الرئيسية » مقالات » الأديان العراقية القديمة وقانون انتخاب مجالس المحافظات و الأقضية والنواحي

الأديان العراقية القديمة وقانون انتخاب مجالس المحافظات و الأقضية والنواحي

أكد الدستور في الفقرة ثانيا من المادة الثانية على ضمان كامل الحقوق ( الدينية ) لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية ( كالمسيحيين والأيزديين والصابئة المندائيين ) .

وهذا الضمان يتناسب مع أقرار الدستور بأن العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب ، وهذا التعدد حقيقة واقعة لم تكن تقر بها ولا تلتزم بها السلطات التي تعاقبت على الحكم في العراق .

كما أن المادة 14 من الدستور أكدت بشكل جلي لايقبل اللبس أو التأويل أن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز ، سواء كان سبب هذا التمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الأقتصادي أو الأجتماعي ، حيث أن لكل فرد من أفراد الشعب العراقي الحقوق التي أقر بها الدستور دون مفاضلة ، وتكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين .

ووفقا لهذا فقد أقر الدستور العراقي بأعتباره القانون الأعلى في البلاد بالتعدد القومي والديني والمذهبي ، الا انه لم يجعل تلك التعددية حائلا دون تطبيق المساواة بين العراقيين ، بأعتبار أن الأنسان هو الأساس في هذا الدستور ، بالأضافة الى الأشارة الجريئة والوطنية في الأقرار بالديانتين الأيزيدية والمندائية في الوثيقة العراقية بعد أن تم تغييب هاتين الديانتين في جميع الدساتير السابقة زمنا ليس بالقصير ، مع انهما من ديانات العراقيين القديمة ، بالأضافة الى كتلتهم البشرية التي لايستهان بها ، ووجودهم الفعلي على الأرض العراقية ، مع غبن ملموس لأبناء الديانة المسيحية ، دون أعتبار لمواقفهم وتأريخهم في بناء العراق ، بالأضافة الى المواقف الوطنية الشجاعة التي وقفها ابناء تلك الديانات مع أخوتهم من ابناء الديانات والقوميات العراقية الأخرى في التصدي للأنظمة الدكتاتورية والرجعية ، والتفاعل مع الحركة السياسية الوطنية ، وفي تقديم التضحيات .

ولم تشترط نصوص الدستور مواصفات دينية معينة يتطلبها المرشح لعضوية مجلس النواب أو عضوية مجالس المحافظات ، الا أن تقديم القوائم وفقا للمحاصصات الطائفية والقومية عزلت ابناء تلك الديانات ، وجعلتهم تحت رحمة وسلة الطوائف والملل والأديان الأخرى ، ولم تمنحهم الفرصة المناسبة للترشيح حتى في مناطقهم ، وبهذا فقد فقد أبناء تلك الديانات حق أدخال مرشحيهم ضمن تلك القوائم .

أن غلق تلك القوائم بوجه العراقيين من ابناء تلك الديانات لايشكل غبنا وتهميشا ، بل يمثل مخالفة لنصوص الدستور وروحه في أشراك العراقيين جميعا في العملية السياسية دون أن تعيقهم القومية أو المذهب أو الدين عن هذا .

وقد يرد أحد بأن تلك القوائم لم تكن على أساس ديني لتضمن لأبناء تلك الديانات فرصة أو نسبة في الترشيح ، الا أن ماورد بنص المادة 50 من قانون المحافظات يخالف ذلك ، حيث تنص تلك المادة على ما يلي :

(( المادة (50) تمنح الاقليات القومية والدينية المسيحية المنصوص عليها في الدستور مقاعد في مجالس المحافظات وكما يلي :-1- محافظة بغداد (3) ثلاثة مقاعد.2- محافظة نينوى (3) ثلاثة مقاعد، مقعد واحد للايزيديين ومقعد واحد للشبك. 3- محافظة كركوك (2) مقعدان.4- محافظة دهوك (2) مقعدان 5- محافظة اربيل (2) مقعدان.6- محافظة البصرة (1) مقعد واحد. )) أن هذه الأشارة دقيقة وواضحة حول منح العراقيين من ابناء الديانة المسيحية عدد من المقاعد لايتناسب مع عددهم وكتلتهم ووجودهم ، ولاينسجم مع حقهم الدستوري ومساواتهم مع اخوتهم . كما أن الأشارة الى مقعد واحد للأيزيدية ومثله للشبك في محافظة نينوى لاينسجم مع المنطق ولايتناسب مع كتلتهم البشرية أيضا ، خصوصا أذا عرفنا أن مجلس المحافظة يتكون من (25) خمسة وعشرين مقعدا يضاف إليهم مقعد واحد لكل (200000) مائتي ألف نسمة لما زاد عن ( 500000) خمسمائة ألف نسمة حسب أحدث إحصائية معتمدة وفقا للبطاقة التموينية والتي على أساسها تم وضع سجل الناخبين. هل تحقق من ساهم في كتابة القانون عن عدد الأيزيديين والشبك في محافظة نينوى حتى يمكن أن تكون لهم هذه المشاركة الرمزية البسيطة ؟ ترى هل شارك ابناء تلك الشرائح في مناقشة نصوص قانون المحافظات قبل أقراره وتشريعه ؟ ومن يعرف عن قرب أعداد الأيزيديين والشبك في محيط مدينة الموصل يدرك حجم التهميش والغبن الذي يحيق بهم .ثم أين غابت أعداد المندائيين في تلك المحافظات التي التصقوا بأهوارها ومياهها التصاق ارواحهم بالعراق ؟ ويسجل مجلس النواب العراقي موقفا لايليق بالعراق ولايحقق المساواة والعدالة بين العراقيين ، وموقف يدعو للقلق والأستغراب من شطب لنص القانوني الذي يتيح لهذه المكونات العراقية تحقيق الحد الأدنى من حقها في المشاركة ، وأن تدارك الأمر بالسرعة الممكنة يمكن أ يزيل مخاوف الشعب العراقي من هذه الخطوة المجحفة ، وبما يجعل هذه المكونات تؤمن حقا بمشاركتها في بناء العراق الجديد ، وتتأكد بشكل ملموس رحيل الفكر الشمولي والشوفيني والمتعصب من العراق . وفي كل الأحوال نتسائل كيف سينسجم ذلك مع غاية القانون في توفير انتخابات عادلة وحرة ونزيهة لأنتخاب أعضاء مجالس المحافظات والأقضية والنواحي ؟ أين صار أبناء تلك الديانات وهم يعجنون أرواحهم بتراب العراق ؟ ولماذا نتجاهل حقيقة وجودهم وأعتبارهم جزء مهم وفاعل من أجزاء الجسد العراقي ، وكيف يمكن أن نشعرهم حقا بالمساواة في قوانين تشطب على وجودهم وحقوقهم ، وتهمش الكثير من تلك الحقوق تحت أسباب واهية لايمكن أن تفيد الحياة المستقبلية التي نريدها على الأقل لأجيالنا القادمة التي نتوخى أن لا تصاب بتلك الأمراض التي اصيب بها جيلنا من جراء الحقن المريض الذي مارسته تلك الانظمة التي أضرت بالعراق وبالأنسان العراقي كثيرا ، والتي خلفت بيننا فجوات الطائفية والقومية ووضعت شروخ بين الرجال والنساء وجعلت القيم المتخلفة أعرافا وقوانين ، وصيرت النظرة الى العراقي من ابناء الديانات الأخرى نظرة تحمل العديد من المواقف السلبية والشفقة والأقرار بالأمر الواقع في خضوع أبناء تلك الديانات الى أخوتهم من أبناء ديانة أخرى ، ويكرس العديد من المحظورات والممنوعات ليس في العمل السياسي ، انما حتى في الوظائف العامة والفرص التي يجعلها الدستور متكافئة للعراقيين ، وهذا الأمر لايليق بالأنسان في هذه المرحلة بالذات وفي المراحل القادمة من حياة العراق . أن العراق بلد متعدد الأديان والمذاهب والقوميات وهذه الحقيقة ينبغي أن تقترن بمبدأ المساواة التي أكدتها النصوص الدستورية دون أن يؤمن بها العديد من اخوتنا ، والتي بقيت حبرا على الورق دون تطبيق ، ولاقيمة للنص المكتوب دون تطبيق وأيمان حقيقي يشعرنا حقا بأنا متساوين في الحقوق والواجبات . يجب أن تؤخذ الأمر وفق حقائقها ، وأن لا تتعكز على الرغبات الشخصية التي اكتنفتها العديد من أمراض زرعتها الحكومات البائدة ، وينبغي علينا أذا كنا نريد أن نؤسس لحياة دستورية وقانونية تسعى الى ترسيخ أسس النظام الديمقراطي – الفيدرالي لعراق موحد ، يجب علينا أن نؤمن أيمانا عميقا بحق العراقيين بالمساواة دون وجود أي سبب يفاضل في تلك الحقوق بسبب الرأي أو الأفكار أو المذاهب أو القومية أو الديانة أو الجنس . وإذا كنا نؤمن بالمساواة لحقيقية بين الناس لماذا نلجأ الى المحاصصة الدينية ؟ وكيف يمكن أن نفرق بين العراقيين على أساس الدين أو ا لمذهب ؟ ومتى نبدأ العمل بمعيار المساواة الحقيقية بين العراقيين دون أن نضع حواجز وشروخ تجعل وطنيتهم درجات وفقا لديانتهم أو مذاهبهم أو قومياتهم . وإذا كانت الغاية الأساسية التي شرع من أجلها القانون أن ينظم عملية الأنتخابات في أختيار مجالس المحافظات والأقضية والنواحي ، وصولا الى أختيار من تراه الناس جديرا بهذه المهمة لخدمتها وأن يكون صوتها في هذه المجالس ، فكيف يمكن أن يكون الاعتقاد الديني حاجزا دون يمنع أن يكون ممثلينا من ديانة أخرى ؟ وإذا كنا نكرس التعامل بمنطق (0 الأقليات )) ، يعني هذا الأمر الأشارة الى الأكثرية ، مع أن الناس متساوية في الحقوق والواجبات ، ولايستقيم مبدأ الأكثرية والأقلية في المواطنة ، فالمسلم والمسيحي والأيزيدي والمندائي وحتى اليهودي هم عراقيين لايختلف أي منهم عن الآخر في الحقوق والواجبات . وأخيرا الى متى نتبجح بالمساواة في النصوص الدستورية والقانونية ولانؤمن بها في داخلنا لوجود ترسبات لم يستطع بعض منا أن يتخلص منها .