الرئيسية » مقالات » كوليرا . كلور. كلاوات

كوليرا . كلور. كلاوات

يضرب التسييس جميع مناحي حياتنا، لننظر، كيف نتعامل مع عارض الكوليرا، والى أي دهاليز و’كلاوات’ انحدر الموضوع في ما يتعلق بمادة تعقيم المياه المستوردة، وللننظر ايضا، الى هذا التضارب بالتصريحات في حين ينتشر المرض انتشار النار في الهشيم.

على انه ليست المرة الاولى التي يثار فيها الجدل حول مرض الكوليرا، كما ان محاولة محافظ الحلة تنزيه مادة الكلور المستوردة من تهمة التلوث مما نشر الكوليرا بين سكان المحافظة ليست سوى فاصلة في محاولات عبر التاريخ استهدفت تبرئة تجار الحروب من جرائم الابادة بسلاح الجراثيم، وقد يكون ثمة تضخيم اعلامي في ‘فضيحة’ الكلور، او ثمة تقصير لدى السكان في التزام تعليمات الوقاية الصحية، او ثمة ‘انشغال مبرر’ او’كلاوات’ للسلطات المحلية والمسؤولين ودوائر الصحة في ما هو اغلى من حياة الاطفال، واهم من تأمين صحة الملايين.

اقول، انها ليست المرة الاولى تدخل فيها مفردة الكوليرا ثقافتنا الصحية العليلة، ومعلوماتنا الشحيحة، فنعرف، فجأة، ان العراق، بعد السودان، من بين دول قليلة في العالم بقي موطنا لمرض طواه العالم منذ بعد سنوات قليلة من اكتشافه في مستشفى الاسكندرية في القرن التاسع عشرعلى يد عالم المكروبات الالماني روبرت كوخ بوصفه مرضا بكتيريا مُعديا قصير الأمد، قد تؤدي الى الوفاة اذا لم يتداركها الطب، وقد توصل كوخ الى ان جرثومة المرض انتقلت الى مصر بواسطة الجنود الهنود في القوة البريطانية التي ‘حررت’ ارض الكنانة من جيوش نابليون.

وإذ نسى العالم مرض الكوليرا فقد اختزلت ذكرياته الى رموز وتضمينات تعبيرية تدخل في الاعمال الفنية والمسرحية والقصص والروايات، وقد استلهم ماركيز روايته الشهيره (الحب في زمن الكوليرا) من دلالات المرض في عرضه لحياة رجل وامرأة من المراهقة حتى بلغا السبعين، وصارت الكوليرا في بعض الكتابات كنية تخيلية للعوارض الفتاكة التي تضرب مجتمعات آمنة، مثل الارهاب والتطرف، كما جاء في قصة للجزائري عمر بولحيال عما اسماه الكوليرا البشرية. اما النظام السابق فقد اعتبر الاصابة بالكوليرا من الاسرار العسكرية التي تهدد من يتحدث عنها الى بفقدان حياته، فيدى الامر لمنظمة الصحة الدولية بمثابر لغز.

المفارقة، الان، تكمن في الحقيقة المروعة التي تتمثل في ان بلدا غنيا في الموارد والنخب والكفاءات والماضي العمراني ويصل فائض ميزانيته، فقط، سبعين مليار دولار هو الاول من بين بلدان العالم عرضة لانتشار مرض الكوليرا، فيما يتقاذف المسؤولون جريرة انتشاره، بل ان مسؤولا في محافظة بابل التي فازت باكثر حالات الاصابة والموت عبّر عن امتعاضه من ‘تضخيم’ الامر، واستخدامه في الاعتبارات السياسية، في وقت داست جزمة الاعتبارات السياسية على كل عناوين الحياة العامة.

ثم ماذا يهم المئات من ضحايا الاصابة بالكوليرا، في محافظة بابل، والملايين من المعرضين لها، ان يكون الكلور المستورد الذي يستخدم في التعقيم نافذا من اصله، ام كان غير نافذ، أم ان هناك تضخيم وراؤه اعتبارات سياسية، طالما ان حملة مكافحة وتطويق الوباء تجري باقل ما يمكن من الشعور بالمسؤولية، وباكثر ما يمكن من الثرثرة والتصريحات، في وقت نكتشف آلاثار الكارثية لتأجير وزارة الصحة والخدمات الصحية في البلاد ‘حصة’ ولسنوات عديدة، الى مليشيات حولت المرافق الصحية الى محاكم تفتيش وترسانات سلاح، واستخدمت الكلور والمعدات الطبية في مجالات اخرى.

ـــــــــــــــ
كلام مفيد:

‘لو كنا هنودا، لرأينا الأشياء بعين أخرى’.

بارتولومو دى لاس كاساس