الرئيسية » مقالات » صراع الشباب عبر زمن النظام السابق

صراع الشباب عبر زمن النظام السابق

دفعت الحرب على العراق، وفيه جيل من الشباب، البلاد إلى أتون صراع قيمي متعدد المستويات والتحديات التي فرضت نظاماً قيمياً قسرياً بديلاً يجعل من هذا الجيل موضوعاً يستحق البحث كون متغير الحرب وما خلفته من مآس جعل هذا المجتمع الشبابي في مفترق طرق بين حياة مرتبطةً كلياً بالدولة السابقة وأخرى مرتبطة بواقع جديد تفرض فيه الميليشيات منطقها المتقاطع مع منطق الدولة.

إن جوهر الصراع الذي يحتدم في عقول ونفوس الشباب العراقي متأتٍ من سقوط الأهداف الكبرى التي وضعها النظام السابق في إطار نظرية البعث كمنهج لعقيدة الدولة ومجتمع ما قبل التاسع من نيسان 2003 التي استمرت ما يقرب من خمسة عقود والتي كانت تنظر إلى الشباب على أساس أنه المعين الذي تسعى إليه الدولة وغالباً ما كان يطلق عليها آنذاك بـ (الثورة) لتحقيق الأهداف الكبرى في ظل أكبر عملية حشد جماهيري يومي وبرامج تعبوية بدأت منذ اليوم الأول لحكم نظام البعث منتصف عام 1968، إذ كانت التعبئة المتواصلة تستهدف إعداد أجيال من الشباب العراقي لامتلاك قدرات علمية في مختلف المجالات تساعد أو تحاكي متطلبات مهمة الدفاع الوطني وإعداد قوة عسكرية تخوض غمار حروب متلاحقة، بل تعدى ذلك إلى عسكرة المجتمع كله إبان فترة الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات ومن ثم إعداد ما يسمى جيش القدس بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 حتى انهيار النظام وسقوطه في التاسع من إبريل 2003.

وكانت الدولة وقيادتها آنذاك تصنع قنوات وأوعية لاستيعاب أجيال من الكادحين الذين لم يلقوا وظائف مناسبة ليمنحوا امتيازات المؤسسة العسكرية التي تفوق تلك التي يمكن أن يحصلوا عليها في الحياة العامة المتدرجة عبر التخرج في الكليات والمعاهد العلمية والإنسانية مما هيأ ولادات قيصرية لجيل تمكّن النظام من استيعابه وتوظيفه لحماية حدود طولها 1300 كم مع إيران التي كان ينظر إليها على أنها العدو المرتقب في وقتٍ كانت أقنية النظام تزج وتشكل معيناً مستمراً عبر تشكيلات الطلائع والفتوة ومنظمات الطلبة والشباب والأندية الرياضية والحزب والجامعات والمعاهد والمدارس لمهمة مقننة وهي ارتباط كل تلك الأجيال بالأهداف الكبرى التي كان يرمي اليها.

عباس السعيدي/ الديوانية