الرئيسية » مقالات » معوقات النظام البرلماني في العراق /القسم الثاني

معوقات النظام البرلماني في العراق /القسم الثاني

لعل ابرز المعوقات التي تقف حجر عثرة امام النظام البرلماني الديمقراطي في العراق تتمثل اجمالا بالنقاط التالية :-
1-لا زال ضعف مستوى ودرجة نمو الرأسمالية وضعف الطبقة البرجوازية العراقية والطبقة العمالية وشيوع الانتاج الصغير بشكل ملفت للنظر خصوصا في المجال الفلاحي والزراعي وفي مجال الحرف والمهن في المدن . وضعف الرأسمالية الصناعية يجعل الارضية غير صلبة وتحتاج الى وقت طال ام قصر للنمو والاكتمال . لكي تكون تلك الارضية صالحة بشكل يمكن بظلها ديمومة وبقاء النظام البرلماني . ولا يفوتنا ان نذكر ان الدولة الفدرالية لازالت متعثرة وغير كاملة لاحتواء النظام البرلماني احتواءً حقيقياً.
2-بحكم دوام النظام الشمولي وقبله النظام العسكري فترة ليس بالقصيرة , حتم خنق الشعب العراقي بغالبيته . وفرض عليه ستارا حديديا وحرمه من كل وسيلة يمكن التعبير من خلالها على ارائه وافكاره وقضى نهائيا على اي تنظيم سياسي وطارد كافة الاحزاب والتنظيمات السياسية وحتى غير السياسية وحوُل افراد المجتمع الى رعاع لا حول لهم ولا طول ولا قوة . الامر الذي هيأ الساحة السياسية والاجتماعية وجعلها مفتوحة الى التيارات الدينية والطائفية ذوات الفكر المتطرف والارهابي . وهذه التيارات لا زالت مقيدة لفكر الجماهير العراقية وهذا ما ظهر واضح من الانتخابات التي جرت في العراق عام 2005 وشيوع هذه التيارات الدينية ليس في صالح الديمقراطية في العراق . فهي اما ان تفرغ المؤسسات والتشريعات الديمقراطية من مضمونها في حالة ابقائها او ربما تلغيها وتقيم بدلها نظاما غير ديمقراطي ان لم يكن دكتاتورياً بشعارات دينية .
3-والى جانب ما تقدم هناك خطورة لا يستهان بها تتمثل بغموض مواقف مراكز القوى الرئيسية المؤثرة في الولايات المتحدة والغرب عموما تجاه مستقبل العراق وطبيعة نظام حكمه , فالصحف الغربية وخصوصا الامريكية تضخ اخباراً متناقضة حول مستقبل الحكم في العراق وطبيعته .
ومن بين تلك الاخبار ما وصل ببعضها الامر الى اقتراح او التنبؤ بنظام دكتاتوري او تقسيم العراق الى دويلات . فاذا صحت هذه التوقعات فان مصير العراق ومستقبله يصبح على كف عفريت .
والى ان يحين الوقت الذي يتوضح فيه ما هو مخبأ للعراق , وما يراد له و للشرق الاوسط من مصير مظلم . خصوصا في ظل النزاع والاختلافات الحادة بين المكونات العراقية الرئيسية . المبحث الثالث / مقارنة النظام البرلماني في العراق مع النظم البرلمانية في العالم :- من المعلوم ان العالم الغربي وبعد سقوط النظام الاشتراكي في وسط وشرق اوربا وانهيار الاتحاد السوفياتي قد تنفس بملأ رئتيه واعتبر نظمه الديمقراطية القائمة على المشاركة الفعالة من قيل شعوبه , هي الاحسن والافضل . وبعد ان اصبح العالم الآن يعيش في عصر الديمقراطية الذي لا زال ثابتا مكين البنيان ليس هذا فحسب . وانما يتجاوب مع التطور الى الافضل . بخلاف اشتراكية الدولة . او رأسمالية الدولة على حد تعبير بعض المفكرين . والتي بدت شديدة الرسوخ في موطنها الاصلي ودولتها – الاتحاد السوفياتي السابق – . والديمقراطية لا تبدو راسخة في الغرب – كما قلنا – فحسب (( بل وتحظى من حيث المبدأ بالتبني على نطاق واسع فيما وراء الغرب بوصفها نموذجا مناسبا للحكم وعلى امتداد اقاليم العالم الرئيسية )) ففي منتصف السبعينيات من القرن العشرين كان ما يزيد على ثلثى مجموع الدول يعتبر ما بين شمولية بوليسية او دكتاتوريات عسكرية . غير ان هذه النسبة المئوية العالية ما لبثت ان شهدت هبوطا دراماتيكيا . فاصبح اقل من ثلث مجموع الدول الآن غير ديمقراطية ليس هذا فحسب وانما ان عدد الانظمة الديمقراطية يتنامى بسرعة , وباتت الديمقراطية المعيار الاساسي للمشروعية السياسية في تلك الحقبة الراهنة من عصرنا .
لذا فأن قصة الديمقراطية ابتداءاً من العصور القديمة الى الزمن الحاضر تبدو ذات نهاية افضل بكثير من النظم القديمة والحديثة في عدد متزايد من البلدان وبات المواطنون الناخبون قادرين في ظل الديمقراطية . ولو من حيث المبدأ على محاسبة ومراقبة صانعي القرارات العامة والهامة ومع اهمية الديمقراطية من حيث الفكر والممارسة .
الا انها – اي الديمقراطية لا زالت وبوصفها فكرة من ناحية وواقعا سياسيا من ناحية ثانية موضوع جدل عميق وخلاف شديد وآراء متضاربة بسبب تاريخها وبسبب غموض وعدم اتساق الكثير من المفاهيم الاساسية ومنها مفهوم المشاركة السياسية ومغزى التمثيل ومدى قدرة المواطنين على الاختيار الحر بين البدائل السياسية المطروحة , الى جانب طبيعة التمتع بعضوية اي جماعة ديمقراطية . ولعل ابرز سمات السياسة الراهنة عند منعطف الالفية الثانية وفي بدايتها والتي تواجه الديمقراطية بقوة تتمثل ببروز قضايا تتجاوز الحدود الديمقراطية القومية مثل تدويل الاقتصاد ومشكلة البيئة وحماية حقوق الاقليات والنساء ومؤثرات العولمة الاخرى . الى جانب انتشار مرض الايدز وعبأ الديون على العالم النامي وتدفق الموارد المالية بعيدا عن الاطر الشرعية القومية والاتجار بالمخدرات والجريمة الدولية- المافيا – والاهم من كل ذلك على الاطلاق هو فقدان المساواة الحقيقية بين الطبقات في كافة انحاء العالم .
هذه كلها وغيرها لا زالت الديمقراطية واقفة بجانبها عاجزة . وانها لم تبادر بشكل جدي في طرح حلول لهذه المشكلات ولازال الفكر الديمقراطي عاجزا عن اعطاء جواب بخصوص فيما اذا كانت الدولة القومية نفسها قادرة على البقاء في مركز اهتمام الفكر الديمقراطي .
اما الاسئلة التي يطرحها النمو السريع لسلسلة معقدة من الروابط والتداخل بين المجتمعات وظاهرة التقاطع الواضح بين سائر القوى والعمليات القومية والدولية تبقى في معظمها خارج نطاق اكتشاف النظرية والفكر الديمقراطي ازاء هذا التطور الهائل في العالم الذي استقرت فيه الديمقراطية .
وهي الآن مالكة زمام المبادرة بحكم التطور الكبير في العلم والتكنلوجيا وبخصوص وسائل الاتصالات والمواصلات , نجد العراق لا زال في بداية الطريق من حيث نظام الدولة فيه وجانبها الديمقراطي البرلماني ومختلف جوانب الحياة فيه متخلف حتى عن الدول الشرقية بحكم وبفعل عوامل تم تناولها في هذا البحث ولا داعي لتكرارها مرة اخرى . ولابد من التذكير بخلفية العراق وتاريخه بخصوص النظام البرلماني فقد حاول – كما اسلفنا سابقا – الغربيون بعد سيطرتهم على العراق وباقي بلدان العالم المتخلف عموما – بلدان اسيا وافريقيا وبعض دول امريكا اللاتينية – ان يقيموا نظم حكم برلمانية من منطلق مصالحهم اذ كانوا انذاك مقتنعين بان النظام البرلماني في تلك البلدان يساعدهم ويوفر لهم ارضية صالحة لضمان تلك المصالح في تلك البلدان .
الا ان محاولتهم هذه اصيبت بالفشل الذريع . وكانوا مثاليين ولم يدركوا الواقع الذي كانت تعيشه تلك البلدان . فتخلف تلك البلدان انذاك في كافة النواحي اذ كانت تعيش انماط ما قبل الرأسمالية وكانت تلك البلدان تفتقر الى التمايز الطبقى في المجتمع وبخاصة بين البرجوازية والعمال اللتان كانتا انذاك لا وجود لهما وفي احسن الاحوال كانتا في بداياتهما . الامر الذي جعل الارضية غير صالحة للنظام البرلماني انذاك . لذلك ذهب هذا النظام في تلك البلدان مع ريح مشاكلها ومشاكل هذا النظام وبرزت فيها بدله وبالضد منه اما نظم دكتاتورية عسكرية او نظم شمولية بوليسية باستثناء الهند
ولبنان وماليزيا . واخيرا ظهرت بعض النظم البرلمانية في بعض دول العالم الثالث ومنها جنوب افريقيا بعد ذهاب النظام العنصري والعراق بعد ذهاب النظام الشمولي البوليسي السابق .
وهنا يحلو لبعض مفكري السياسة والحكم من العراقيين وغير العراقيين ان يقيموا مقارنة بين النظام البرلماني في العراق وبين النظام البرلماني في جنوب افريقيا . فالاول كما هو معلوم اقيم في العراق في عام 2005 بعد ان تم التمهيد له قبل ذلك وبعد الحرب على العراق في عام 2003 .
اما الثاني فقد اقيم في عام 1996 بعد الاتفاق بين حزب المؤتمر الافريقي والحكومة البيضاء العنصرية في عام 1994 . وهؤلاء المفكرون منهم من يؤكد على اوجه الخلاف بين النظامين ومنهم من يؤكد على اوجه التشابه . وكلا الفريقين له مبرراته , فهناك اوجه اختلاف بين النظامين والى جانبها اوجه تشابه لا تنكر , فاوجه التشابه تتمثل ابتداءا في الخلفية . فكلا النظامين الجنوب افريقي والعراقي من حيث الجوهر يفتقدان الديمقراطية قبل قيامها وكان كلاهما قائما على حكم الاقلية ففي جنوب افريقيا كان النظام العنصري قائما على حكم الاقلية البيضاء ومبعدا كليا الاكثرية السوداء وقد تآكل هذا النظام في ايامه الاخيرة بحكم اشتداد النضال والنقمة عليه من الداخل والاستنكار الواسع في الخارج . اما في العراق فالنظام السابق كان قائما ايضا على حكم اقلية لحزب البعث .
وقد تآكل هذا النظام في ايامه الاخيرة حتى تحول الى نظام حكم لعائلة صدام واخوانه والمقربين منه اما غالبية السكان من الشيعة والاكراد فكانت مبعدة تماما عن الشؤون العامة والحكم . الا ما ندر . ووجه الشبه الآخر بين النظامين هو انهما كلاهما قاما بعد انهيار النظامين السابقين . اما اوجه الخلاف بين النظامين فهي كثيرة لعل ابرزها واولها ان النظام العراقي قام بدعم مباشر من الاحتلال وبخاصة من قبل الولايات المتحدة الامريكية بعد احتلالها للعراق وبواسطة جماعات المعارضة في الخارج عدا الاحزاب الكوردية التي كانت متواجدة قبل الاحتلال بفترة تمتد الى عام 1991 وبفعل الحماية الغربية لها ونتيجة الافلاس التام للنظام السابق هناك .
في حين نجد ان النظام البرلماني الديمقراطي في جنوب افريقيا جاء بعد الانتصار الذي احرزته الاكثرية السوداء بقيادة حزب المؤتمر الافريقي بزعامة (نلسن مانديلا) . واضطرار النظام العنصري بالاقرار بهذه الحقيقة – اي الانتصار – وليس بواسطة الحرب الخارجية كما حدث في العراق وانما بواسطة الاتفاق بين النظام العنصري السابق وقادة الاكثرية السوداء هناك اما وجه الاختلاف الآخر فيتمثل بقلة الاختلافات الحادة بين الاكثرية السوداء او ضعفها تقريبا او حتى بين الاكثرية السوداء من جهة والاقلية البيضاء من الجهة الثانية بعد ان خضعت الاخيرة للامر الواقع . وبحكمة وبصيرة وواقعية قادة المؤتمر الافريقي وعلى رأسهم مانديلا .
فالخلافات الداخلية في العراق وعلى الاخص بين الكيانات الرئيسية الثلاث – الشيعة والسنة والكورد- كانت في بداية الاحتلال مستفحلة وذات طابع عنفي ونزاعي , ولو انها خفت حدتها في الوقت الحاضر الا انها لا زالت قوية . وهذه الخلافات بين الاطراف العراقية الرئيسية حولت القضية العراقية الى قضية دولية . اذ اصبح مصير العراق بيد القوى الخارجية نتيجة استفحال تلك الخلافات ومن الجدير بالاشارة ان النظام البرلماني في جنوب افريقيا له مستقبل واضح وافضل بكثير من النظام البرلماني العراقي الذي تحيط بمستقبله الشكوك الكثيرة وفي امكانيات نجاحه.
Taakhi