الرئيسية » مقالات » حول قانون مجالس المحافظات و الاقضية والنواحي

حول قانون مجالس المحافظات و الاقضية والنواحي

بعد إقرار مجلس النواب قانون انتخابات مجالس المحافظات و الاقضية والنواحي يوم الرابع والعشرين من أيلول، لم يبق لصيغة التشريع النهائي له غير التصديق الرئاسي عليه، الذي ينظر إليه إجراء حاصلا بعد إجماع الكتل الرئيسية على تمريره، وبهذا الانجاز النيابي يكون المجلس قد تجاوز، بالتوافق، قضية خلافية حادة تمرد بعض النواب بسببها على التوجهات العامة لكتلهم، وضاعت بسببها أشهر من الوقت العصيب الذي يعاني فيه الشعب العراقي. يتحمل مسؤوليتها الأصوات المتطرفة المناهضة لمبدأ الفيدرالية، والمؤيدون لهذا المبدأ حد التطرف .وبعد كل الذي جرى من احتقان سياسي وما رافقه من ضغوط أمريكية وإقليمية غير معلنة، وأخرى معلنة عنوانها ” المساعدة الدولية عبر الأمم المتحدة”. اتفق الغرماء على” حلٍ ” لمعضلة آلية انتخابات محافظة كركوك، حل يقضي بتأجيل الحسم النهائي لتفاصيل العملية الانتخابية في هذه المحافظة إلى ما بعد إجراء سلسلة من الإجراءات الإدارية والقانونية في المحافظة والتي ستستغرق شهورا عدة، مع تأكيد القانون على بقاء وضع محافظة كركوك المنصوص عليه دستورياً على ما هو عليه إلى حين إجراء الانتخابات فيها. وبتلك الصيغة التوافقية يكون القانون قد مكن المحافظات و الاقضية والنواحي العراقية الأخرى من إجراء انتخابات ممثليها في هذه المجالس في موعد لا يتجاوز 31/1/2009.

وإذ يؤشر إيجابيا إلى تثبيت القانون لضمان “حصة” المرأة العراقية بنسبة 25 بالمائة من عضوية المجالس الفائزة، رغم أن هذه النسبة لا تتكافأ مع أحقية المرأة العراقية في تبوأ المسؤولية بما يتناسب مع تاريخها النضالي وتضحياتها ودورها في تحمل المسؤولية في إدارات ومفاصل الدولة، ومع ما نص عليه الدستور العراقي لإنصافها، إلا أن إغفال القانون حصة الأقليات الدينية والقومية جاء ثغرة جدية تتعارض مع ما لهذه الأقليات من تضحيات مشهودة و من حقوق مشروعة كفلها الدستور العراقي أيضا، ثغرة تحتاج إلى معالجة سريعة، ومبادرة تأتي في المقام الأول من القوى الوطنية والديمقراطية في المجلس، بالتعاون مع ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق استيفان دي مستورا الذي سمى هذا الإغفال، أثناء المؤتمر الصحفي مع رئيس البرلمان العراقي “الغمامة الكبيرة في القانون”، و تأكيده على “العمل مع المفوضية العليا للانتخابات في العراق على معالجة قضية تمثيل الأقليات بشكل يعطي حقوقها في العراق بشكل كامل ومن دون تهميش”.

إن أشهر الصيف العصيبة التي انقضت في الاحتراب السياسي حول قانون انتخابات مجالس المحافظات و الاقضية والنواحي، وما رافقها من حملة اغتيالات وتصفيات دموية، لا تدعو إلى الاطمئنان إلى التزام أطراف مهمة في الكتل السياسية الحاكمة بنص وروح هذا القانون أثناء فترة الدعاية الانتخابية وخلال أيام الانتخابات، خصوصا بعدما “تنعم” المتنفذون من هذه الكتل بامتيازات السلطة المادية وسطوتها. كما أن التأشير إلى ممارسات قادمة مخالفة للقانون العتيد، تستند إلى معطيات فساد مالي وسياسي لم يعد حديثا يوميا للمواطن العراقي فحسب، بل يؤكده جميع المسؤولين الحكوميين والنيابيين، ووثقته مؤسسات استطلاع ومراكز صحافية و إعلامية عالمية، آخرها منظمة الشفافية الدولية في تقريرها عن الفساد للعام 2008، ووضعت العراق فيه بالمرتبة الثانية مع دولة مينامار الاستبدادية وبعد الصومال القبلية في قائمة الدول الأكثر فسادا بالعالم.

إن الفساد المالي الحالي وان كان موروثا من العهد الدكتاتوري السابق وغذته الشركات القادمة مع قوات الاحتلال والتدخل الإقليمي المباشر، لم يكن له ليستشري، وفي جميع المحافظات، لولا الفساد السياسي الذي أدى إلى ظهور فئة طفيلية محلية مرتبطة بقريناتها الخارجية، اغتنت واستشرت في ظروف الحرب وشيوع الإرهاب والاحتراب الطائفي ونظام المحاصصة، ولذلك فسوف لن تتخلى هذه الفئة طواعية عن مصالحها و على امتيازات ونعيم السلطة التي وفرتها لها الانتخابات النيابية والمحلية الماضية ولن تعدم الوسائل والسبل للالتفاف على هذا القانون أو تحديه.