الرئيسية » الآداب » حكاية الرجل والشيطان

حكاية الرجل والشيطان

يحكى ان رجلا زاهدا من عباد الله كان في خلوته, لاينفك عن الاستعاذة بالله من الشيطان, بمناسبة او بدون مناسبة. الامر الذي ازعج ذلك الشيطان اللعين ايما ازعاج وقرر ان ينتقم من ذلك الرجل اللجوج, فصار يظهر له في خلوته على شكل بغل يطل برأسه من فوهة ابريقه. فكان الرجل حين يرى ذلك المنظر يصرخ ويستنجد واستمر على هذا الحال عدة ايام, يصرخ ويستنجد ليل نهار, ويؤكد لاهله ولذويه واصدقائه ولمن يأتيه انه يرى بغلا يطل برأسه عليه من الابريق وعبثا حاولوا اقناعه استحالة ذلك وحين استعصى عليهم اقناعه عرضوه على جملة اطباء اجمع كلهم على ان الرجل مخبول واشاروا على ذويه ان يودعوه مستشفى الامراض العقلية, لانه اصبح مصدر ازعاج لاهل بيئته.

وهكذا كان فقد سيق ذلك الرجل قسرا الى مستشفى الامراض العقلية, وترك هناك مع المجانين فكان كلما يسأله الاطباء عن حكايته مع البغل الذي يطل برأسه عليه من الابريق قص عليهم نفس الرواية. فلا يداخل سامعيه اي شك في ان الرجل مجنون.

وهكذا بقي ذلك الرجل المسكين في دار المجانين, يدعو الله قياما وقعودا ان ينجيه من محنته التي وقع فيها. فكان ان جاءه الشيطان على عادته .. ذات ليلة على شكل بغل .. يفاوضه وصار يتكلم معه كأي انسان. فكان الرجل حين سمعه يتكلم .. ان يجن فعلا.

البغل :- هل ادلك يارجل على سبيل ينجيك من هذا المأزق الذي اوقعت نفسك فيه ؟
الرجل :- ياليت .. ولكن كيف كيف تسنى لك ايها البغل ان تتكلم ؟
البغل :- دعك من هذا … هل توافق على شرط اعرضه عليك مقابل نجاتك ؟
الرجل :- وما شرط البغال يا ترى؟
البغل :- هو ان تكف عن لجاجتك بشتم الشيطان ومِن من يسانده بدون داع ؟
الرجل :- اعاهدك .. اي والله اعاهدك.
البغل :- حسنا .. اذن عليك ان تنفي للاطباء .. غدا .. ولكل سائل يسألك عن ظاهرة رؤيتك إياي اخرج لك من الابريق.
الرجل :- ولكن كيف انفي ذلك وانت ما زلت تظهر لي خارجا من الابريق؟
البغل :- لا عليك فسوف انقطع عن الظهور امامك ما دمت ملتزما بتعهدك بالكف عن صب لعناتك على الشيطان الاصغر والشيطان الاكبر .. اعلمكم بالحقيقة انا اعمل ضمن توجهات الشيطان الاكبر اما اذا عدت لسيرتك الاولى, فذنبك على جنبك, دعك وشأننا نحن لانؤمن بالعدالة والمساواة ولا نؤمن بالدفاع عن حق المظلومين ونعمل على زرع البلبلة بين الناس كي تسود الفوضى والانتقام بينهم .. وشعارنا كسب المال بطريقة غير شريفة .. فالوطنية والتحزب شعار المغفلين في عالمنا اليوم, ايها الرجل.
الرجل :- اعاهدك على ذلك, والله شاهد على ما اقول.
البغل :- اذن استودعك الله ايها الرجل.

واصبح الصباح وجاء الاطباء, يفحصون حالات المرضى, وجاء دور فحص صاحبنا ووجهوا اليه سؤالهم التقليدي الخاص به.
الاطباء :- كيف حالك مع بغلك؟ .. هل مازال يخرج عليك من الابريق؟
الرجل :- لا ايها السادة.. انما كنتم تسمعونه مني كل يوم كان وهما وتخيلا, وان الآن وبفضل الله وحسن رعايتكم في اتم الصحة واتم رشاد.. وكل ما ارجوه منكم هو ان تخرجوني من هذا المصح بأقرب وقت.

وهكذا كان, فقد قرر الاطباء بعد المداولة واجراء الفحوصات والاختبارات ان الرجل قد شفي من مرضه العقلي تماما وتم اخراجه من المستشفى وعاد الى اهله واولاده معززا مكرما ولم يعد.. منذ ذلك الحين يذكر لاحد قصة البغل في الابريق خشية ان يقال عنه انه مجنون, ولكن ضل يردد في نفسه:

اسكت لا تحجي تبتلي خل يلعبون الشوملي
ان شرجـت ان غربـت خوجة علي ملا علي

كما كف عن لعن الشيطان بدون مناسبة.