الرئيسية » مقالات » جريمة اٌستثنائية – علماء مجرمون

جريمة اٌستثنائية – علماء مجرمون

بدأت قصة إختراع السلاح الرهيب الذي إستعمل ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية , قبل ذلك بسنوات طويلة . ففي العام 1896 إكتشف العالم الفرنسي هنري بيكريل الذرات , وهي أصغر الأجسام المكونة للمادة , حيث كل مادة مكونة من عدد من الذرات , وكل ذرة لها بروتون واحد وعدد من النيترونات تدورحوله , ويختلف عدد هذه النيترونات من مادة الى أخرى .
أُعجب علماء العالم بهذا الإِكتشاف , وحينها لاحظوا أن النيترونات وهي تتحرر من البناء الذري للمادة فإِنها تطلق كمية هائلة من الطاقة .

في العام 1940 أبدى العالم البريطاني ( فريدريك سودي ) تساؤله عما إذا كان بالإمكان إستعمال هذه الطاقة الذرية لصناعة الأسلحة , ولهذا فإن علماء أوربا والدول الإسكندنافية بدأوا أبحاثهم للتعرف على وسيلة لتحطيم البناء الذري لكي تتحرر هذه الطاقة , وإذا ما أفلحوا في مسعاهم فإنهم سيملكون سرالقنبلة الذرية .

في عام 1939 قام ألبرت إنشتاين بكتابة رسالة الى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت قال فيها : (( سيدي .. إن عنصر اليورانيوم ربما يكون مصدرا جديدا ومهما للطاقة في وقتنا الحالي , وهذا العنصرالمميز ربما يقودنا الى بناء قنبلة ستكون صدقا , شديدة القوة ومن نوع جديد لم يعرف من قبل )) .
بعد شهرين من كتابة هذه الرسالة , إندلعت الحرب العالمية الثانية .. وإنتهت بعد 6 سنوات في آب 1945 , حين دمرت قنبلتان ذريتان المدينتين اليابانيتين : هيروشيما , وناغازاكي .

سنوات الثلاثينات كانت فترة مميزة في حياة ألمانيا , لأن الحزب النازي الذي يقوده هتلر كان قد وصل الى مركز السلطة . كان الحزب النازي يعتقد بسمو الجنس الآري على بقية البشر الذين يصفهم في ترتيب يقع في أسفله : العرب ودونهم اليهود , وبسبب وجود أعداد من اليهود في ألمانيا فقد تمت ملاحقتهم وإيذائهم مما دفع الكثيرين منهم الى الهجرة الى الولايات المتحدة الأمريكية , وكان بضمن هؤلاء النازحين عدد من العلماء .
كان الأمريكان يعلمون أن العلماء الألمان يعملون على عنصر اليورانيوم ويخشون أن ألمانيا ربما صارت قريبة من بناء سلاح نووي , فقد كان علماء ألمان قد نجحواعام 1938 في تحرير الطاقة النووية من اليورانيوم , وهو عنصر فضي البياض لمّاع , وإكتشفوا أن تسريع تحرير هذه الطاقة من عدد محدود من ذرات اليورانيوم سيؤدي الى تحرير طاقة هائلة تؤدي الى تخريب البناء الذري للذرات الباقية في نفس كمية اليورانيوم المستعملة في نفس التفجير مما يسبب إطلاق طاقة جبارة , لم يحلم أحد بتفجير مثلها في العالم حتى اليوم .
في 1 أيلول 1939 إجتاح الجيش الألماني بولونيا , وبعد يومين أي في 3 أيلول , أعلنت كل من بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا فإندلعت الحرب العالمية الثانية .
قبل شهر من إندلاعها , قام ثلاثة من علماء الذرة بالهرب الى الولايات المتحدة الأمريكية وهم :
ليو سزيلارد , إيوجين فاغنر , وإدوارد تيللر , وهم الثلاثة .. من طلبوا من إنشتاين الذي كان هاربا مثلهم من ألمانيا النازية , أن يكتب الى الرئيس الأمريكي , لأن إينشتاين كان أشهر منهم جميعا , فمن يدري , لعل الرئيس له رغبة بالموضوع … وقد كانت له رغبة فعلا .
عند بداية الحرب العالمية الثانية , كانت حربا بين الدول الأوربية ولم تجد الولايات المتحدة سببا للإنضمام إليها , لكن البريطانيين نجحوا بوسائل شتى في إدخال الولايات المتحدة الأمريكية فيها الى جانب الحلفاء , كان هناك رعب بريطاني حقيقي من أن تتحالف الولايات المتحدة مع اليابان او الروس فيكون ذلك نهاية دول الحلفاء تماما بخسرانها مستعمراتها في آسيا والمحيط الهادي .. لذلك نجح البريطانيون في كسرالعلاقة بين الولايات المتحدة واليابان أثناء الحرب , مثلما نجحوا في كسر العلاقة بين الأمريكان والروس في المفاوضات التي أعقبت الحرب .
يوم 19 أكتوبر 1939 , رد الرئيس الأمريكي روزفلت على رسالة إينشتاين , كان الرئيس راغبا أن تمتلك دولته السلاح النووي قبل أية دولة غيرها في العالم , فقال : (( عزيزي البروفسير .. أود أن أشكرك على رسالتك هذه , فقد وجدت هذا الموضوع مهما للغاية , الى درجة أني خصصت مجموعة للتحقق بعناية من إمكانيات إقتراحك بخصوص اليورانيوم )) .
السعي الأمريكي لبناء القنبلة النووية لم يكن حثيثا في البداية , بسبب عدم رغبة الولايات المتحدة في دخول الحرب العالمية الثانية كما قلنا , لذلك لم يكن هناك إستعجال لتطوير القنبلة . لكن هذا الحال تغير في 7 ديسمبر 1941 عندما هاجم اليابانيون سفن البحرية الأمريكية الراسية في قاعدة بيرل هاربورالبحرية في جزيرة هاواي , وقتلوا 2400 شخص ما بين جنود بحرية الى عمال خدمة مدنية في الميناء .
كانت اليابان تحارب في الصين , ولكي تؤمن تجهيز جيشها فقد كانت تشتري ماتحتاج إليه من الولايات المتحدة الأمريكية , في العام 1940 أعلنت اليابان تحالفها مع ألمانيا ولهذا ففي تموز 1941 توقفت الولايات المتحدة عن تزويد اليابان بإحتياجاتها , وهذا ماأزعج الحكومة اليابانية التي بدأت تخطط للإنتقام بضرب قاعدة بيرل هاربور البحرية الأمريكية , وحين تم الهجوم فإنه ادخل الولايات المتحدة الى الحرب مباشرة .
لكن كل هذه الحكاية .. هي مجرد قصة التبرير الأمريكي لسبب دخولهم الحرب . ومن حقنا ان نتساءل : في زمن الحرب كان الأمريكان يبيعون السلاح الى الحلفاء والى هتلر في نفس الوقت , فلماذا قاطعوا اليابان حين تحالفت مع هتلر ؟ .. وألم تكن بريطانيا شريكة لليابانيين عند غزوهم لمنشوريا الصينية وتأسيسهم فيها إمبراطورية منشيكو التي إختاروا لحكمها إمبراطور الصين المخلوع ( بو يي ) ؟ فلماذا مقاطعة اليابان والإستمرار مع بريطانيا ؟ الحجة الأمريكية في دخول الحرب , معقولة الى حد ما لكنها ليست محبوكة بإحكام , ومن يتأملها جيدا .. يجد أن وراء الحكاية ماوراءها وأنها تعوزها الكثيرمن المصداقية .
في نفس الوقت الذي تعرض فيه ميناء بيرل هاربور الى الهجوم الياباني , كان هناك مشروع أمريكي في غاية السرية يدعى ( مشروع مانهاتن ) قد بدأ في الولايات المتحدة / مدينة نيويورك , لبناء القنبلة النووية الأمريكية قبل أن يتمكن العدو من تصنيعها .
كان العمل في المشروع يتم بالتعاون بين بريطانيا والولايات المتحدة , وكان هناك إستعجال كبير لتنفيذ الإنجاز من قبل الطرفين لعلمهما أن ألمانيا كانت قد أصبحت قريبة جدا من بناء قنبلتها . لكن الأمريكان والبريطانيون لم يكونوا يعلمون أن ألمانيا كانت قد قررت عدم التسرع في إنتاج هذه القنبلة , فالرأي الألماني الرسمي كان يعد إنتاج هذه القنبلة أمرا مكلفا , كما أن ألمانيا _ حسب تصور قيادتها _ ستربح الحرب لا محالة .. بالقنبلة أو دونها .
في نوفمبر 1942 إختار مدير مشروع مانهاتن ( الجنرال ليسلى كروفس ) وكبير علماء المشروع ( الدكتور روبرت أوبنهايمر ) موقعا للمختبر الرئيسي في منطقة ( لوس ألاموس ) وهي مدينة صغيرة في جبال نيو مكسيكو في الولايات المتحدة , بعيدة عن المدن الكبيرة وبها منطقة صحراوية من الممكن أن تجرى فيها تجارب نووية سرية .
صناعة القنبلة النووية تتطلب مالا … في ذلك الزمان كلف مشروع مانهاتن 2 مليار دولار , كما إحتاج الى البشر … في العام 1944 إشتغل في مشروع مانهاتن 129 ألف شخص أغلبهم لا يعلمون ما هو الغرض الذي يعمل مشروعهم من أجله .
مختبر ( لوس ألاموس ) أنتج سلاحين نوويين , كل واحد بطراز مختلف . الطراز الأول إستعمل اليورانيوم في صنعه لتوليد الإنفجار , أما الطراز الثاني فقد إستعمل في صنعه البلوتونيوم , وهو عنصر أبيض فضي مشع أيضا . وقد قام العلماء بتسمية هذين الطرازين كالتالي : فالمصنوع من اليورانيوم سمي ب ( الولد الصغير ) لأن قنابله طويلة ورفيعة , أما المصنوع من البلوتونيوم فتمت تسميته ب ( الرجل البدين ) .

حين إنتهت صناعة النموذجين عند نهاية العام 1944 , كان يجب تجربتهما , وقد تم ذلك في جنوب ولاية نيو مكسيكو وبما يبعد 370 كيلو متر عن لوس ألاموس .
أعدت وسيلة التفجير في منطقة منحت إسما مشفرا هو ( ترينتي ) ووقع الإختبار يوم 16 تموز 1945 . ثم فجرت قنبلة بلوتونيوم إسمها ( جمبو ) بعد أن نصبت على برج إرتفاعه 30 مترا , فإنفجرت بقوة 19 ألف طن من المتفجرات العادية .
إلتمع منها ضوء خاطف , أكثر إلتماعا من أي ضوء شوهد على الأرض من قبل , ليراقب 425 عالم وتكنولوجي كرة من نار ترتفع لتصبح غيمة على شكل حبة مشروم , أما الأرض تحت البرج مباشرة فقد كانت حرارتها 4 أضعاف حرارة الشمس , وحفرة الإنفجار كان قطرها 730 مترا .
نجح الإختبار , والقنبلة الهائلة أصبحت جاهزة للإستعمال . بعد نهاية الحرب فقط , أصبح الدكتور
روبرت أوبنهايمر كبير علماء مشروع مانهاتن معروفا للناس , قال عن تلك اللحظات في لقاء صحفي : (( إنتظرنا الى أن إنتهى الإنفجار ثم خرجنا من ملاجئنا , كان الوضع جليلا تماما , فقد كنا نعرف أن العالم بعد هذه اللحظة لن يبقى مثلما كان , بعضهم كان يبكي , والبعض يضحك , لكن معظمنا كنا ساكتين , عندها تذكرت فقرة من الكتاب المقدس الهندوسي تقول [[ الآن أصبحت أنا الموت , أصبحت أنا المدمر للعوالم ]] أحسب أننا ساعتها .. جميع الموجودين , كنا نحس أننا قتلة بطريقة أو أخرى )) .

عند بداية مشروع مانهاتن عام 1942 كانت ألمانيا أكثر من يهدف الى الإستحواذ على السلاح النووي , ولكن مع تطور الحرب , شعر الأمريكان والبريطانيون أن عزيمة ألمانيا في هذا الإتجاه كانت قد خفّت .
بداية عام 1945 وصلت ألمانيا الى الهزيمة في الحرب وإنتحر هتلر في نيسان , وفي يوم 8 مايس 1945 إستسلمت ألمانيا , فإنتهت الحرب في أوربا , لكن الحرب في المحيط الهادي بين الأمريكان واليابانيين كانت لم تزل مشتعلة .
في اليوم التالي بعد تفجير تجربة ترينتي أي في 17 تموز 1945 , عقد مؤتمر في مدينة بوتسدام , وهي مدينة قريبة من برلين عاصمة ألمانيا , إجتمع فيه قادة الدول التي هزمت ألمانيا : الرئيس الأمريكي الجديد هاري ترومان , رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرتشل , وجوزيف ستالين زعيم الإتحاد السوفيتي .
تباحث القادة في إعادة بناء أوربا بعد الحرب , وكانوا مهتمين أيضا بما يمكن أن يفعلوه بألمانيا التي خسرت الحرب , وكيف يخططون حدود بولونيا التي تناهشتها الحرب من كل جانب , لكن نقطة النقاش الرئيسية كانت : كيفية إنهاء الحرب في المحيط الهادي .

تم إعلام الرئيس ترومان بنتائج التجربة النووية الناجحة أثناء وجوده في مؤتمر بوتسدام , وكان سعيدا أن التجربة قد وصلت الى هذه النتيجة , فسيقوم بإستخدام القنبلة لإنهاء الحرب في المحيط الهادي , وإرهاب العالم للمحافظة على مصالح الولايات المتحدة في كل مكان .
لكن … كانت هناك مشكلة واحدة هي أن : الإتحاد السوفيتي لم يكن في حالة حرب مع اليابان , فكيف يقاسمهم غنيمة حرب هو ليس طرفا فيها ؟؟ لذلك وأثناء هذا المؤتمر تمت مناقشة ستالين , أما بأن يتنازل عما قد يترتب على الحرب من مكاسب , أو يعلن موافقته على إعلان الحرب على اليابان , ودون إعلامه أن هناك سلاح جديد أو قنبلة نووية .
ولكن يا لخيبة الأمل .. فقد وافق ستالين على إعلان الحرب على اليابان يوم 15 آب 1945 أي بعد حوالي شهر من تاريخ الإجتماع , ولهذا فقد صار واجبا التصرف دون علمه … وكانت هذه واحدة من المشاكل الكبرى التي ستفضي بالنهاية الى الحرب الباردة التي أعلنت بعد مؤتمر يالطا بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي , فبعدها إنعدمت الثقة نهائيا بين البلدين .
الرئيس ترومان كان مشغول البال بأن لايقاسمه أحد نتيجة الحرب وغنيمتها .. فبعد كل شيء هو غير محتاج الى الإتحاد السوفيتي ,, الأمريكان وحدهم يملكون السلاح النووي الذي لايملكه السوفييت , فلماذا يصطحبونهم معهم لتقاسم غنيمة ؟؟
يوم 21 تموز 1945 , أي قبل 26 يوما من الموعد الذي حدده ستالين لشن هجومه على اليابان .. أعطى الرئيس ترومان أوامره بالمضي قدما في موضوع القنابل الذرية .. شريطة أن يتم إستخدامها قبل دخول الإتحاد السوفيتي الحرب مع اليابان .
قبل نهاية مؤتمر بوتسدام أٌعطيت مهلة لليابان للإستسلام .. لكن اليابان لم ترضخ .
إنتهى مؤتمر بوتسدام يوم 2 آب , وكانت هناك تحضيرات أمريكية سرية لإستعمال القنابل النووية .
قادة الجيش الأمريكان قرروا أن القنابل ينبغي إلقاؤها في وضح النهار ليرى الناس فعلها , وفي حالة إذا كان الجو صحوا فقط .
كما أن القنابل يجب أن تستخدم ضد مدن لم تتعرض الى أي قصف في السابق , وهكذا ستظهر القدرة التدميرية للقنابل حين تدك مدنا عامرة الى الأرض , مما يرعب اليابانيين وكل العالم معهم من قوة أمريكا .

تم إختيار 4 مدن يابانية كأهداف للقصف : كيوتو , هيروشيما , كوكورا , نايجاتا .
إرتفعت أصوات إعتراض بين القيادة الأمريكية على قصف مدينة كيوتو , فهي مدينة تاريخية ودينية مقدسة عند اليابانيين , ولهذا فإن قصفها بدل أن يركع اليابانيين فإنه قد يجعلهم أكثر ضراوة ومستبسلين الى حد الموت , لهذا تم تخطي مدينة كيوتو , فصارت هيروشيما هي التي تتصدر قائمة المدن المستهدفة . كما أضيفت مدينة ناغازاكي الى آخر القائمة عوضا عن كيوتو .
صدرت تعليمات الى الطيارين بعدم رمي القنابل فوق منطقة بها أبنية , الأبنية يجب أن تترك دون أن تمس ليمحوها العصف النووي وحده .
مساء 5 آب 1945 أعطى الرئيس ترومان الأوامر بإلقاء قنبلة على هيروشيما . بعد عدة ساعات قامت قاصفة أمريكية من طراز ( بي _ 29 ) طارت من قاعدة أمريكية في المحيط الهادي مقرها في ( جزيرة تانيان ) وتبعد 2740 كيلومتر عن هيروشيما , يقودها طيار يدعى ( الكولونيل بول تابيت ) يحمل معه قنبلة يورانيوم ( ولد صغير ) , وتطير خلفه طائرات تحمل كاميرات تصوير وأجهزة قياسات علمية .

لعدة أسابيع قبل هذا اليوم , كان الطيارون الأمريكان يحلقون فوق المدينة يوميا بإرتفاعات عالية ولا يقصفونها , ولهذا تعود سكان هيروشيما على سماع صفارات الإنذار في نفس الوقت يوميا : الساعة السابعة صباحا دون أن تسقط عليهم ولا قنبلة واحدة , لكنهم يشاهدون طائرة وحيدة تحلق لدقائق فوق المدينة وتغادر . وقد كانت تلك خطة أمريكية بمنتهى النذالة لدفع سكان هيروشيما الى عدم الإحتماء بالملاجيء ساعة قصفهم بالقنبلة النووية .
وفي صباح يوم 6 آب شاهد الناس الطائرة .. لكنهم ظنوا ان ليس هناك أي داعي لصفارة الإنذار . حين وصلت القاصفة عند السابعة والنصف صباحا , وكان الجو جيدا , والسماء خالية من الغيوم , ظلت تحلق فوق المدينة حتى الثامنة والربع على إرتفاع 9500 قدم , ثم ألقت ( الولد الصغير ) فوق نقطة تعلو ( جسر أيوي ) في مركز المدينة , دون ان يتخذ 350000 شخص من سكان هذه المدينة اي إحتياطات وقاية , فقد كان ذلك اليوم صباح يوم إثنين عادي , وبداية أسبوع , ولم يتصور أحد ما يمكن أن تغير فيه قنبلة طولها 3 أمتار .
حالما ألقت الطائرة القنبلة توارت هاربة عن سماء المدينة , وخلال دقائق وصل الباراشوت الذي يحمل القنبلة الى إرتفاع 580 متر فوق سطح الأرض …. فتفجرت القنبلة بقوة 21 ألف و 500 طن , من المتفجرات العادية .
لمع ضوء حاد داخل الطائرة القاصفة .. فنظر من فيها خلفهم الى هيروشيما بواسطة عدسات بولورايد لحماية أعينهم من العمى بسبب سطوع الضوء .
قال الطيار بعد ذلك : (( كانت هيروشيما مغطاة بسحابة رهيبة , إرتفعت , وإنفتحت على شكل حبة مشروم )) .
أما مساعد الطيار فقال (( يا إلهي .. مالذي فعلناه ؟؟ )) .
لا أحد يعلم بالضبط عدد الذين ماتوا خلال اللحظات الأولى من هذا التفجير , يقال إنهم كانوا 70 ألف شخص ماتوا خلال ثواني بسبب العصف والحرارة , فالإنفجار ولد عصفا سرعته 440 متر في الثانية بينما إرتفعت درجة الحرارة الى 5 آلاف درجة مئوية .
أما الإشعاعات النووية فقد قتلت 200 ألف إنسان خلال الأيام والأسابيع التالية , فيما دمرت الحرارة والعصف 90% من أبنية المدينة وغيبتها عن الوجود .
على وقع هول صدمة هيروشيما أعلن جوزيف ستالين الحرب على اليابان يوم 8 آب 1945 أي قبل أسبوع كاما من الموعد الذي حدده في مؤتمر بوتسدام لإعلان الحرب عليها .
بعد 3 أيام من قصف هيروشيما , قاست ناغازاكي من نفس المصير .
قاصفة ( بي _ 29 ) يقودها ( الميجر تشارلس سويني ) ويحمل فيها قنبلة بلوتونيوم ( رجل بدين ) , ويطير بإتجاه مدينة ( كوكورا ) لقصفها . سماء كوكورا كانت غائمة , ولهذا فقد تحولت الخطة الى مدينة ناغازاكي .
حمل الباراشوت ( الرجل البدين ) فوق المدينة الآمنة عند الساعة 11 وخمس دقائق صباح يوم 9 آب 1945 , فإنفجرت على إرتفاع 500 متر بقوة 22 ألف طن من المتفجرات العادية .
من مجموع 270 ألف مواطن , مات على الفور 75 ألف منهم , ثم وصل عدد القتلى الى 150 ألف في الأيام التالية , بينما محي ثلث المدينة عن الوجود تماما .
بمصيبتي هيروشيما وناغازاكي , مضاف إليهما تهديد ستالين بدخول الحرب , إستسلمت الحكومة اليابانية يوم 14 آب 1945 , وإنتهت الحرب العالمية الثانية .

هذا السؤال , وجهته في حرب العراق الى الأمريكان .. واليوم أعيد توجيهه في محضر الكلام عن الحرب مع اليابان : هل إستعمال القوة الغاشمة ضد الإنسان الفرد الأعزل ( ضروري ) و ( يشرفكم ) حين تستعملونه في حروبكم ضد العالم أيها الأمريكان ؟
الرئيس الأمريكي ترومان قال وبكل راحة ضمير : (( هذا أعظم شيء في التاريخ )) .
ليو سزيلارد , واحد من العلماء الذين عملوا على إنتاج القنابل قال : (( إستعمال القنابل الذرية ضد اليابان , واحد من أكبر الحماقات في التاريخ )) .
أما أعظم حمقى التاريخ , والذي حصل على جائزة نوبل ( ألبرت إنشتاين ) الذي كتب رسالة الى الرئيس الأمريكي , يشجعه فيها على صناعة القنبلة الذرية فقال : (( كان علي أن أحرق أصابعي التي كتبت تلك الرسالة الى روزفلت )) .

الشاعر الياباني الشهير ( سانكيجي توجي ) الذي مات عام 1953 بسبب سرطان الدم الذي سببته الأشعة النووية , لأنه واحد من ضحايا قنبلة هيروشيما كتب يقول :
أعيدوا الإنسان الى الحياة
أعيدوا أبي , وأعيدوا أمي
أعيدوا أحبتي
أعيدوا أولادي وبناتي الى الحياة
أعيدوني الى حياتي ونفسي
أعيدوا الإنسانية الى حياتها
فطالما الإنسانية حية ولا يعتريها الموت
فهي التي ستعيد السلام
ولن نفقد الأمل بإنسانية حية .