الرئيسية » التاريخ » (المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) الحلقة السادسة و الستون

(المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) الحلقة السادسة و الستون

يسر صفحة دراسات كوردية ان تقوم بنشر كتاب الدكتور بدرخان السندي
( المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) وذلك عبر حلقات متسلسلة. 

ان السياسة هي فن الممكنات، واذا حاول الكرد من خلال احزابهم ان يناوروا ويحاولوا مع هذه الجهة او تلك من اجل تحقيق اهدافهم السياسة فهذا امر طبيعي. ان مس بيل تمتعض جداً من الغزل الذي دار بين النادي الكردي والحكومة التركية والذي اسفر عن اطلاق سراح الشيخ محمود الملي وتمتعض جداً من ظهور بارقة امل او انفراج في تبدل سياسة الترك ازاء الكرد.
هؤلاء الترك الاعداء للانكليز ولكنها لا تتحرج قطعاً مما ذكرته وعرضناه انفاً عن رغبة بريطانيا في التعاون مع الترك في ضرب الكرد!! ان اكراد تركيا بدورهم يئسوا من موقف الانكليز في ان يفكروا بمنحهم حقوقهم في الوقت الذي كان الشيخ عبد القادر الشمزيني راغباً في حكم ذاتي يتعهده الغرب برعايته ويفضل بريطانيا العظمى على الاخص، على حد قول مس بيل نفسها (185) علماً ان هذه المنظمات واحداها كان الشيخ عبد القادر يرأسها (النادي الكردي) تتمتع بشكل واضح بالنزعة القومية الموحدة التي طعنت بها المس بيل وغيرها من الانكليز وتتجلى هذه النزعة بالتشكيلات القيادية والجماهيرية لهذه المنظمات فعلى سبيل المثال من الاسماء الكردية البارزة وردت اسماؤهم في جمعية هيفي (الامل) كما يذكرها عبد الستار طاهر شريف والتي تأسست عام 1910، الشهيد كمال فوزي واخوه ضياء ونجم كركوكلي وعزيز بابان وشفيق ارواسي وحمزة المكسي وطيب علي الخربوطي وعبد الكريم من السليمانية وصالح ديار بكري وعبد القادر ديار بكري واصف بدرخان ومصطفى رشاد ديار بكري ودكتور مصطفى شوقي المها بادي ومحمد مهري السنوي والدكتور فؤاد الحكاري والشاعر عبد الرحيم الحكاري (39) ولو نظرنا الى هذه الاسماء لوجدناها تجمع بين أرجاء كردستان فهاهي السليمانية وكركوك وديار بكر وخربوط ومكس ومهاباد وسنه وحكاري، ولا ندري ماذا تعني الوحدة القومية عند مس بيل؟ اما في السنوات التي تحدثت عنها المس بيل تحديداً فنجد على سبيل المثال ان القياديين في هذه المنظمات كانوا من ارجاء مختلفة من كردستان ولكن مقرهم كان في كردستان تركيا ومن هؤلاء القياديين العاملين معاً جلادت بيك بدرخان واكرم جميل بيك وامين عالي بيك هؤلاء من ديار بكر يعمل معهم نجم الدين حسين بك من كركوك وكذلك شكري بيك بابان من السليمانية وممدوح سليم من وان. وحسين حامي بيك من اورفه وممدوح سليم من وان فما الذي جمع السليمانية بـ ديار بكر بـ كركوك بـ اورفه بـ وان؟
ولا نود ان نسترسل اكثر في الامثلة المتصدية لرغبة مس بيل في تشظية او تفتيت الشعب الكردي وغمط حقوقه وقد اثرنا ان لا نذكر انطباعاتها عن الشيخ محمود الحفيد حيث سنذكر ذلك ضمن انطباعات ويلسن عنه.
ويـلسـن
عمل ويلسن في العراق وكيلاً للحاكم الملكي بعد ان وضعت الحرب العالمية الاولى اوزارها وكان له دوره الواضح على القضية الكردية ومستقبلها ومع ان السياسة البريطانية لا يمكن تجزئتها بيد ان المطلع على مذكرات ومدونات وتقارير المسؤولين البريطانيين يستطيع ان يستشف الفروق الفردية في النزاعات والمواقف الشخصية لهؤلاء. فلو قارنا بين ويلسن ومس بيل لوجدنا ويلسن أهدأ واقل تحاملاً على الكرد ورؤساء الكرد من مس بيل واقل تحيزاً من الوجهة الدينية، وهذا لا يعني ان ويلسن ومس بيل يختلفان في الخط العام للقضية الكردية وفي تمثيلهما للسياسة البريطانية سواء في الانفتاحات التي بدت احياناً أم في التصدي لها ومحاولة تمييعها احياناً اخرى.
يذكر لنا ويلسن انطباعه عن الكرد وموقف الترك منهم ثم موقفهم اي البريطانيين الذي ادى الى زعزعة ثقة الكرد بالبريطانيين.
اذ يذكر ان الكرد كانوا يقدمون عدداً غير يسير من الخيالة غير النظامية في اوائل الحرب العامة لكنهم لم يقدموا إلا عدداً قليلاً من المجندين الى صفوف الجيش النظامي التركي. على انهم كابدوا مشقات كثيرة على ايدي حلفائنا الروس ومخدوعيهم الأرمن والأثوريين. وانتقموا انتقاماً فظيعاً من الأثوريين حين سنحت لهم الفرصة في صيف 1918 من دون ان يجازفوا مجازفة خطيرة في سبيل ذلك وقد كانوا كلهم دون استثناء تقريباً تواقين الى خلع ولائهم التركي لكن تقهقرنا المفاجئ من كركوك – أي تقهقر الأنكليز – في ايار 1918 قد اثار كثيراً من الخشية والاستياء في نفوسهم فقد كان السكان قد رحبوا بنا ترحيباً حاراً ولم يلبثوا طويلاً حتى وجدوا انفسهم وجهاً لوجه مع الأتراك العائدين. ومع اننا قد قدمنا في الحقيقة ملجأ للذين ساعدونا اكثر من غيرهم فقد عمد الأتراك الى تدمير ممتلكاتهم وقراهم وبساتينهم وبيوتهم على سبيل الأنتقام منهم وقد تبدد الأستياء من نفوسهم في النهاية لكن جو الشك والريبة بالنسبة لمنوياتنا تجاههم بقي مخيماً عليهم ولم يكن من الممكن لنا ان نفعل شيئاً لتنقية ذلك الجو لأن منوياتنا في الحقيقة كانت شيئاً مشكوكاً فيه الى ان تسنى لعصبة الأمم ان ترسم الحدود الشمالية لولاية الموصل بعد ست سنوات (174 – 5). ان ما تقدم يعد من وجهة نظرنا تقريراً منصفاً يقدمه ويلسن ولو حاولنا ان نحلل هذا التقرير لتراءت لنا فيه الأبعاد المهمة الآتية :
-1ان الكرد لم يكونوا متلهفين الى الدخول في الحرب مقاتلين الى جانب الترك وفي هذا تأييد ضمني وتقوية عسكرية للحلفاء كان على بريطانيا تفهّم هذا المردود عسكرياً وسياسياً.
2-ان الكرد (انتقموا) من الأرمن والأثوريين كما جاء في عبارة ويلسن ونعتقد ان المرء لا ينتقم الا عندما يكون قد أوذي. وهذا يعني ان مواقف الكرد وما حدث كانت استجابات لمثيرات مسبقة وكما يقول المثل (البادئ اظلم) ونحن نعتقد ان الأرمن بدورهم دفعوا الى ذلك من خارج الحدود وشجعوا.
3-على الرغم من المؤثرات الدينية وصعوبة التحيز الى حكومة مسيحية بديلة عن حكومة مسلمة فأن ويلسن قد اعترف ان الكرد كانوا تواقين الى خلع ولائهم التركي. هذا ما يعترف به ويلسن,ويترتب على هذا ان ولاء الكرد كان بالأمكان ان يصبح لصالح الأنكليز لأن ما من قطب ثالث في المنطقة انذاك سوى تركياً و الحلفاء، معني بمستقبل القضية الكردية.
4-يعترف ويلسن بموقفهم غير الملتزم مع الكرد وتقهقرهم بعد توريطهم ووضعهم امام الترك بعد ان انكشف تحيز الكرد الى بريطانيا ضد الترك مما جعل الترك يقلبون سافلها على عاليها في كردستان ويضطهدون الكرد ولا نود الاسترسال هنا بما حدث ولكنهم كانوا مثل سواهم ممن يحيط بكردستان (اسطوات) في تدمير وتخريب كردستان، والسيوف التي كانت تحمل هويات عدة طالما التقت على رقاب الكرد.
-5 انهم. أي الانكليز زرعوا مشاعر الريبة والشك في الذات الكردية من سلامة نية الانكليز ازاء الكرد. والحقيقة هي ليست مسألة شك او ريبة قدرما هي مسألة قناعة باتت راسخة في الذات الكردية فقد بدأ الانكليز (يلعبون) ولا (يتعاملون) مع الكرد من خلال قضيتهم القومية وهذا موقف غير شريف وقد نوهنا عنه في الحديث عن انطباعات مس بيل.
وقد تعلم هذه اللعبة مَن خلف الانكليز في المنطقة من ابناء واحفاد ونقصد (مداعبة) المشاعر القومية والحس الكردي المشروع للكرد من اجل القضاء عليهم وقد شهد القرن العشرون امثلة صارخة على هذه السياسة التي تعلمها الخلف عن السلف! ان ما تقدم ولا سيما في النقطة الخامسة ونقصد مداعبة المشاعر القومية للكرد، نجدها واضحة عند ويلسن اذ يذكر في رسالته الى نوئيل بانه مخول في تعيين الشيخ محمود ممثلاً عنهم أي عن الانكليز وضرورة ان يشرح نوئيل للقبائل الكردية بان ليس هناك أي نية في ان تفرض عليهم ادارة غريبة على عاداتهم ورغباتهم (176). هذه العبارة التي تبدو ايجابية ولكن عند التمعن فيها عميقاً نجدها (اميبية) غير جازمة تقبل الاجتهاد (عند الحاجة).
ثم ينتقل ويلسن ليقول، ما ان وصل الشيخ محمود حتى بادر في الحال الى وضع هذه التعليمات في موضع التنفيذ وادخال جهاز حكومي مؤقت الى المنطقة كان من المؤمل ان يكون مقبولاً لدى السكان ومطمئناً لأمانيهم في تشكيل ادارة كردية. ثم يضيف، انه قد عين الشيخ محمود حاكماً للمنطقة وعُين بكل منطقة ثانوية موظفون اكراد يعملون بارشاد الحكام السياسيين البريطانيين وهذا الاجراء الذي يذكره ويلسن قامت به بريطانيا لدى تشكيل حكومة عراقية لاول مرة حيث عينت مع كل وزير عراقي مستشاراً بريطانياً – ونحي في الوقت نفسه الموظفون الاتراك والعرب في الحال على قدر الامكان واستبدلوا باناس من سكان كردستان، بينما سفر الضباط والجنود الاتراك الموجودون في البلدة مخفورين الى بغداد وجعل كل رئيس من الرؤساء مسؤولاً تجاهنا عن طريق الشيخ محمود بوجه عام (177).
اليس فيما تقدم (مداعبة) قومية صارخة. اليس فيما تقدم نواة واضحة لتشكيل كيان سياسي مستقل؟ اذ ماذا يعني كل هذا؟ واذا كان الشيخ محمود لم يثبت جدارة من وجهة نظر بريطانيا في هذه (التجربة) هل يجب ان تنهار التجربة برمتها؟ الا يمكن اعادة التجربة مع شخصية اخرى او حتى في موقع اخر اذا كانت القضية (مبدئية جادة) تقوم على اساس حق تقرير المصير واحترام حقوق الانسان؟ الم يعد الحلفاء التجربة حين وجدوا ان فيصلا لم يصلح لسوريا فخلع وجئ به الى العراق… لِمَ لَمْ يذهبوا بالشيخ محمود الى كردستان تركيا ليكون ملكاً ويأتوا بالشيخ محمود الملي من كردستان تركيا او بأحد القوميين من الاسرة البدرخانية الى السليمانية ليكون ملكاً على السليمانية؟ نعتقد ان الكرد لا مانع لديهم قومياً وحتى اذا كان هناك مانع فلن يكون اكبر من موانع الجنوب العراقي وبغداد في تقبل فيصل ملكاً على العراق.

التآخي