الرئيسية » مقالات » وطني و تجدد الطقوس ….

وطني و تجدد الطقوس ….

لما تناقلت وسائل الإعلام خبر نكسة الثورة في كوردستان العراق ، واتفاق الجزائر المشئوم بين إيران الشاه وعراق البكر في اذار 1975 ، سيطر جو من الحزن والسواد في بيتنا ، وأحسست مقدار الغضب في نفس امي وابي .
ووقفت امي بقامتها الطويلة امام صورة الملا المعلقة على جدار الصالون في بيتنا والدمعة في عينيها سمعتها تقول متحسرة :
– حيفا تاه بافي كال
كنا في الصبا ولكن المشهد اكبر من أن ينسى ، أو أن يمر هكذا ومهما يكن في الأمر، فلقد جعل في نفسي ردة فعل قد لا استطيع وصفها واني متأكد أنني لن استطيع ابدا .
ولكن الذي اعرفه تماما انني جلست الى جانبها ، ومددت يدي اليمنى على كتفيها كانني احتضنها وقلت لها كلمات قد لا تكون منسقة ، ولكن اعرف أنني أخذت البكاء عنها ، أو قد أكون شاركتها فيه وتبادلنا الأدوار، بينما دخان سيجارة أبي كاد يملئ المكان مع صمته ، وسكون حركاته وهو جالس على كرسيه في الجهة المقابلة .
والذي اذكره يقينا أنها قالت لي وهي تمسح فيض الدموع عن خديها الورديين :
– لا يابني ان الثورة لم تمت …..ولن تموت
وأجهشت بالبكاء وأردفت قائلة :
– إن شعبنا سوف ينتفض من جديد ما دامت جبالنا راسخة ، وما دمنا نتمسك بها ، المهم أن تنتبه الى دروسك الآن .
فآتني صديقي العزيز أن أخبرك عن أمي ، وعن ضيعتي هذه التي يعرفها الكثير منكم ، والتي تتكئ على سفح جبل يطل على سهل كبير خصب ، و يحتضن عفرين الخالدة خلود نهرها .
تتسابق الينابيع بتفجرها من بين صخورها وتنساب جداول وشلالات حباتها من اللؤلؤ الصافي تروي خدي الوادي لتنبت ما تشتهي النفس ، من رمان يتدلى نواقيس ملونة على طول السهل وعرضه ، وتفاح غض اقسم بالالهة كلها يشتهيه آدم وحواء ثانية .
يسيل “سي كاني” نهرنا هذا يجر هموم وأفراح أبناء وبنات ضيعتنا عبر السهول وفي فيء أوراق الأشجار المنسدلة خمائل وهي تفتح ذراعيها لكل الزائرين ، من كل الأعمار وكل الأديان
إن أردت وقفة خشوع متاملا قرص الشمس عبر قوس زردشت ، عليك الوقوف بجانب مقام
” الببر جاف ” ، وتربط شرطا من اي لون ترغب ببابه الخشبي العتيق ، أو بأحد أغصان شجرة التوت المتدلية على قبته الخضراء إذا كنت تندر رغبة في مال حلال أو أن ترزق ولدا صالحا يخلفك على الأرض فيباركك الله ويستجيب دعاءك .
وان أردت أن تصلي كما المؤمنين بالمسيح وصليبه فقف أمام مقام مار” يوحنا المعمدان ”
وارسم صليبه على وجهك كما تشاء ، و أضئ شمعة لامه العذراء البتول .
أما إذا أردت صلاة محمدية سمحاء في باحة المسجد ، أو في ظلال الشجر الخضر أو تحت قبته على سجاد نفيس ، خلف إمام أو بدونه فكل الطقوس مجازة في قريتي .
أما أنا صديقي العزيز…….
فسوف أقف بجوار ضريح أمي ، وفي يدي وردة حمراء من بستاننا ، واضعها على صدرها الذي أرضعني يوم كنت في المهد ، وريحانة اغرزها في شعرها الكثيف البني ، وأضمها حتى اسمع دقات قلبها وسأخبرها وهذه المرة دونما بكاء وبرجولة ، بلا خوف او وجل .
سأخبرها عنك يا فرهاد ويا فرهاد …..
سأخبرها عن أزقة الأبطال العزل وعن صدورهم العارية وجباههم العالية
عن أزيز الرصاص وهي تخترق جسد شيخنا الطاهر وعلى شفتيه رشفة ماء زمزم
عن الأوردة والشرايين التي تفجرت ينابيع على طول الوطن وعرضه انبتت وردات حمراء في جبالنا وعلى الأرصفة الحزينة الخاوية وفي زوايا بيوت الفقراء
سأخبرها عن صراخ الصبية الحفاة ومن في المهد وهو يلعق أصابعه جوعا وعن دموع الأمهات
سأخبرها عن زغاريد البنات وفي أيديهن مناديل نسجتها شمس بلادي قوس قزح
وعن عيون الزوجات الحاذقة نحو غد جميل هادئ و آمن
سأنقل لها صور البطولات في الأقبية المظلمة لآلاف الرجال وصوت السياط الغادر وهي تلف أجساد الأبطال العراة وتشقق أخمص الأقدام
سأرسم لها خارطة وطن وحلم من صعقات الكهرباء في أجسادكم
سأكتب لها عناوينكم وأرقام هواتفكم وأسماءكم بين قوسين دونما فواصل
(مشعل تمو محمد موسى نظمي حنان ياشا قادر احمد خليل دلكش ممو تحسين ممو عمران السيد طلال محمد ……………………………………………………………………………………. )