الرئيسية » مقالات » رسالتي الى السيد رئيس البرلمان العراقي السيد المشهداني

رسالتي الى السيد رئيس البرلمان العراقي السيد المشهداني

في شهر ايار الماضي التقيتك تحت سقف البرلمان وكم كنت سعيدة بلقاءك واستبشرت خيرا وقلت مع نفسي وعبرت في كتاباتي عن تفائلي قائلة العراق بخير ويوم الفرج قريبا , الا ان هذا التفائل اقحمته بجلستك الاخيرة في البرلمان بهضم حقوقنا نحن الشعوب الاصيلة لوادي الرافدين الله يسامحكم يا اعضاء البرلمان المتطرفين غير المنصفين بحق هذا الشعب الذي مزقتموه انتم بتفكيركم المتعصب من امثال الطائي .

كنت اتكلم مع المؤرخ الدكتور سيار الجميل بهذا الخصوص وارسلني هذه المقالة التي عمرها 80 عاما راجية من السيد رئيس البرلمان العراقي ان يوزعها على اعضاء البرلمان وشكرا .

نظرة إلى البرلمان حول مذاكرة المادة 54 من قانون الألوية *

علي الجميل

أطلعنا على مذاكرات نواب الأمة في جلسة نهار الاثنين المصادف 7 آذار الحالي (1927م ) حيث كان المجلس الموقر يتناقش في مواد قانون الألوية ولقد انتبهنا إلى أمر لا يسعنا الحال أن نتركه يمر بدون تمحيص. والذي زاد استغرابنا هو أن جرائد العاصمة لم تجد الموضوع الذي نريد البحث عنه جديراً بالبحث فأهملته ولكنا نجد أن لهذا البحث علاقة كبيرة بحقوق عدد لا يستهان به من مجموع الأمة العراقية ولما كانت خدمة الأمة أجل مقاصد هذه الجريدة ( = صدى الجمهور ) رأينا من الواجب طرق الموضوع.
لقد جاء في الفقرة الأخيرة من المادة 54 من قانون الألوية – التي فيها يبحث عن كيفية تأليف وانتخاب أعضاء مجلس إدارة اللواء – هذه العبارة (ويؤخذ بنظر الاعتبار – نسبة المسلمين وغير المسلمين في اللواء). لقد يشق على كل من يجري في عروقه دم عراقي ويخفق بين جوانحه قلب عراقي أن يرى قوانين بلادنا تضع بعض القيود بقصد حماية بعض أبناء البلاد كأنهم غرباء عنها والظروف أجبرتهم على أن يكونوا تحت رعاية القوانين وحمايتها الخصوصية . وكان بودنا أن لايكون في القوانين مثل تلك القيود التي يشم منها روائح التفرقة والعنصريات. ولكنها وياللأسف سيئة الدور البائد المظلم والإدارة السابقة التي أوجدن كذا حوائل وسدوداً بين أفراد الأمة الواحدة، تحت ستار المقدسات ، بل ويحق لنا القول ، بأن تلك الإدارة كانت قد اتخذت المقدسات آلة تستعين بها على ترصين إدارتها المستبدة ، وتقوية شوكتها ، فولّدت بسوء تدبيرها شعوراً مضراً بين أفراد الأمة العراقية فتشكلت نعرة الأكثرية والأقلية ثم لسوء حظ البلاد كانت قد راجت ونفقت تلك السلعة الكاسدة وكأننا بحكومتنا الحاضرة قد شعرت بوجود آثار لذلك الشعور فعمدت بحكمتها لاتخاذ تدابير تصون بها حقوق الذين لا يزالوا يسمونهم – غير مسلمين – اتباعاً لمبدأ التشريع العام في البلاد – القانون الأساسي – الذي يصرح بوجوب انتخاب غير المسلمين وحدد عددهم – الذي ينبغي أن يعتبر بأقل درجة – إننا لنربو بالأمة العراقية من أنها تشعر بغير شعور القومية والوطنية ونجل امتنا من أنها لا تميز بين الشعائر الدينية وبين الإدارة الوطنية والمصلحة الوطنية ولكن مع كل أسف كما قلنا أن وجود بعض الأحوال دلتنا على إننا لم نصل بعد إلى الدرجة الراقية في أمر تدبير شؤوننا الاجتماعية، خذ مثلا قانون البلديات الذي لم يعين وجوب تشريك غير المسلمين في إدارة البلدية ثم أنظر إلى تطبيقه في سائر أنحاء المملكة العراقية – فهل يمكن ارائة غير مسلم في إدارة البلديات؟ وما كان ليس بالإمكان أن نقول نعم فهل ينبغي أن نعتقد أن ليس في طول بلاد العراق وعرضها من قد جمع الصفات اللازمة لعضوية البلدية من غير المسلمين؟ أم هل يوجد غير مسلم في المنتخبين- بكسر الخاء- أن هذه الأحوال وأمثالها – على ما نظن – هي التي حدت بالحكومة على أخذ قضية غير المسلمين بنظر الاعتبار وعمدت للإشارة إليها في قانون إدارة البلاد. كما وأن لهذه الأسباب لا تزال عصبة الأمم – التي تتشوق إلى قبول دولتنا بين صفوفها كعضو من أعضائها – توصي من وقت إلى آخر بصيانة حقوق الأقليات، ولهذا السبب الوجيه نادى سماحة الشيخ أحمد الداود نائب بغداد المحترم في قاعة مجلس الأمة بأعلى صوته قائلاً ما معناه (لعل الأمة العراقية بعد مئة سنة تستغني عن وضع كذا قيود في قوانينها) إذاً فطالما لم تزل بلادنا مقيدة بقيود الماضي لا يحق لكل أحد أن لا يصوب تدبير الحكومة أو لا يقدر غايتها ، فهذه الأسباب وهذه التصريحات تدفعنا لأجل أن ندقق ونحلل العبارة القانونية المذكورة في آخر المادة القانونية ونرى ما إذا كانت كافية لتأمين الغاية الحكومية أم إنها دونت لأجل أن تكون قيداً ولا يكون لها مفعول عملي محسوس. أن تشكيل المجالس الإدارية من الآهلين أما لأجل أن يكون كمجلس استشاري للمتصرفين وأما أن يكون كمثل للأهالي الذين هم لهم حق المشارفة على إدارة أمور بلادهم . وإنا نظن أن هذه النظرية الأخيرة هي الموافقة لقواعد الديمقراطية ولكن على كلا الحالتين يتضح وجوب تأليف المجالس الإدارية من أهالي اللواء بنفسه لا من الغرباء عنه لذلك يجب اشتراك جميع أصناف الأمة الواحدة في ذلك التمثيل أو تلك الاستشارة وذلك باعتبار أن الأمور التي سينظر فيها هذا المجلس لها علاقة بمصالح كل من يسكن في اللواء فليس من المعيب إذا اتخاذ قاعدة التمثيل النسبي أو الاستشارة بنسبة عدد نفوس السكان بل ينبغي أن تكون القاعدة هناك الجدارة والأهلية مع وجوب فسح المجال لتتجلى إرادة جميع العناصر مهما كان عددها ليس بالكبير. فيحق القول بعد هذه الإيضاحات بوجوب تصريح حقوق غير المسلمين في جميع القوانين التي لها علاقة ومساس لحقوق وصوالح السكان.
إلا أننا لدى أمعان النظر في الفقرة القانونية التي اتخذتها الحكومة لصيانة تلك الحقوق نحكم بكل صواب بأنها تفيد معنى لا يوافق الغاية الموضوعة من أجلها، أي أن معنى قول الحكومة (يؤخذ بنظر الاعتبار لنسبة المسلمين وغير المسلمين في اللواء) هو أن يكون عدد أعضاء مجلس إدارة اللواء من غير المسلمين بنسبة عددهم لعدد مجموع سكان اللواء. فإذا كان نصف سكان اللواء الواحد من غير المسلمين فيجب انتخاب نصف الأعضاء من غير المسلمين. وإذا كان الربع فالربع. أما إذا كان غير المسلمين الخمس أو السدس فكيف تكون المعاملة إذ ذاك وواضع القانون قد حدد عدد الأعضاء تحديداً صريحاً لا يتجاوز الأربعة أعضاء، لا نشك بأن الحكومة تعلم علم اليقين بان غير المسلمين لم يبلغوا ربع مجموع السكان في أي وحدة من وحدات إدارية العراق فهل تكون الحكومة قد أمنت حقوق غير المسلمين بهذه العبارة وإذا كان ما بسطناه آنفاً صحيحاً فهل نكون معذورين فيما إذا قلنا أن الحكومة بهذه المادة القانونية قد قصدت حرمان غير المسلمين من الحقوق الوطنية أفلم يكن الأجدر بالحكومة على هذه المادة من تدوينها بتلك الصورة؟
أنه لمن المستغرب أن تقدم هذه المادة إلى مجلس الأمة، مجلس تجلى إرادة الأمة المجلس المتشكل بالقانون الأساسي العراقي الذي قد نص بصراحة وعين عدد النواب الغير مسلمين وتمر هذه المادة من أمام المجلس وتقبل على علاتها من دون تصحيح أو تعديل رغم الالحاحات والاعتراضات الجارية ممن حضر الجلسة من النواب غير المسلمين . ولقد يؤلمنا جداً أن نرى حضرات النواب لا يوافقون على تعديلها المقترح من قبل نواب غير المسلمين وذلك باستثناء سماحة الشيخ احمد الداود وحكمت بك سليمان ومجيد بك الشاوي وإسماعيل بك نائب أربيل.
أن هذه الهفوة بلا شك لم تأب قصداً وبالرغم عن كون وقوعها بصورة الصدف فإنها تجرح عواطف قسم كبير من الأمة العراقية، إننا نود أن نتلاقى هذه المسألة عند قراءة القانون للمرة الثالثة إذ إننا وجدنا نواب الغير المسلمين مازالوا يسعون لدى السلطة التشريعية للتوصل إلى قاعدة حل مرضية توفي بالمراد من وضع تلك المادة القانونية وإذا بقيت – لا سمح الله – على صورتها الحالية أفلا يجب حينئذ على غير المسلمين أن ينظروا مرور المائة عام التي نوّه عنها الشيخ أحمد الداود عسى إذ ذاك أن تتم المساواة!

* نشرت في جريدة صدى الجمهور ، العدد 8 ، الاثنين 17 آذار 1927 م الموافق 13 رمضان 1345 هـ .