الرئيسية » مقالات » مذكرات عدنان عباس الحلقة الأخيرة

مذكرات عدنان عباس الحلقة الأخيرة

وأعود الآن لمناقشة الأمور السياسية في مذكرات الأخ أبو تانيا،التي تناولناها في الحلقتين السابقتين،وكان بودي أن يأتينا بجديد عن فترة محاربة الدكتاتورية عندما كان مكلفا بالأشراف على منطقة الفرات الأوسط وعمل الرفاق في الداخل وأسباب الأخفاقات التي أدت الى كوارث بحق الكثير من الرفاق وفضح الخونة المتعاملين مع الحكومة العراقية لأنه على معرفة تامة بأعمال هؤلاء وما مارسوا من الآعيب وأن فضح مثل هؤلاء واجب وطني وقومي ليظهر لنا حقيقة ما جرى ويزيل البراقع عن كثير من الوجوه التي لا زالت ترتدي قناع من الوطنية لبقاء أمرها طي الخفاء ،لأن أكثر هذه العناصر أصبحت بفضل التستر عليها من أبطال المقاومة ومحاربة المحتل وفي مقدمة الماركسيين الثوريين ،وأن في كشف حقيقتهم خدمة للحقيقة والتاريخ كان على الأخ العزيز الأشارة اليها وفضحهم ليكونوا عبرة للآخرين في المستقبل،وبالذات ما كان يقوم به بعض المكلفين للعمل في الداخل وعلاقاتهم المؤكدة مع النظام حسب التحقيقات التي جرت من قيادة الحزب التي كان الأخ أبو تانيا على اطلاع عليها ومعرفة بخفاياها،وكان له موقفه المعروف منها،وإذا كان ناسيا سأذكره بها في رسالة خاصة علها تنشط ذاكرته ليضع النقاط على الحروف ويظهر لنا المخفي والمستور من أعمال الخونة وأين موقعهم الآن والجهات التي يعملون معها سابقا وحاليا وهو المطلع على كل شيء .

والأمر الآخر الذي كان على الأخ أبو تانيا التوسع في أيراده حقيقة الزيارات المكوكية لماجد عبد الرضا والسفارة العراقية لبناء جبهة وطنية مع البعث ومحاولته أغراء بعض القياديين بمثل هذا التحالف ،وصحة ما يقال عن تنبيهه للأخ باقر إبراهيم بضرورة عدم العودة إلى العراق أو الدخول في تحالف مع حكومة العراق ،لتيقن ماجد من وجود مؤامرة جديدة تستهدف الشيوعيين لعقد التحالف معهم والقضاء عليهم كما هو الحال في جبهة السبعين الخاسرة،وخلفيات العلاقة الجديدة مع البعث وما جرى من مفاوضات ونتائجها ،ورأيه في هذا الموقف في الوقت الحاضر وهل أن التحالف مع البعث كان يصب في خدمة نضال الشعب العراقي،وهل أن المغامرة بالتحالف مع البعث كانت ستؤدي إلى نتائج نافعة ،فهو على اطلاع كامل بحقيقة المفاوضات وما دار فيها وهذه الصفحة السرية من العلاقات غير واضحة المعالم وعليها الكثير من التعتيم.

والأمر الثالث حقيقة ما يشاع عن الموقف القومي أو بداية النزوع لتفكير قومي ودعوة لإيجاد تكتل قومي عربي داخل الحزب لمواجهة التكتل الكردي الذي يقول عنه أن الأكراد كانوا يهيمنون بشكل كامل على الحزب وأنهم حاولوا أبعاد العناصر العربية وتكريد الحزب وخصوصا خلال العمل في كردستان وأن الأمر كان يجري بتخطيط من عزيز محمد ومن يدور في فلكه،فهل هذه الأسباب وحدها كانت وراء التوجه الجديد أم أن الشعور القومي كان نتيجة قراءة جديدة وتغيير للموقف ألأممي الذي عليه الشيوعيين طيلة تاريخهم المجيد،خصوصا أذا عرفنا أن معظم السائرين بالاتجاه الجديد يمثلون تيارا قوميا بعيد عن أي توجه أممي مما يعني انقلابهم على المفاهيم السابقة وانسلاخهم عنها،وتشكيلهم لتيار يؤمن بالشيوعية كنظرية اقتصادية دون الالتزام بثوابتها الأخرى.

والأمر الرابع أن فترة العمل في اليمن كما تشير مذكرات الرفاق الذين عملوا في اليمن كانت حافلة بالإخفاقات والمتناقضات والصراعات غير المبدئية،ووجه البعض اتهامات لهذا الطرف أو ذاك لاستغلالهم الوضع لتحقيق مصالح ضيقة بناء على علاقات خاصة بعيدا عن الروح الرفاقية الشيوعية،وأن التقييمات كانت تجري على أسس غير مبدئية وكان أبو تانيا طرفا في الكثير من هذه المواقف ،وقد أشارت المذكرات إلى مواقف ايجابية دون الدخول في تفاصيل الكثير من القضايا التي أثيرت ولا زالت تثار ،وبعضها اتهامات صريحة لقيادة اليمن بانتهاج سياسة غير مبدئية اتجاه بعض الشيوعيين مما خلق حالة من التذمر والارتباك وتخلي البعض عن التزاماتهم الحزبية بسبب المعاملة غير المبدئية وشيوع التفرقة على أسس تتعارض والعمل الحزبي والروح الرفاقية التي كانت سائدة في الحزب،وكان ألأولى الإشارة إلى تلك الأمور ومحاولة الرد على ما قيل ويقال عن تلك الفترة بما يمتلك من أدلة وبراهين،دون الاكتفاء بإيراد الصورة الباسمة وتجاوز نقاط الضعف والإخفاقات في العمل مما أدى إلى تغيير القيادة السابقة وتنسيب قيادة بديلة لإعادة الأمور إلى نصابها.

والأمر الآخر الذي أردت الوقوف عنده هو ما ذكره عن أستشهاد المناضل الرفيق جبار أبو عبيس ،فقد حدث خلط على ما يبدو حيث ذكر في ص 168 من المذكرات (سكرتير لجنة محلية بابل الشهيد البطل جبار عباس(أبو عبيس) والمعروف بشجاعته ومبدئيته العالية وتفانيه،ومكتب المحلية الذي تم أنتخابه ضم الكادر الفلاحي المعروف ألشهيد البطل كاظم عبيد (ابو رهيب) الذي تولى قيادة المحلية بعد أستشهاد سكرتيرها أبو عبيس والذي أعتقل في آيار 1985) وذكر في ص171( وفي مقدمتهم الشهيد البطل جبار عباس (ابو عبيس) سكرتير محلية بابل الذي حمل السلاح بعد الهجمة الشرسة نهاية 1979 وأستشهد أثناء مقاومته ودفاعه عن رفاقه في معركة غير متكافئة مع قوات الأمن والشرطة في ريف ناحية الكفل عام 1979))وقد حصل تبايين بين التاريخين في الصفحتين المذكورتين وأخطأ المؤلف في أيراد أسم الشهيد ،وهو الشهيد جبار جاسم لا عباس أما أستشهاده فكان في نيسان 1982 كان الشهيد أبو عبيس في منطقة الكفل في دار الرفيق حسين شدهان(أبو حاتم) بناء على موعد اجتماع مسبق لأحد الهيئات،وفيما هم جالسون في صحن الدار،طرقت الباب عليهم من قبل الشرطة بحثا عن جندي هارب -كما قيل رغم أن عقلي يرى غير ذلك- والظاهر أنهم أخطئوا في الباب المطلوب،وعندما فتح صاحب الدار الباب فوجئ بمجموعة من الشرطة والبعثيين وفي مقدمتهم مفوض شاهرا مسدسه،وكان الرفاق الجالسين ينظرون فشاهدوا المفوض شاهرا السلاح فطلبوا من أبو عبيس مغادرة المنزل إلا أنه رفض الهزيمة وترك رفاقه عرضة للاعتقال فالقائد يجب أن يكون أسوة حسنة لرفاقه،فأشهر مسدسه الذي يحمله بشكل دائم تحسبا لمثل هذه المواقف،وفي هذه اللحظة أصبح الشرطة داخل صحن الدار،فشاهد المفوض أبو عبيس وبيده المسدس فأطلق عليه النار إلا أن الشهيد البطل عاجله بأطلاقة أردته قتيلا وأصيب الشهيد بأطلاقة غادرة في صدره،وقد تمكن أصحابه من الهروب بعد أن أمن لهم طريق الانسحاب بتصديه للمهاجمين وأشغالهم عن متابعته،ثم تحامل على نفسه رغم الألم وشدة النزف،وتسلل إلى خارج الدار زاحفا لمسافة طويلة في أحراش الحنطة ،ولكثرة ما نزف من دماء لم يتمكن من مواصلة التقدم بالسرعة العادية،وقام الشرطة بالاتصال بقيادتهم لإرسال تعزيزات لمتابعة الهاربين ،فطوقت المنطقة من جميع الجهات وكان عتاده قد نفذ عند تصديه للمهاجمين فالقي القبض عليه ونقل إلى مستشفى الحلة بصورة فورية لمعالجته بعد أن وصلتهم التعليمات الصدامية بضرورة إنقاذه مهما كان الثمن بغية الحصول على معلومات تعينهم في القبض على القيادات الحزبية وعناصر التنظيم وقد طلب من الدكتور الذي يعالجه عدم الاهتمام بإنقاذه لأن السلطة لابد لها من إعدامه(وأنه يريد أن يبقى شريفا) وقد أستشهد بين أيدي القتلة وزناة الليل والجلادين من جلاوزة السلطة يوم 28 نيسان في عيد مولد الفأر المدحور صدام حسين،وكان صدام المجرم قد دعا رئيس جمهورية بلغاريا لزيارة مدينة الحلة وألقى مع ضيفه كلمات بهذه المناسبة نكاية بالشيوعيين العراقيين الذين يقتلون من قبل النظام ألصدامي بالتزامن مع زيارة الأشقاء الشيوعيين الأمميين الأوفياء.

وحول ما ذكره في ص 179 عن أحداث خان النص وتعقيب الأخ باقر إبراهيم عن الحادث أن الاتصال لم يكن بقرار من قيادة الحزب وإنما بمبادرة مباشرة من المرحوم عامر عبد الله وزير وممثل الحزب في اللجنة العليا للجبهة،وقد انتقدت سكرتارية اللجنة المركزية هذا ألاتصال المباشر،كما أن افتتاحية طريق الشعب لم تكن بقرار من قيادة الحزب ولعبت فيها الاندفاعات العاطفية دورا هاما وخاصة حماس البعض ضد ما أعتبر (مؤامرة)! وأود أن أزيد من علامات التعجب حول السكوت عن البعض وعدم الإشارة إليهم،رغم أن مثل هذا الموقف الخطير لا يحتاج إلى لجلجة في القول وأن تبرئة الحزب من تصرف خاطئ كهذا من الضروري الكشف عنها حتى يتضح الصبح لذي عينين، وحول ملابسات الأمر الصادر إلى محلية بابل بزيارة مقر حزب البعث للتنسيق حول ما سمي بالمؤامرة أرسل الفقيد أبو هاشم سائقه إلى المحاويل لتبليغ معن جواد(أبو حاتم) ممثل الحزب بالجبهة بضرورة زيارة مقر البعث وكان اليوم هو 8/شباط فرفض معن رفضا باتا الذهاب إلى مقر البعث في مثل هذا اليوم الذي يصادف ذكرى أكبر مذبحة ارتكبت بحق الشيوعيين عام 1963،وطلب أبو هشام من الشهيد فاضل وتوت الذهاب إلا أنه رفض أيضا مما أثار حفيظة الراحل أبو هشام،وبعد مجيء أبو تانيا بوصفه المسئول الأول طرح عليه الأمر فتوجه إلى بغداد وحدث ما ذكره في مذكراته.

وهناك أمور أخرى تستدعي التصحيح سأكتبها برسالة الى الأخ أبو تانيا وهي أخطاء مطبعية وأشتباهات بسيطة ليتلافاها عند طبع الكتاب مرة ثانية،ويحاول اكمال الصورة الحقيقية لما ألت اليه الأوضاع بعيدا عن الأنتقائية في أيراد الحوادث خدمة للحركة الشيوعية وتاريخها المجيد.