الرئيسية » مقالات » خانقين.. أزمة حكومة وأزمة وطن!

خانقين.. أزمة حكومة وأزمة وطن!

هاهي خانقين تبرز الى الواجهة لتذكّر العراقيين مرة أخرى بما ارتكبه الساسة الجدد والاحتلال من جريمة كبيرة حين قسموا العراق إلى “محاصصات” و”توافقات” وإلى “وطن يُباع ويُشترى” وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعا.
بعد كركوك التي تحولت بسبب تراكمات عدة حصلت في الأنظمة السابقة إلى أزمة وطن في العراق الجديد، هاهي خانقين تبرز الى الواجهة لتذكّر العراقيين مرة أخرى بما ارتكبه الساسة الجدد والاحتلال، من جريمة كبيرة حين قسموا العراق إلى “محاصصات” و”توافقات” وإلى “وطن يُباع ويُشترى” وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعا.
فخانقين وهي من توابع محافظة ديالى الواقعة شمال شرق بغداد، اعتبرت البوصلة الأساسية – بعد كركوك – التي تحدد اتجاه القوى السياسية العاملة في الساحة العراقية، نحو العراق الواحد أو صوب التقسيم الذي لم يبرح ينسج خياله وينشر ظله على الكثير من المدن العراقية خصوصا في الوسط والجنوب، في المناطق المجاورة لايران كما هو الحال مع خانقين التي لا يخفي البعض من سكانها الأكراد الحديث عن حلم الدولة اللورستانية للأكراد الفيلية ويشكلون معظم سكان القضاء المكون من أكثر من 200 ألف نسمة.
وخانقين .. بلدة جميلة بأشجارها وبساتينها، ومقاهيها وفنادقها وخاناتها التجارية منذ كانت ملتقى زوار العتبات المقدسة ما بين العراق وايران. وهي جميلة أيضا بأهلها الطيبين المنفتحين على العالم منذ قرون بأدباء ومثقفين تنحني لهم قامات الثقافة في عالم يضج بأشباه الرجال ممن كان الى الأمس القريب يصفق لرئيس النظام السابق ويكتب فيه شعرا ونثرا، وينسج له روايات عن مجد زائف، وهو اليوم يغني للعراق الجديد بلغة المحاصصة والمقاسمة والعصبيات، ويسعى الى تقسيم العراق.
خانقين الغنية بحقولها النفطية في جاسرخ وبيكه وبانه بوره والنفطخانه، فيها مصفى الوند ومستودع (k.o.d) لنقل النفط الخام عبر سكك حديد خانقين – جلولاء- بغداد، ما يجعلها في الأهمية تشبه مدينة كركوك النفطية المتنازع عليها والتي قد تفجر صراعا في الوطن الواحد لن تندمل جروحه الى قرون قادمة.
ومن هنا فان الأزمة واحدة في عراق كان واحدا قبل مجيء البعثيين الى الحكم في العام 1968، فهم الذين خلقوا أزمة خانقين، وزرعوا مبررات اندلاعها، كما فعلوا في كركوك ومدن عراقية أخرى في قائمة أزمات العراق الطويلة.
ومن لا يعترف بأن سكان خانقين هم خليط من الكرد (الفيلية الشيعة) والتركمان والعرب وبعض العوائل المسيحية، وجميعهم يتقن اللغة الكردية، ومعظمهم مندمج أيضا مع الثقافات العربية والتركمانية والفارسية دون أن يضيع هوية المدينة الكردية الممزوجة في بعض الأماكن بنكهة تركمانية قديمة، ربما لا يدري أن الفتنة كانت نائمة، قبل أن يُوقظها البعض.
هكذا هو التأريخ ، يقرأه من زار خانقين قبل أن يبدأ نظام صدام محاولة تعريبها أو تغيير ديموغرافيتها عبر ترحيل العديد من سكانها الأكراد الى البصرة والناصرية والعمارة والسماوة، وأيضا الى الرمادي.
نظام صدام مارس التعريب في خانقين، وكان يجري تنقلات – بدت وكأنها إدارية اعتيادية – بين الموظفين وينقلهم مثلا من مصفى الوند الى شركة نفط الجنوب، أو في وظائف لا تمت الى وظائفهم التي كانوا عليها في خانقين بأي صلة.
“لعنة” إيران . وأزمة دولة!
لم يكن موقع خانقين الجغرافي ووقوعها على طريق الحرير (المسمى بالكردية “رى ئه وريشم” وبالفارسية “جاده ى ابريشم”) والذي كان يمر من وسطها وعبر جسرها جالبا للحظ لها، فقد عانت البلدة الغنية بكل شيء من الاهمال في كل الحقب السابقة، وكان مقررا لها أن تصبح محافظة (لواء) منذ عام 1923 الا أن ذلك لم يحصل لأن معظم سكانها من الكرد، ولأنها تجاور ايران فحلت عليها لعنة المدن العراقية الأخرى المجاورة لايران (!)، وبقيت قضاء مهملا تابعا الى محافظة ديالى. كما عانت في عهد صدام أكثر مما عانته شقيقاتها المدن العراقية الأخرى لأنها ببساطة كردية وشيعية. وقد سعى نظام صدام بشتى السبل الى تحجيمها وتصغيرها انتقاما من أهلها الذين وقفوا ضد سياساته العنصرية.
على أي حال فقد انفجرت أزمة خانقين وكأنها تُخبر الأهالي أن قدرهم في العيش المشترك في “مكان الحزن” (هكذا يترجم اسمها سكانها التركمان)، يكاد ينكسر على أبواب نظام المحاصصة ومن يتمسك به، ذلك أن أزمة خانقين بدأت ذيولها مباشرة بعد سقوط النظام السابق، عندما سارعت الأحزاب الكردية إلى ارسال قوات البشمركة التابعة لها الى خانقين، ونجحت في السيطرة عليها على الرغم من أن خانقين لا تشكل جزءا من إقليم كردستان ولا ترتبط به بأي شكل من الأشكال وليس من المفترض أن تتواجد فيها قوات البشمركة.
ومع الاعلان عن “بشائر الخير” أواخر تموز/يوليو بمشاركة نحو ثلاثين ألفا من القوات العراقية والأميركية لتعقب عناصر تنظيم القاعدة وقادة مليشيات شيعية مختبئين في أطراف ديالى – كما تقول الرواية الرسمية المدعومة أميركيا، بدأ التحالف الحاكم المكون من الائتلاف العراقي الموحد “الشيعي” والتحالف الكردستاني يشهد تصدعا برز في الخلاف الشديد حول دور القوات الحكومية في التدخل في خانقين من دون بقية مدن وقصبات ديالى.
ويستند الأكراد الى حجة بدت غير مشروعة وهم يقولون إنهم لم يناقشوا مسألة خانقين أصلا مع النظام السابق المفاوضات التي جرت عام 1991، وعُدت بذلك جزءا من إقليم كردستان، وان قوة البيشمركة التي ذهبت الى جلولاء – في العمليات الأخيرة- كانت بطلب من بغداد، وتمكنت من تطهير المنطقة من الارهابيين مشيرين الى أن صدام كان قبل بضم سنجار وخانقين الى الاقليم.
هذه الحجة لم تقنع الائتلاف حين قرر رئيس الوزراء نوري المالكي إرسال الجيش إلى خانقين، لتتوتر العلاقة بين الائتلاف والتحالف، وانعكس ذلك على العلاقة بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، خصوصا بعد قرار مثير اتخذه المالكي بابعاد الأعضاء الأكراد من وفد التفاوض مع الولايات المتحدة حول الاتفاقية الأمنية طويلة الأمد.
ولم يمنع اعلان المالكي أن من حق الجيش دخول أي محافظة أو اقليم من دون استثناء، من أن يصعّد الأكراد من خطابهم مهددين بالانسحاب من الحكومة، وحتى من العملية السياسية.
دور أميركي!
وأمام هذا التوتر الخطير الذي يهدد بانفراط العملية السياسية وكل جهود واشنطن قبيل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل، فان الولايات المتحدة التي ترعى العملية السياسية وهي المشجعة لنظام المحاصصة، وهي لا تريد للاكراد أن يشعروا أنهم لم يحصلوا على ما وعدتهم به من تعزيز نفوذ اقليم كردستان، ولكنها في نفس الوقت لا ترغب أن تفرط كثيرا بتأييد الشيعة والعرب السنة لها خصوصا بعد نجاح الكثير من مفاصل المصالحة الوطنية لصالح انضمام العرب السنة الى العملية السياسية بشروطهم. ولهذا أوفدت الى اقليم كردستان وفدا رفيع المستوى من السفارة الأميركية في العراق، التقى رئيس الاقليم مسعود بارزاني في صلاح الدين وبحث معه تنفيذ المادة 140 من الدستور حول كركوك ومشكلة خانقين.
الأكراد يتذرعون بأن منطقة خانقين آمنة بصورة عامة مشككين في نية المالكي ومن يسانده من قادة الجيش ومعظمهم من الجيش السابق الذي لا يحمل ودا للأكراد، وقد بدا ذلك واضحا في الشعارات التي أطلقها الجيش حين قدم الى خانقين بحجة القضاء على الإرهاب(!).
وقد أيد الوفد الأميركي وجهة نظر بارزاني برفض أن يكون هناك أي انتشار عسكري أحادي الجانب من دون أن يتم التنسيق مع الجانب الآخر أي الأكراد!..
وما يثير الدهشة ومخاوف من أن يكون الدور الأميركي لا يصب في النهاية في صالح عراق موحد، هو صدور بيان كردي نقل أن الوفد الأميركي الذي رأسه السفير توماس كريجيسكي المسؤول عن تنفيذ المادة 140، أعرب عن “دعم الولايات المتحدة لتنفيذ هذه المادة من الدستور”، مشيراً الى أن “كردستان قوية في اطار العراق وستقوي العراق ولن تضعفه”.
طبعا هذه التصريح ينقله الأكراد فيما لا تخفي أوساط شيعية قلقها من أن واشنطن قد تكون تعد لانقلاب عسكري يطيح بالمالكي بعد الكشف عن أنها كانت تتنصت على مكالماته، وبسبب وجود “نوع من العسكرة في العراق، خاصة في ظل محاربته للإرهاب والمليشيات التي غلب فيها الجانب العسكري والاستخباراتي”.
تحالف هش!
لكن هل يؤثر التوتر الأخير على جوهر التحالف بين الائتلاف الشيعي (تملك كتلة الائتلاف العراقي الموحد الشيعية بعد انسحاب حزب الفضيلة والتيار الصدري منها 83 مقعدا من مقاعد البرلمان المكون من 275 مقعدا) والتحالف الكردي، (الذي تحالف مع الائتلاف في تشكيل حكومة المالكي، ويتوفر على 53 مقعدا)؟
بعض المراقبين يرى أن هذا التحالف “تفكك” قبل هذا الوقت، في قضية كركوك، فيما يعتقد آخرون أن لعبة المصالح ستعيد الأمور الى نصابها بين الائتلاف العراقي الموحد والتحالف الكردستاني،من منطلق أن نظام المحاصصة لا يترك مكانا لتحالفات استراتيجية مادام معظم الفرقاء غير مهتم – إن لم يكن يعمل لذلك – بنتائج مثل أزمة خانقين على تقسيم العراق.
نجاح محمد علي – دبي
swissinfo