الرئيسية » مقالات » التوافقات السياسية والتجربة الديمقراطية

التوافقات السياسية والتجربة الديمقراطية

التعددية السياسية في العراق انعطافة مهمة وكبيرة في مسيرة هذا الشعب الذي لم تفارقه الدكتاتوريات لعقود خلت، فرحتنا بها كبيرة والأمل بها اكبر، ولكن مصاعبها مازالت شائكة أيضا.

فمنذ التحول السياسي في البلاد عقب زوال النظام السابق في ابريل/ نيسان 2003 والأمور مازالت تتذبذب بين الديمقراطية بنوع ما وبين التوافقية بنوع آخر، وهي لم ترق إلى مستوى الديمقراطية الحقيقية بصورة كاملة رغم تقدمها أشواط مهمة في زمن قصير.

فالمتعارف عليه في اغلب البلدان التي تعيش حالة التعددية السياسية، وبضمنها الولايات المتحدة الأمريكية، ان الحاكم الأعلى وصاحب القرار الأخير هو الأغلبية في البرلمان، سواء كان تحالف أو تكتل وغيرها، المهم بان من يقود البلد هو الجمع الأغلب في المؤسسة التشريعية، ولم نلحظ في اكثر تلك الدول، ظاهرة التوافق في كل قرار يتم تمريره، حيث يكون في البرلمان معارضون ومؤيدون، وهي قاعدة صحية وصحيحة في الحياة الديمقراطية، وليس بالإمكان جمع كل الآراء على رأي واحد، وهذا ما قد لا يحصل منطقيا أصلا، فلماذا هذا الإصرار على التراضي في كل شيء ولا يتخذ أي قرار حتى ولو كان مهما كي لا يزعل البعض؟.

هذه الظاهرة الملحقة بالديمقراطية العراقية في واقع الحال تفسر بطريقتين الأولى، حالة شد الأزر كلا بالآخر ومحاولة جذب الأغلب إلى طريق العملية السياسية والتناصف في المكاسب والواجبات، والثانية محاولة وضع القرار السياسي في خانة التصنيع البطيء وعدم السماح له بآخذ مساره الطبيعي بعيدا عن اللمسات السياسية والتزويق السياسي تمهيدا للتسويف فيه.

الظاهرة تشكلت منذ اليوم الأول لتشكل مجلس الحكم وتنقلت معه بحاضنات مهيأة إلى الحكومة المؤقتة والانتقالية والحالية، وبقيت سمة التوافق عنوان لكل شيء فيما وضعت اللافتة الديمقراطية أعلى كل قرار يتخذ بالطريقة السابقة.

الآن وبعد أن جلبت لنا هذه الظاهرة ما جلبت من إشكاليات أوصلتنا إلى طريق مسدود في قضايا كثيرة أهمها التعديلات الدستورية وانتخابات مجالس المحافظات، وفي مقدمتها قضية كركوك، ولعلها (ومن يدري) تجلب لنا الكثير في المستقبل المنظور.

جاء وقت الحل لهذه المشكلة الكبيرة وتبني الطريق الصحيح في التعامل، فهو لا يقبل الازدواجية فإما التوافقات السياسية ولا داعي لوجود الانتخابات والبرلمان، وكل ما ارتبط بها لأنها ستكون بالنتيجة مغيبة؛ لأنها ستركن جانبا، ونذهب لنقسم القرار بالتراضي، وأما أن نعزل كل ذلك، ونعتمد ما تقوله صناديق الاقتراع ومن له الغلبة في الساحة البرلمانية ككتل أو تحالف أو ائتلاف أو ما شابه ذلك مع مراعاة حقوق الأقلية، وهذا ليس بالمعيب؛ بل على العكس فان تقييد آراء من يمثلون الأغلبية بمزاجات بعض الشخصيات التي قد تمثل أو لا تمثل آراء شريحتها بصورة حقيقية يضع البلد في خانة الدوران حول نفسه ويعيد نفس المصالح الشخصية مرة أخرى.

القضية انعكست بسرعة مذهلة على واقع الحال في الشارع العراقي بمفردات متعددة تردي الخدمات أجلى صورها، وتأزم الحالة السياسة عموما إحدى نتائجها وغير ذلك، فواقع الحال يشير إلى أن البرلمان عجز لحد الآن عن ابسط الأمور وهو استجواب وزير واحد من الوزراء الذين ابتليت بهم الحكومة نتيجة التوافقات السياسية، وفاحت روائح الفساد من وزاراتهم إلى درجة تزكي الانوف وتجعل الأعمى بصيرا .

نحن نعلم بانتا نعيش مرحلة تأسيسية ولها استحقاقات كثيرة حالها حال الأهداف العليا التي لا تنال إلا بالصبر والثبات، ولكن هذا لا يسوغ على الإطلاق أن نترك الطفيليات السياسية تعيش وتكبر مع حياتنا الجديدة بحجة الانشغال هنا وهناك، بل أن أساس النجاح يكمن في القضاء على أي ظاهرة تنخر في جسد وبنية الدولة تمهيدا للقضاء على جميع مظاهر الانحراف الموروثة من الأزمنة السابقة والمستوردة من خارج الحدود.

المهمة الملقاة على مجلس النواب كبيرة في تجاوز عقبة مهمة من عقبات التوافقات السياسية واحالتها إلى التصويت الحر والاحتكام إلى منطق الأغلبية والنصاب القانوني والدستوري في مبدا الحكم، وهذا لايمثل دكتاتورية الأغلبية او (لي الاذرع وكسر العظم) كما عبر أحد الرموز السياسية (للاسف) معبرا عن رفضه لمبدأ التمرير لأي قانون إلا بالتراضي،هذا ليس منطقا صحيحا والدستور لم يصوت له الشعب الا من اجل التأسيس لدولة المؤسسات ولا نعتقد بأنه( الشعب) سوف يقبل العودة إلى مبدأ التقاسمات وتوزيع المناصب على أساس العرق والطائفة والهوية بل الكفاءة والمواطنة والدستورية هي الأصل في كل ذلك وإلا فان (ديمقراطية التوافقات) ليست أحق بالاتباع.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث