعرف الانتماء الوطني فالدولة المتحضرة بالنسبة له نظام يسلب منه كرامته ويذله (( كما في نظام الضرائب والتجنيد الإلزامي)) ، أي بمعنى أخر أن العقل القبلي له دور بارز في تدمير وإسقاط الدولة الحديثة ومؤسساتها النظامية ، فلو نلاحظ في تاريخ العراق الحديث والقديم بان قوة النفوذ القبلي تقابلها في نفس الوقت حالة من ضعف الدولة ، فمن يرتضي لحكم القبلية أو مجرد التفاخر بانتسابه لها هو كمن يرضى بآفة السرطان التي تأكل جسد المجتمع ككل ويحيله إلى مجتمعات بدائية متخلفة لا تستطيع أن تواكب مسيرة الحضارة الإنسانية .

فنحن ألان كعراقيين بصدد بناء دولة عراقية متمدنة لا نحتاج لنشر الروح العشائرية والطائفية بقدر ما نحتاج لنشر الوعي الوطني في عموم بلادنا التي تضم أطيافا متعددة من شعوب وأعراق مختلفة يفترض أن يصبح انتمائها لهذه الأرض التي فيها تسكن وتعيش هذه المجاميع ، ويفترض ان نساهم بإذابة وإزالة كل المسميات وصهرها بمسمى واحد فقط وهو المواطنة ، وفيها تنجمع جميع المكونات (( القبلية والعرقية والدينية والمذهبية)) تحت إطار الوطن الواحد … والقانون الواحد والهدف المشترك وهو رقي البلد وتحضره .

نعم … إذا ما نادينا بالمواطنة وقوة الدولة يجب أن لا يبقى مكان للهوية العشائرية أو القومية أو الدينية والمذهبية ، فالوطنية أسمى وأرقى وأنبل من القبلية والعرقية والشعارات القومجية الفارغة التي لم تنل منها بلادنا سوى مزيدا من التخلف والتقهقر الفكري .

وكم كنت أتمنى من الحكومة العراقية التي جاءت على أنقاض أعتي دولة قبلية حكمت العراق طيلة أكثر من 35 عاما بان تلغي فقرة العشيرة والديانة من هوية العراقيين .. لكي تكون بداية مشرقة لدولة ألمواطنه والبعيدة كل البعد عن القبلية والمذهبية … لكن شاءت أقدار التخلف بما لا تشتهي سفن أمانينا .

وكلمة أخيرة لدهاقنة القبلية :

أذكركم بأنكم تحملون صفة الإنسان وهذه الصفة هي عامل مشترك مابين كل البشر ، وسواء كان من هذه القبيلة أو تلك العشيرة أي بمعنى لا أفضلية ولا تميز لأحد على احد ، فالأفضلية لمن له دور متميز في خلق إبداعات فكرية تساهم برفع مظاهر التخلف عن مجتمعاتنا ، وصفة المروءة والشهامة هي لمن له دور واضح في زرع نواة الثقافة في بلادنا وأوطاننا …وحتى لو كان من ذرية فرعون أو من ذرية نمرود.

وأما إن بقيتم متمسكين بهذه النزعة القبلية فسوف لن تختلفون بشئ عن المجتمع القطيعي الحيواني ، وسوف تظلون تدورون في رحى التخلف والصراعات الدائمة مع غيركم … بانتظار حسم النتيجة المصيرية في من هو ………. أشرفكم !!! .

مهند الحسيني