الرئيسية » مقالات » كلمة في الحفل التأبيني – للشهيد كامل شياع

كلمة في الحفل التأبيني – للشهيد كامل شياع

السيدات والسادة الحضور الكريم

نلتقي اليوم في هذه المناسبة الجليلة – أربعينية الشهيد الإنسان العراقي كامل شياع – الذي كان يمارس فعل الحياة النوعي الهادف للتغيير نحو الغد الأفضل ، الغد الذي لن يتسنى له أن يراه بعينه كثمرة من ثمار مشروعه الكبير الذي كان يحلم به ، إذ اغتالته يد الإرهاب القذرة وهو في بداية مشوار حلمه .لكن استشهاد كامل شياع المأساوي في رابعة نهار عراقي صيفي لاهب نثر دمه الزكي على مفارق طرق عديدة ، هذا الفعل الإجرامي البشع يشير بشكل واضح إلى الحقائق التالية :

1- إن استشهاد كامل شياع ومن سبقه ومن سيأتي بعده إلى حين ، ما كان ولن يكون وليد صدفة غبية أو حدث مقطوع الصلة عن الواقع المرير الذي عاشه ولا يزال يعيشه شعبنا العراقي الصابر ، فالشهادات اليومية تطال العراقيين نساءً ورجالاً وشيوخاً وأطفالاً وشباباً في المدن والقرى والسهول والجبال والريف والأهوار والصحراء نتيجة لأسباب كثيرة تجذرت منذ قرون بعيدة ، بلغت ذروتها وزادتها قسوة وفظاعة الأنظمة القمعية والديكتاتورية وحروبها المدمرة ضد الشعب العراقي أو ضد جيرانه والتي أدت في نهاية سياقها التاريخي لاحتلال العراق في عام 2003 ولحد الآن . لقد كتب الشهيد كامل شياع بدمه كلمة حية في ملحمة الحياة والشهادة العراقية المتواصلة على مذبح انتهاكات حقوق الإنسان الفظيعة والمستمرة في عراق الأمس واليوم والغد القريب على الأقل .

2- إن استشهاد كامل شياع الإنسان المثقف والمفكر والحالم والفاعل والمؤثر حدث حين أنساه حلمه الإنساني الجميل رؤية موطيء قدمه على طريق مشروعه الكبير ، وحدث حين تسامت أفكاره الإنسانية المثالية النبيلة فرفض الدخول في حسابات الواقع ، كسابات المواجهة ومستلزماتها بين الكلمة والرصاصة ، بين الحلم والكابوس ، بين النور والظلمة ، في اللحظة العراقية الراهنة ، فخسرناه جميعاً أهله وبيته وأصدقاءه ، وخسره العراق وشعب العراق ومستقبل العراق و خسرنا الكثيرين قبله و ستتواصل الخسارات بعده حينما تستمر الأخطاء القاتلة من هذا النوع. .

3- إن استشهاد كامل شياع ( كما هو استشهاد غيره من قبل – من مثقفين ومبدعين ومفكرين وعلماء وأطباء ومهندسين وغيرهم ، كما هو استشهاد غيره من بعد ومن الكفاءات والنماذج الإنسانية العراقية الأصيلة) ، هو استشهاد متواصل يطرح بقوة سؤال الحاضر عن المستقبل الذي لازال العراقيون الوطنيون والتقدميون – في الداخل والخارج قوى وأحزاب وتنظيمات ومنظمات وجماهير- بعيدون عن السير في طريقه بسبب ضعفهم وتفرقهم أو انسحابهم من ساحات الفعل المؤثر والمواجهة الحضارية القادرة على التغيير ، مما يفسح المجال لاستمرار هيمنة قوى وفكر وثقافة التعصب الديني الطائفي والقومي العنصري والفساد الهائل والجريمة المنظمة المسلحة بكل أدوات وأساليب وفنون القتل اليومي للشعب العراقي وليس بالرصاصة أو القنبلة فقط . وأيضاً يسفر عن إدامة عمر الاحتلال ، واستمرار تدخل دول الجوارالسافر المدمر في العراق ، واستمرار نهب ثروات العراق ومستقبل العراق .

4- إن استشهاد كامل شياع لم يكن لأنه شيوعي أو يساري أوعلماني أو مسؤول في هذه المؤسسة أو تلك ، بل لأنه إنسان عراقي وطني يحمل مشروع مقاومة وبناء : مشروع مقاومة لكل قوى التخلف والعبودية والهيمنة الرجعية والاحتلال التي تطمح لسرقة مستقبل العراق إضافة لسرقة ثرواته ، وهو أيضاً مشروع بناء العراق الجديد الحر المستقل العلماني الديمقراطي الفيدرالي الموحد الذي يصون حقوق الإنسان العراقي وكرامته ، وقبل هذا وذاك وأهم منهما مشروع بناء الإنسان العراقي الوطني القادر على التحدي والتغيير والسير في طريق الحرية والمستقبل.

5- إن استشهاد كامل شياع كما استشهد غيره من قبل ، وكما سيستشهد غيره من بعد وإلى حين ، حدث وسيحدث لأنه نموذج فذ له القدرة على الإشعاع الإنساني القوي المؤثر إيجاباً في الآخر أياً كان وفي أي موقع ، هذا الإشعاع الذي شكل مصدر خوف ورعب حقيقي لأصحاب المشاريع السوداء المضادة ، فتصدوا لمهمة تدمير مصدر هذا الإشعاع واشتركوا جميعاً في جريمة اغتياله القذرة. غير أن هذه الجريمة كسابقاتها ولاحقاتها لن تكون جريمة كاملة أبداً لأنها لن تستطيع فناء أو محو أثر هذا الإنسان النموذج ، فهو ملك محفوظ في ذاكرة الوطن والشعب للأبد ، ولن تستطيع أداة هذه الجريمة القذرة حجب إشعاع فكره وتواصل تأثيره ، كما أنها وفي نفس الوقت لن تستطيع إخفاء هوية الجناة القتلة المجرمين ومن وراءهم ومن سهل مهمتهم ، ولابد للعدالة أن تجد طريقها إلى أوكارهم وأدلة جرائمهم وتأخذ مجراها في حقهم.

6- إن استشهاد كامل شياع ومن سبقه ومن سياتي بعده إلى حين ، وضع ويضع على كاهل جميع العراقيين – وطنيين وتقدميين ويساريين وعلمانيين ودينيين متنورين وناشطين نساءً ورجالاً وشباباً في الداخل والخارج ومن جميع مكونات الشعب العراقي أحزاباً ومنظمات مجتمع مدني وجيلاً بعد جيل – مسؤولية وطنية وأخلاقية كبرى عما آل إليه مصير دماءهم الزكية الطاهرة وتضحياتهم العظيمة ، وسيسالنا الشهداء وفي كل المناسبات التي سنسترجع فيها أسماءهم وشهاداتهم عما فعلناه بهذا الدم العالي وتلك التضحيات الجسام ؟ ، وماذا فعلنا أو نفعل اليوم وماذا سنفعل غداً من أجل شعب العراق ومستقبل العراق ؟ ، ولامفر من الإجابة على تلك الأسئلة الصعبة ، فمن سيتصدى لمهمة وضع الجواب ؟، من سيملك القدرة على فعل الجواب. ؟ لاشك أن شعبنا العراقي قادر على تقديم من هو أهل لمهمة الجواب وصنع المستقبل المنشود الذي كان يحلم به كل الشهداء ومنهم الشهيد كامل شياع.

الأمانة العامة برلين 28/09/2008