الرئيسية » مقالات » رسالة جوابية :الظالمي لم يمت

رسالة جوابية :الظالمي لم يمت

تنتهي حياة الشهيد الجسدية ، لكن ذكراه باقية الى الأبد .

ترك ابو ظفر الحياة المرفهة التي يعيشها الأطباء في زمانه وراح يشدو ترنيمة الحب للوطن والشعب وظلّ يحمل العراق وشعبه في قلبه المفعم بالعطاء والإنسانية .

بعد ربع قرن وطأت أرض الوطن ، الأرض التي نذر أبو ظفر حياته من أجل خضرتها وبهائها ، وهناك قرأت مقالأ نُشر في صحيفة الصباح ( الصباح الجديد حاليا ) بتاريخ 27 ـ 8 ـ 2003 بقلم الأخ ناجي متعب ( ابو أنجيلا ) ردأ على رسالة كنت فد بعثت بها اليه عام 1995 جاء فيها :

رسالة جوابية : الظالمي لم يمت

قبل عام حطت في غريان بليبيا رسالة ليست ككل الرسائل نثرت الكلمات روحها في أجواء الغرفة الرابضة على مرتفع من الجبل الغربي في حي المغاربة.
حدقت في الكلمات المسافرة من البقاع الاسكندنافية الى الشمال الافريقي .وضعتني الرسالة في الدوامة, الشاردة الحاضرة.

ـ ما هي اخبار الغالي ؟
أعرف عم تسأل. ليس لك يا من حطت عليك رسالتها إلا أن تهرب، وتلوذ انت الاخر بالسوأل :
ـ أين الطبيب الذي عرفته عدن ولحج وشبوة وحضرموت؟
طيب مثل تأملاتنا هذا الحزن,نسكن اليه. يصفعنا نعطيه ألف خد وخد
أيها الغوالي بقينا للدمع والآهات.
أيها السابحون في دفق الضياء,يا نسيج راياتنا : مات الظلام وديست الى الحضيض حفر السموم . ورأينا أسمائكم تتلألأ.
ستطبع أحبتي كتب اطفالنا الجديدة بعض حقكم : إنكم قصيدة الحياة.
ما قبل الآن , كان يعد سنينه بمثابرة ليس لها نظير ,لأن تصبح لافتة الطبيب حاذقة ,نكاسة مثل مثابرته وهو العارف بالأزقة وجنائز الاطفال وسعال شيوخ حارة ـ عجد الدبعن ـ والبحث عند العجائز عن حبوب الدوفر تسكن الصدر ولو الى حين.
كان بلا ملل يغترف خطوط اللوحة الصعبة الآتية إليه. وفي كلية الطب ـ جامعة بغداد ـ لقي الحلم والصراع.
حلم هذا الشاب السماوي المنحدر من بساتين الخوخ والدهلة ودوالي العنب التي تمرغ فيها العديد من جنود الأحتلال البريطاني بين الرميثة والسماوة عام 1920.
حلمه …أن يظل يحمل مصباحه. يملك ادواته إجتهادا وشخصية.وكان فصيحا مؤهلأ في في ندائه :تعال أيها المبضع. أفقه أين أضعك . وتعالي أيتها الكتب والمراجع , أمتحنك ,فقد حصلت على تفوقي بامتياز.
والصراع . أن يصبح طبيبا من دون سبر غور النفوس.
أيرضى أن تظلله أشجار الفيلا وسط عنت حياة المظلومين وعشرات القوافل التي تناجي الجوع بتوسل :’ ارحمنا
هي الجراثيم يا ابا ظفر تطاردك،تعدو لتنال منك بلسان سليط تعاقد وجه الحقيقة في خطاك :
سأظل الاحقك لأغرز في بقعة ، اية بقعة، لايهم ، من جسدك سمي الزعاف.
اختار الظالمي جهة القلب لتضخ عليه شلالات العزم وليصيب بها الجراثيم بالحمى .
إستضاف الحلم للاختيار والصراع معا
بعد أن نقلته اليمدا آنذا الى دمشق من دون عائلته التي أودعها في رطوبة خورمكسر. لم يشأ أن تغازله خضرة الغوطة أو صبا بردى.
ماذا يقول لبلقيس التي غسلت شعرها بحناء الصبر، والحب بينهما قصة ابن سنوات شاعت اخباره على ضفاف فرات السماوة وصبايا ثانويتها .
يا بلقيس أيتها المذيعة الحسناء في تلفزيون المثنى ، صبي في فم يسار حنين الوطن الذي وزع فيه المارقون الولادات والاسماء والالحان في ارجاء الدنيا.
كأنه يناجيها ، وهو يطل على مشارف القامشلي الى الماء الذي غطى الخصر وإقترب للصدر فخاف وارتجف .
ممن ترتجف ابا ظفر ، أبا يسار ؟
إحتقن الوجه المدور العريض بايماءة الى اعلى .ردت عليه من فوق فوهة السام قلبي معك ، لا تخف علي.
وخاض الماء بتدافع مع تياره الجارف.
كن حذرا يا ماء , فسباحتي ماهرة.
دقائق والرصاص تيار ماء من كل الجهات ومن سماء الله.
لقد ركنت الجراثيم ,والصاعد لكردستان يعرفها وقد خبرها في طريق الذهاب والعودة مرتين.
إطلاقة الخبث أصابته ، وعاد رفاقه ادراجهم يحملون نبأ إستشهاده. لكن الألم والماء والسام ظلت جميعها تحاوره وهو بين اليقظة والاحتضار.
وطوق زارعوا الرعب الجسد الممدد بالماء,
ما زال على قيد الحياة.
وجر بتؤدة وهدوء فهو قد صار ضالتهم ، ونقل بعد علاج لرسم القتل كما يشاءون الى دهوك أسيرا ورهينة.
واصيبت حروف وهمهمات وجوده بالخرس فإنقطعت أخباره
كانت هذه الواقعة عام 1984.
لا أدري هل هي أيام ام أشهر أم سنين طال بقاؤك عند الانذال ليمزقوا وقت تسنح لهم الفرصة أو يقتلهم اليأس جسدك الممشوق ؟
رأيتك خالدا , حيا تعطي سعفات النخيل خضرة الصباح المجلل بالامل.
وناديت …ناديت أبا ظفر ,قتلت الجراثيم في بلادك. وهبت من لحود الراحلين ومن الذين لا لحود لهم اغنية تقول :
صافحوا النخل ؟ والمرافئ وإنشدوا للسهل خرير الماء
والجبل للسلام ..ينبت الحب
بمناقير الحمام.
انت هنا .وهو هناك مع موت من نوع وصفه المتنبي ببراعة :
ما يأخذ الموت نفسا من نفوسهم
إلا وفي يده من نتنها عود
أوصلك رد رسالتي يا ام ظفر.
رأيته هنا البدر للسائرين وهم زائلون

ناجي متعب محمد
صحيفة الصباح بغداد 23 ـ 8 ـ 2003