الرئيسية » التراث » الكلاسيك الكوردي -عتاب خنجري

الكلاسيك الكوردي -عتاب خنجري

الترجمة عن الكوردية: زين أمين
منذ زمن بعيد لم أنظر إليه, كان متكئاً على طرفه, فوق سطح مكتبتي، وفي زاوية مظلمة ومغبرة؛ من يعرف منذ متى لم ألمسه؟, عناكب غرفتي نسجت فوقه خيوطها, تنظر إليه من الأعلى. وأحياناً تهبط لتسير على مقبضه, تترك آثارها، ثم تتسلق إلى بيوتها. قبل عدة أيام لم يعد قلمي يكتب, أردت أن أبريه, بحثت عن سكيني فلم أجدها, نظرتُ حولي بحثاً عن شيء يستطيع أن يجعل قلمي حاداً, وقع نظري على الخنجر, اقتربت منه، وحين مددت يدي إليه, شعرتِ العناكب حولها بغريب، فمدت أطرافها السرطانية إلى رأسها، وفرت كل واحدة منها باتجاه. خرج خنجري الصدئ من غمده بصعوبة, بصوت متحشرج, كان صدئاً، وضعته بين ورقة ودلكته، فطار منه غبار ذهبي قديم. وضعت قلمي على حده, فلم يبريه ولم يبتره, بقي بين يدي متصلباً, لم يرغب أن يخدمني بهذه الطريقة, وضعت خنجري بجانبي، ونظرت إليه. كان قد بقي من صدئه النصف, وبلون قريب من الأحمر، بدأ يلمع، وشيئاً فشئياً، غير من لونه، فأصبح بالكامل أحمرَ, أحمر كلون الدم, كنت أعلم أن خنجري غاضب مني, يريد معاتبتي, أخذته مرة أخرى بين يدي، وقلت له: ـ أيها الخنجر العزيز, ما بالك!! قد تكون غاضباً مني, فما الذي فعلته بك لتغضب مني هكذا؟! نطق خنجري، وأجابني بصوته الفولاذي المستبد والشجي، فقال: نعم , وكيف لا أغضب منك وقد رميتني بين الكتب والأوراق, جعلت مني رفيق بقايا قشور الشجر والقش وصاحباً لأقمشة وخرق المزابل, لا تسأل عني ولا تنظر إلي, إلى الآن بقيت صامتا, فقد كنت أحسب نفسي ضائعاً ومنسياً في هذه الدنيا، ولكن لم أعد أستطيع أن أتمالك نفسي, نعم.. لم أعد أستطيع, لأنك تريد أن تضعني موضع مبراة وأن تبري بي قلمك, أن تفتح أوراق كتابك, تريد أن تحمل الأسُود أحمال الحمير. أنا الفولاذ الأصيل, الحديد الصقيل, أسلافك غرسوني في صدور الرجال والأبطال والصناديد، وربوني وأطعموني اللحم والقلوب والأكباد, أما أنت فتريد إطعامي القشور والخشب، وأن تجعل عشائي وفطوري تبناً كالحمار, اتركني جائعاً، ولا تضع في فمي القشور والأوراق اليابسة, أنا لست آكل العشب، صاحب الأرجل الأربع، بل أنا الأسد آكل اللحم. نعم أنا الخنجر ذو الحدين, الفولاذ الاصيل, الحديد الصقيل، ترميني بين الأوراق السوداء والمبقعة، التي لا تفهمني ولا أفهمها. أعلم أنك اليوم مهووس بالكتابة واللغة الكردية, تشغل نفسك من الصباح حتى المساء، وأحياناً حتى منتصف الليل، وأحياناً أخرى حتى الفجر بكلمة أو نصف كلمة، أهي مؤنثة أم مذكرة, إسم أم ضمير. منفصلة أم متصلة. أو فيما إذا كانت في الأصل كردية أم دخيلة، تم تكريدها؛ وهكذا يشيب شعرك وشاربك. في سنة تعيش عشر سنوات، وطوال عمرك, تجعل من ربيعه شتاءاً ثلجياً, ولكنك سعيد، وتقول في سرك إنني بهذه القراءة والكتابة، سوف أحيي شعبي, وإن شعبي سوف يصبح مالكاً للعلم والكتب وسوف يصبح مستقلاً ويحقق أمنيته ويسعد. ولن يستطيع الناس القول بأن الاكراد ليس لهم لغة, وإن لغتهم هي فقط لغة الكلام والحديث, ولكنهم سوف يقولون أن الأكراد أيضاً ككل الناس لهم لغة وكتب، واللغة الكردية لغة ذات قيمة, غنية ومتماسكة, وإن الأكراد شعب قديم وأحفاد للميديين. نعم, فأنت تسير على درب خاني, وتريد أن تنجز ما لم يستطع هو إنجازه. إذ كان يقول: “حتى لا يقول الناس, إن الأكراد يفتقرون إلى المعرفة والأصل النجيب”. وأنت تريد أن يقال: إن كل الناس يقولون, إن الاكراد يملكون المعرفة والأصل النجيب. لذلك، ومن أجل هذا أهملتتي ورميتني خلف ظهرك, أبعدتني عن العين والقلب, جعلتني مأوى للعناكب, تلك الحشرات التي لا جلد لها ولا لحم، والتي تدبّ علي كل يوم، وهي تريد أن تخنقني تحت نسيجها وآثارها وتدفنني. ولكن لا, لا اللغة ولاالكتابة والقراءة تستطيعان أن تحققا شيئاً بدوني. فقط فكر كيف أنك وشعبك دمتم حتى الآن, كيف أنكم لم تنسوا لغتكم وحتى اليوم تتكلمون بها, ويعود الفضل إلي في أنك وقومك لم تخسروا لغتكم. مرات عديدة, أرادوا ان ينسفوا لغتكم, لغتكم قبل آلاف السنين كانت لغة البلاط والدولة, ومنذ ذلك الحين أرادوا تحطيمها, حاربوها آلاف المرات، وأنا الذي كنت دائماً بالمرصاد, حافظت عليها، وليس قلمك. وإن كنت لا تصدقني, انظر حولك وسوف ترى كيف أن الذين هجروني إلى المدن، نسيوا لغتهم ولا يقدرون اليوم أن يقولوا (لو لو) ولا (لي لي), لأن الرجل الأعزل غير المسلح، كالانسان الذي لا ظفر له, حتى البرغوث يتغلب عليه. لذلك قدرني يا سيدي, لا تبتعد عني, ولا تبعدني عنك، ولا تقطع بي قلمك بل أوصال العدو. أتم خنجري كلامه, وددت أن أرد عليه, ولكنه لم يشأ الاصغاء إلي, بل انسل إلى غمده صامتاً، دون الإهتمام بي. هذه القصة مأخوذة من كتاب أنطولوجيا القصة الكردية، الذي صدر باللغة الكردية عام 2003 عن دار نودم، بإشراف الكاتب فرات جوري, وكانت قد نشرت في جريدة هاوار العدد 12 عام1932.

التآخي