الرئيسية » مقالات » صفحات سود من تاريخ العراق.. دائرة الرعب تتسع لتضم المزيد من الضحايا/8

صفحات سود من تاريخ العراق.. دائرة الرعب تتسع لتضم المزيد من الضحايا/8

نتوقف عند ما سمي بمؤامرة محمد عايش، هذه الفبركة والسيناريو لازاحة اقوى عصبة بقيت في قيادة بعث العراق، وكانت تتمتع بحماية وجود الرئيس احمد حسن البكري على رأس هرم السلطة، اذ ما ان اطيح بالرئيس البكر تحت تهديد القوة بمسوغ انسانيته العالية مع الاحزاب الدينية، وتساهله مع قياداتها (سنية ام شيعية كانت) اخذ الطاغية بعد العدة للاطاحة بهذه العصبة من رجال الحزب الاقوياء والذين عشقوا مبادئ الحزب وامنوا بتوجهاته القومية، وان كانوا هم ايضا خدعوا بهذه الافكار التي وقفت وراءها الدوائر المخابراتية الاجنبية وفي مقدمتها جهاز الاستخبارات المركزية الامريكية، لاجل محاربة المد الشيوعي الزاحف على المنطقة بمساعدة الاحزاب الشيوعية المحلية في البلاد العربية، واستغلال موجة التحرر من الاستعباد والاستبداد والاستعمار التي غزت العالم، لا سيما دول العالم الثالث في امريكا اللاتينية واسيا وافريقيا… غير ان الوطنية احيانا تتلبس رجال السياسة وتجعلهم يعمهون عن الحقائق حتى وان كانت مرة.. ان البعث بلا شك حزب قومي كبير، ومبررات تأسيسه وولادته معروفة في المنطقة العربية وان كان مؤسسة ميشيل عفلق نصراني الديانة غير انه لم يكن المؤسس الوحيد، فقد شاركه مرحلة انشاء الحزب العديد من القيادات القومية وهم (حسين السيد وصلاح البيطار واكرم الحوراني الذي دمج حزبه العربي الاشتراكي مع حزب البعث، ليصبح الحزب يحمل عنوان حزب البعث العربي الاشتراكي فضلا عن محمد مسعود الشابي التونسي ومحسن العيني اليمني ومحمود الريماوي والاحمر السوري وغيرهم من رجال(.
الحزب الاوائل، وقد انتمى لهذا الحزب الكثير من العراقيين الذين اعماهم بريق القومية والوحدة العربية وخدعتهم تلك الشعارات المزيفة، وقد انكشفت تلك الحقائق بعد انقلاب (8) شباط الاسود الذي اطاح بالزعيم عبد الكريم قاسم، حيث اعلن امين سر حزب البعث وقتذاك علي صالح السعدي بانهم جاءوا بقطار امريكي وهو اعتراف اسقط في يد الكثير من عناصر الحزب الاولى التي نقلت التنظيم الى العراق وانخرطوا في الحزب، مثل سعدون حمادي، الذي كان وراء دخول البعث الى العراق من خلال دراسته في الجامعة الامريكية في بيروت والذي اقصى في ما بعد في المؤتمر القطري عام (1964) وتهكم عليه العديد من قيادات البعث العشائرية الجديدة، وسخروا حتى من اسمه، اذ اسموه (عبد الزهرة) نكاية بتشيعه!
وقد كان يعد من المع العناصر المثقفة في البعث العراقي، ولكنه انصف في ما بعد من قيادة الحزب الحقيقية، غير ان الطاغية حجمه وقطع الطريق عليه لان يصبح عضوا في القيادة القومية للحزب، وجعله في اطار التنظيم العراقي، بسبب ثقافته الكبيرة، وانحداره المذهبي، ومراسه وحنكته في العمل السياسي.
وبالتأكيد فان الحزب حوى الكثير من العناصر الوطنية لا سيما تلك العناصر التي حسبت على اليسار وليس على اليمين من بينهم اطباء ومثقفون كبار واختصاصات مختلفة.
وقام الطاغية بتصفية المئات منهم في بداية الانقلاب الاسود في عام 1968م ولكن حتما بقيت اسماء كثيرة، حيث انه لا يستطيع انهاء الحزب وتغييره في زمن محدد، ولكن بمجموعة فبركات وسيناريوهات يستطيع بين الحين والاخر من تصفيتهم وانهائهم، وترويض الاخرين منهم على السير وفق المنهج الذي سيرسمه للحزب وللبلاد لاحقا بعد ان يستولي على السلطة بالكامل ويزيح الرجل الذي انتشله من القاع بمشورة ابناء قومه لحماية الثورة والنظام الجديد، وعدم تكرار تجربة (8) شباط التي ازاحهم لاحقا من قيادتها الرئيس عبد السلام عارف، والقضاء على ميليشياتهم المرعبة التي حملت اسم (الحرس القومي) الذي عاث بالبلاد فسادا وفاحشة وظلما وطغيانا وجورا فقد جلبه ومنحه صلاحيات رجل الامن السري، وفتح المجال امامه لان يكون او يشكل عصابة من قطاع الطرق، واصحاب التاريخ الدموي والحاقدين والطامعين بمكاسب ومواقع في الدولة الجديدة، وبمرور الايام اصبحت هذه العصابة قوة لا يستهان بها تتحكم في القصر الجمهوري ودهاليزه، وكانت تقوم بالتصفيات والاغتيالات للتمهيد للطاغية من فرض سطوته وجبروته، وراحت تحصي انفاس البكر وعائلته واصهاره والمقربين منه حتى اوصلته الى الخوف من جدران القصر الجمهوري، ودفعته لان يطلب من القريبين منه الانتباه للعيون المبثوثه فيه، والاذان التي تسترق السمع.
وان يلعن الرئاسة ولكل طامح بالرئاسة على حساب الناس ومصائرهم وحياتهم، وقد ندت منه العبارة الاليمة والتي هي اعتراف بتجريده من صلاحياته ودوره، وهي (البول على كرسي الرئاسة الذي يصنع من جماجم الابرياء) لقد تسترت بعض عناصر الحزب بعض الوقت بحماية الرئيس البكر، وحماية بعض رجال الحزب الاقوياء من العرب قبل ان يقلم اظفارهم في مابعد، عندما سيطر على الحزب والعراق بالكامل.. ومن تلك العناصر العصبة القوية التي كانت تعمل في السر بالضد من احلام الطاغية وكانت تعتقد بان الحزب مازال يؤمن بالعمل .. الحقيقي، ويعتمد مبدأ النقد والنقد الذاتي، والديمقراطية.
وهو كذلك يثقف ويؤكد فكرة (البعثي اول من يضحي واخرين من يستفيد) ومنهم محمد محجوب عضو القيادة ووزير التربية، والذي رفض اخذ عشرين الف دينار من الطاغية لاكمال بناء بيته، الامر الذي اثار امتعاض الطاغية.
لا سيما عندما قال له ان هذا المبلغ والذي كان كبيرا في بداية سبعينيات القرن الماضي، ممكن اقامة مشروع يفيد الناس به، وان بيتي سأكمل بناءه من راتبي بحسب رواية يوسف نمر ذياب الذي كان مديرا لمكتبه والتي رواها الى الاديب ابراهيم احمد قبل النفي والاغتراب…
وعدنان الحمداني الذي كان يتصل سرا بالشهيد السعيد محمد باقر الصدر لاجل بناء علاقات جيدة معه بمعزل عن توجهات ومخططات الطاغية، حفاظا على العراق وشعبه، وتجنيبه المخاطر والمصائب.
ومحمد عايش الذي خاطب الطاغية بان الشاحنات التي جاءت به الى وزارة الصناعة هي ذاتها التي جلبته من العوجة الى بغداد.
لقد استغل الطاغية مد يد التعاون من قبل الرئيس الراحل حافظ الاسد، وتجاوز خلافات الماضي من اجل المصلحة القومية والهدف القومي (فلسطين)، واتهم رجال هذه العصبة التي كانت اخر مجموعة يخشاها في الحزب والدولة، والتي كانت تعمل معه بقلوب بيضاء ونفوس خالية من الغدر والطعن بالظهر، اتهمها بالتعاون مع سوريا للاطاحة به، دون مراعاة لمشاعر الرئيس السوري الذي كان صادقا في نياته للتعاون مع العراق لاجل القيم والمثل العربية الاصيلة والقضايا القومية والانسانية، بعد ان مهد لذلك من خلال اعطائهم مناصب مهمة اثر اقالة وعزل البكر، حيث اتخذ سلسلة من القرارات الغريبة وقتها، مما اثار انتباه المراقبين للوضع في العراق بان هناك نية او نيات مبيتة للكثير من عناصر الحزب والدولة من بقايا (تيار الرومانسية الثورية) و(خط النضال التقدمي) و(منهج الاصلاح السياسي) فقد اصدر مراسيم جمهورية بتعيين ثمانية نواب لرئيس الوزراء، واعفى بعض الوزراء واسند وزارات لوجوه جديدة واصدر قرارات داخل الحزب جعل من نفسه نائبا للامين العام للحزب، وازاح اكبر عنصرين في الحزب الى مرتبة بعده تمهيدا لاقصائها لاحقا وهما (شبلي العيسمي ومنيف الرزاز)، وجاءت التوقعات والاحداث لتؤكد حقيقة تلك الاجراءات، فقد وضع منيف الرزاز تحت الاقامة الجبرية ثم اغتيل داخل المعتقل، واما شلبي العيسمي فقد بقي وجها دون تأثير او فعالية، وحينما عاتبه الاديب الراحل مؤنس الرزاز نجل منيف الرزاز عن سبب صمتهم ازاء تلك الجريمة النكراء، اجابه لم نكن نستطيع فعل اي شيء لاننا ايضا كنا سنواجه ذات المصير.. وهو ما حصل له، حيث حجم واقصى من مهماته الحزبية، ولكن استغل اول فرصة للهرب من العراق لينفد بجلده.. واستغل الطاغية الوضع الجديد، فمنح المناصب المهمة للعناصر الموالية والمتعاونة معه، ومن القرويين الذين جلبهم من منطقة سكناه على حساب العناصر المتنورة والمثقفة من اهالي تكريت الذين تراجعوا الى المرتبة الثانية بعد تلك المجاميع الذين اصبحوا في مابعد برتب ومواقع كبيرة وبعض اقربائه من الذين كان افضلهم برتبة نائب ضابط في الجيش.
لقد ازاح اخطر عقدة كانت تعترض طريقه في الحزب والدولة، وهم محمد عايش وزير الصناعة وعدنان الحمداني وزير التخطيط ونائب رئيس الوزراء (صهر حسن العلوي).
ومحمد محبوب وزير التربية، وغانم عبد الجليل ومحمد عبد الحسين ، مشهدي، وهم جميعا اعضاء قيادة الحزب القطرية…
وخالد عبد عثمان الكبيسي وزير الدولة للحكم الذاتي لم يمض في منصبه اكثر من شهرين واعدم معهم عبد الخالق السامرائي وطاهر محمد امين وعدد من القادة العسكريين والمسؤولين المدنيين من اصحاب الاتجاه المعترض على سيطرة الطاغية على مقاليد الدولة والحزب، وقد ضرب عصفورين بحجر واحد، حيث اجبر اعضاء الحزب الاخرين على القيام بتنفيذ الاعدام بحق رفاقهم، وعدم التفكير بأي توجه معادي او تآمري، حتى يحين او ان تصفيتهم هم ايضا.. ان الطاغية بتلك الضربة القوية قد احدث انقلابا في الحزب والدولة، وانهى بذلك انقلاب الحزب الحقيقي، ليجعله في مابعد عصابة ترتكب الجرائم والموبقات دونما حياء او خجل (وللحديث بقية).

التآخي