الرئيسية » الآداب » قصة قصيرة غدر الذئاب الغبراء …؟

قصة قصيرة غدر الذئاب الغبراء …؟

ذات صباح استيقظ أهالي البلدة المجاورة على الحدود , وجلين , مرعوبين , هارعين إلى مصدر النواح والصراخ , أوصالهم ترتعد خوفا من المجهول وكأن القيامة قد قامت ,وجوه كئيبة و عيون دامعة . بينهم من لا يتمالك نفسه فيصرخ باكيا رافعا يديه نحو السماء , سائلا ….لماذا ؟. لماذا ….ياربي ؟. والنساء لا تنقطع ولولاتهن , متجهون جميعا صوب الحدود التي تفصلها سكة القطار والأسلاك الشائكة , أما الطرف الثاني فمزروعة بأشد أنواع الفتك والتدمير من الألغام والمتاريس والثكنات .
في الهزيع الأخير من الليل سمعت البلدة دوي إطلاق العيارات النارية من النوع الثقيل وكأن الحرب بدأت رحاها , ثم انتقل الى مسامع الناس بان بعض العتالين قد استشهدوا في الطرف الثاني من الحدود , ولكن من هم , وما أسماءهم , لم يعلم بعد , سوى أنهم سبع أشخاص قاموا بنقل صناديق الشاي . وكالعادة على علم وتنسيق مع بعض المخافر للطرفين عن طريق تاجر .وبما ان البلدة صغيرة و تربطهم علاقات اجتماعية وعشائرية تسربت إليهم بعد حين . بان الوضع أصبح في غاية من الحساسية وهناك توتر ملحوظ لكلا الدولتين والسلطات المحلية تحاول ان تتصل عبر الدبلوماسية مع الدولة الثانية وتطلب تسليم جثثهم والمصابين الآخرين , وتبين بعد ذلك من هم القتلى الثلاث .
كنا صغارا وقتها وأعمارنا تتراوح بين ثلاثة عشر وستة عشر عام , ولا يخلو بيننا بعض كبار السن ممن لا يستطيعون العمل سوى الحراسة , أغلبنا من طلاب المرحلة الإعدادية وأبناء المعدومين والفقراء باستثناء بعض أولاد الموظفين ذوي النفوذ والقوة . والذين لا يناوبون ولا نرى وجوههم إلا أثناء توزيع النقود , كان والد احدهم ضخم الهيئة وذو كرش كبير يتسع لشوال من القمح , فحين يلمحه أبو البر , زميلنا في الحراسة , يكبرنا قليلا ويعلم ما لم نعلمه نحن , يهمس في أذن زميله ويقول :
– يا ترى , أباه كيف يضاجع زوجته , أظن وحسب ما قرأت في كتاب حياتنا الجنسية يناسبه وضع الحصان . يرد عليه زميله بقهقهة ناشزة بين كلمة وأخرى :
– لا ….لا ..هههههههه , هذا العملاق هههههه , يناسبه وضع الفيل هههههه, تصور فيل ينكح حمامة …آآآه , ثم يواصل هههههه ؟.
كان عملنا هو حراسة أكياس القمح من السرقة أو طرد الحمير من بين ( الاستوكات والجملونات ) لدى مؤسسة زراعية تسمى ( الميرا ) والميرا عبارة عن ( هنكارات ) مستودعات ضخمة بنتها آنذاك الدولة الفرنسية لجمع المحاصيل الزراعية ومازالت موجودة حتى الآن .
كنا نعرف جميع العتالين , القوي منهم والذي يتباهى بحمل أكثر من كيس على كتفيه , والوسط الذي يكاد يحمل كيسا على ظهره وأرجله ترتجف , فيستهزئ البقية به ويمازحونه ويقولون له : أنت ( خربو ) لا تصلح شيال , خرجك مع الضعفاء , تشتغل ( عكام ) فقط . يتحجج بانه البارحة كان ساهرا مع زوجته وانه هدر طاقته , فيضحكون ويمزحون والعرق بتصبب من أجسادهم .
أتذكر ذاك القبضاي الذي كان يحمل كيسين على كتفيه ويدون ان نلاحظ عليه أي إجهاد وهو يتسلق السلم أو ما يسمى ب ( الرنية ) ويضعها في شاحنة صغيرة تسمى ب (كميون ) أما الطرف الثاني من الحدود فكانت تسميها ( قميون ) .
في تلك الليلة المشئومة اتفق التاجر مع عتالين كان يتعامل معهم على ما يبدو سابقا بهكذا مهمات والتي لاتخلو من المخاطرة بل تضع الروح على الكف وتحملهم الأكفان سلفا . ابلغهم بساعة الصفر لنقل البضاعة , كانت تجارة الشاي ذو ربح وفير لايصدق , فهي أضعاف أضعاف ما تربح عندنا ومكسبها في بضع ساعات قليلة , طمأنهم بان الأمور ميسرة ولا خوف من أي سوء طالما الثكنة بكاملها في قبضة يده , وقد اتفق معهم بالمرور كالعادة تحت الجسر القريب , حيث لن يشكك احد بذلك ولن يتعرض احد الى الأذى أو الخوف من الألغام المزروعة , والحمولة لسبع صناديق , علينا تأمين أشخاص موثوق بهم وقريبون منكم حرصا للسرية في عملنا وعدم تسريب معلومات عن التهريب لبعض الجهات التي لم ادفع لها واستطرد:
– نحن بغنى عن المشاكل يا أخوتي ؟.
– هز الحاضرون رؤوسهم بالتأييد .
اجتمع العتالون السبعة في المكان المحدد ولدى الحضور تبين أن الصناديق فقط ستة ؟!. فاضطروا إلى الاستغناء عن احد العتالين , ذو الحظ العاثر والذي سيعود إلى البيت خال الوفاض يجر أذيال الخيبة.
وثب الباقون وأسنانهم تصطك بعضها, حيث أحزم كل واحد منهم صندوقه على ظهره بإحكام , فلهذه اللعبة قواعدها من تسقط عنه الصندوق أو لم يستطع تسليمها للنقطة الثانية لا ينال الأجرة وسيحرم من العتالة بالتأكيد , كونه سيصبح علكة بفم الآخرين من أقرانه بأنه ضعيف وجبان والى آخر صفة من هذه الصفات الدونية .
استعد الأول بالخطوة نحو الشمال باتجاه الجسر وتلاه البقية بصمت بحيث يكاد لايسمع جفْجَفَة لباسهم أو مشيتهم , حاملين معهم أحلامهم والعودة إلى البيوت وفي أيديهم مال تعيلهم في ضائقتهم والالتزامات المتربة عليهم من مصاريف وديون , كان الأول يفكر بوضع ابنه الكبير الذي انهي الخدمة ولم يتزوج فتاته بعد . فيحدث نفسه :
– عدة سفرات كهذه سأجمع مالا , أخطبها له وأفرحه بها وأريح كاهلي .
أما الثاني – فيحدث ذاته :
– صباحا إنشاء الله , سأتوجه إلى صاحب الدار وأعطيه أجرته , لقد تأخرت عن الدفع كثيرا, صرت أراه في الشارع أغير مساري , والله عيب ؟.
الثالث – يقول :
– سأشتري دواء لزوجتي , يبدو أن دواء المستوصف لم تنفع معها وتحسن صحتها , إنهم يعطونها مسكنات فقط .؟. كيف لها أن تعالج ..؟. لابد من أدوية معالجة .
الرابع – يقول :
– سأشتري زوجين من الحمام المجري ذو الأعناق الطويلة وسأضع خلاخل في أرجلهم ,كما وعدت ولدي وليتباهى أمام أولاد الحارة , سألبي طلباته كلها , انه وحيدي وغدا عندما يتهي دراسته سيعوضنا كل شيء وارتاح على الأقل أواخر عمري .
الخامس – يحدث نفسه :
– غدا إنشاء الله , سأشتري ذاك المذياع الذي أعجبني وسأستمع إلى مذياعي الخاص , أصبحت اخجل من وضعي , بسهري الدائم عند بيت عمي والاستماع إلى أخبار تخص ( كالو ) . وفي سره بدأ بأغنية ( هر بزي بافي لقمان ) .
– السادس : حلم بوليمة كبيرة مشرفة يعزم أقرباءه وبالأخص أولاد أخيه ويقول : الجمعة طيبة يا زلمة ..؟.
– المسكين السابع وهو في طريق العودة يحدث ذاته :
– آخ …آخ . .. شو هالحظ ؟. صدق من قال : اللي مالوا حظ لا يتعب ولا يشقى .!. يا زلمى اللقمة وصلت للتم …..- ضرب راحة كفه على جبينه – وقال : حظ ؟؟!!. وتذكر زوجته وتمتم , كيف أبرر القصة لزوجتي , إنها لا تفهم , ستجثم على صدري و تقول : هات , وهذه فرصة بان تصب جام غضبها وتنعتني بالضعيف والمسكين اللي القط يأكل عشاه .
كان بريق سكة القطار يلمع بسبب انعكاس ضوء القمر , وتتضح شيئا فشيئا, كلما اقتربت المسافة بينها وبين حاملي صناديق الشاي , وما أن وطئت أقدامهم الطرف الثاني من الحدود , حتى بدأ وابل من الرصاص تخرج من فوهات أسلحة الحراس المستذئبة , لتخترق أجساد العتالين الرطبة .
كبرنا , ومن عاداتنا زيارة المقبرة في صبيحة أول أيام العيد , وباعتباري من الناس العائدين إلى البلدة بعد فراق طويل بسبب العمل خارجها , توجهت مع أسرتي إلى المقبرة القريبة من (الميرا ) ومن الحدود , وأنا اقرأ الفاتحة على أرواح الأموات , تذكرت ذاك الحدث الأليم منذ سنين , فأخذتني قدماي إلى قبر اؤلئك الشهداء في سبيل لقمة العيش , حينها انتبهت إلى شاب مفعم بالحيوية والشياكة , رافعا يديه نحو السماء وهو يقرأ الفاتحة على أرواحهم , فاقتربت منه حتى كدت ألامسه وسألته بفضول :
– هل تنتمي إلى أسرة احدهم ..؟ هل هم أقرباءك ؟.
– نظر إلي باستغراب , ورد علي بلطف : وحضرتك من تكون ؟.
فركت راحتي يداي ببعضهما وقلت :
أنا….؟ اعرفهم واعرف جميع العتالين في البلد – وبحركة إيمائية من يدي -كنت احرس هذه المنطقة .
– إذا تعلم بقصتهم – هز رأسه – واستأنف قائلا :
أنا يا أخي , ابن ذاك العتال الذي لم يظفر بحصته ولم ينله الصندوق ورجع إلى البيت خائبا ؟.. لقد بعدنا عن البلد ولكن كلما سنحت لنا الظروف وخاصة المناسبات نأتي إليها , وازور المقبرة لأقرأ الفاتحة على أرواح رفاق والدي , واحمد الله على عدم نيله الصندوق , فلولاهم لما عاش بيننا .
– انتهت –

* شيال وعكام : مصطلحات العتالين , شيال : يحمل الكيس على طهره , أما عكام : فهما اثنان يساعدان الشيال لوضعها على ظهره .
ماهين شيخاني .

14-9-2008