الرئيسية » مقالات » الشيخ القرضاوي وسن الثمانين

الشيخ القرضاوي وسن الثمانين

هكذا حينما يبلغ الإنسان هذا العمر (ثمانين سنة) ينبغي أن ينقطع كاملا إلى الله عز وجل باعتبار أنه أصبح للآخرة اقرب منه إلى الدنيا وللذاتها وزهرتها وشهواتها وتقلباتها وفتنها .
وأنا يشهد الله عليّ أني لا أريد أن اجَرّح بأحد من علماء الأمة أو أُسيء إليهم أبدا وإطلاقا ولكن حينما يُجرّح شعبنا ووطننا وتهُان شريحة كبيرة منهم وتخرج الكلمات من فم الشيخ!! لتُثير غبار الفتنة من جديد!! هنا لابد أن نتصدى لهذه الكلمات التي تسيء إلى الإنسان المسلم مهما كان مذهبه وتوجهه بشرط أن لا يستخدم الإنسان العنف ضد مخالفيه.
فهذه الكلمة التي سمعنها من الإعلام عن الشيخ القرضاوي والتي يتهم بها الشيعة ويتحدث عن مشروع توسعي لهم، ثم اتهام للسنة أنهم غير قادرين على مقابلة الثقافة القادمة لأنهم لا يمتلكون ثقافة كاملة!!
وهنا أرى انه لم يستثنِ أحدا من المسلمين إلا ووجه له اتهاما وشبهة ونحن نتسائل هل مذهب الشيعة إلا واحدا من مذاهب المسلمين التي يتعبدون بها ربهم، وإذا كان أهل السنة لا يمتلكون الثقافة فإنها بسببكم يا سماحة الشيخ!! وبسبب خنوع العلماء للحكام واسترطابهم للمال والشهرة ولولا هذه المواقف الرديئة لما ضاعت الشعوب وتمزقت الأمة وتلاشت، وضعفت المفاهيم الإسلامية الصحيحة.
فهذه الصهيونية والماسونية وأعداء الإسلام يكيدون للمسلمين ليل نهار فماذا فعلتم لهم؟ وكيف حصّنتم شعوبكم من هذه الأخطار؟ وما هي الآلية التي استخدمتموها لأجل مواجهة الموج الكاسح الذي يحيط بالمسلمين؟
وكأني وأنا اسمع لهذه الكلمات والاتهامات تُوجه للشعب العراقي الجريح باعتبار أن الشعب قد امُتحن بمصيبة الطائفية البغيظة التي استوردت من خارج البلاد ومن أفكار تكفيرية وإرهابية وقفوا كلهم مجتمعين لكي يشعلوا فتنة الطائفية بين العراقيين ولولا وقفة العراقيين بحزم وصمود أمام هذه العاتيات لأحترق العراق ومن به! واليوم وبعد أن تشافى العراقيون من مرض الطائفية وخرجوا للناس بيد واحدة يلتقون ويبنون ويتصافحون خرج لنا الشيخ القرضاوي بهذه العبارات التي تألب المواجع وتثير الفتن وتكثر القيل والقال وتشغل المسلمين ببعضهم وتسيء لشعبنا ووطننا والمسلمين في كل أنحاء العالم.
نعم لاشك فأن الأمة تمر بأصعب مراحلها والفتن تحيط بها من كل حدب وصوب وأعداء الأمة يضربون على وتر الفرقة بين المسلمين وخاصة ما يتعلق بالطائفية وتضخيم شانها نعم نحن نُقر أن هناك اختلافا في وجهات النظر بين العلماء وذلك بسبب فهم النص العربي الفصيح لأنه يحتمل أكثر من وجه فنجد أن علماء الأمة يختلفون في دلالة الحرف الواحد في القران مثلا إلى أكثر من رأي ولكن هذا لا يؤدي إلى التنازع والاختلاف والكراهية وتكفير الآخر وتهميشه.
فهذان الإمامان أبو يوسف ومحمد ( رضي الله عنهما) خالفا إمامهم أبا حنيفة النعمان ( رضي الله عنه ) والإمام أبو حنيفة هو تلميذ للإمام جعفر الصادق ( رضي الله عنه ) وهو إمام مدرسة أهل البيت ومؤسسها والإمام ابوحنيفة من رواد مدرسته فهل يعني هذا أنهم كفّروا بعضهم بعضا ولهذا لا ينبغي أن تصدر مثل هذه المقولات لأنها تعطي الجهلة والمتطرفين والارهابين مجالا لكي ينالوا من الطرف الآخر.
فالوحدة الإسلامية باعتقادنا هي الأمل التي يتطلع إليه المؤمنون المخلصون في كل مكان من أصقاع المعمورة وتحت منظور إسلامي عظيم حفظه الخيرون في قوله تعالى ( إن هذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) وقد يتصور البعض أن الوحدة تعني الاندماج أو الانصهار أو التداخل بين المذاهب وخصوصياته وهذا خطأ كبير وإنما نعني بالوحدة أو التقارب أن يفهم بعضنا بعضا تحت قانون الحب والتعايش ولقد شهدت القرون الأولى وحتى القرن السادس الهجري تلاقحا فكريا واسعا بين العلماء من مختلف المذاهب الإسلامية وفي أوائل القرن الميلادي الأخير ظهر مصلحون من دعاة الوحدة أمثال السيد جمال الدين الآبادي المعروف بالأفغاني والشيخ محمد عبده والإمام كاشف الغطاء والشيخ سليم شيخ الأزهر والشيخ شلتوت والشيخ القمي .
نعم نحن اليوم بحاجة إلى أمثال هؤلاء المصلحين الذين يثقفون الناس على منهج الوحدة فيما بينهم ونحن بالعراق عملنا الكثير الكثير لأجل الوحدة بعد أن حاول التكفيريون أن يمزقوا وحدة العراق بأفكار متطرفة لا تنسجم مع روح الإسلام ولهذا تحزم العراقيون ووقفوا ضد الطائفية البغيظة وقفة رجل واحد وقد آتت الوقفة ثمارها وعادت الوحدة للعراقيين ترفرف على نهري دجلة والفرات ولكي نكون واقعيين فان ثمة عقبات تقف بطريق الوحدة وروادها ينبغي أن نتدارسها وان نعمل لإستأصالها من مجتمعات المسلمين
أولا: العدو المشترك للإسلام والذي يتصيد في الماء العكر بل يحاول عبر تخطيط وتدبير وتدمير بإشعال جذوة الخلاف بين المسلمين بين الحين والأخر.
ثانيا: أبناء الإسلام المتشددين والذين يلتزمون المواقف المتشددة بل ينتهجون منهج التكفير والتقتيل سبيلا لدعوتهم.
ثالثا: التغيرات السياسية في الدول العربية والإسلامية.
رابعا: استخراج المسائل الخلافية من بطون الكتب إلى ارض الواقع وعلى شاشات القنوات الفضائية باعتبار أن هناك فرقا كبيرا بين سماع العالم وطالب العلم للمسائل الشرعية والخلافات الفقهية!! وبين سماع المقلد أو التابع والذي لا يُحسن فهم النص! وفي الختام فنحن نستنكر جميع هذه التصريحات من الشيخ القرضاوي وندعوا أبناء الإسلام عامة وأبناء شعبنا العراقي خاصة إلى التلاحم والوحدة والتعايش وان لايلتفتوا لمثل هذه الكلمات فبالكلمة ينال الإنسان رضا الله وبها ينال سخط الله ولكل مقام مقال .
الشيخ الدكتور خالد عبد الوهاب الملا
كتبت بتاريخ ‏‏‏الجمعة‏، 26‏ أيلول‏، 2008،‏26‏ رمضان‏، 1429