الرئيسية » مقالات » تأثير اللبرلة الجارية على أنظمة رأسمالية الدولة

تأثير اللبرلة الجارية على أنظمة رأسمالية الدولة

من المؤكد أن التشابه في بنية الأنظمة العربية يتجاوز الشعار السياسي أو الإيديولوجي الذي تحمله, ففي الحقيقة تمثل كل هذه الأنظمة عمليا رأسمالية الدولة بغض النظر عن الراية الإيديولوجية المرفوعة فوقها..لذلك فإن تطور هذه الأنظمة جاء متشابها إن لم يكن متطابقا في كثير من ملامحه و نتائجه , ليس أقلها شخصنة السلطة و دخول العائلة كمؤسسة هامة في الحكم , إن لم تكن أساسية..إضافة إلى ذات الموقف من قضية لبرلة الاقتصاد التي تحولت إلى شعار و ممارسة تحمست لها القوى السائدة في هذه الأنظمة..لكن لا يمكن حقيقة أن نعزل سياسة لبرلة الاقتصاد الجارية عن انتصار الرأسمالية في الحرب الباردة أو عن عملية فرض هذه اللبرلة على الجميع ولا عن التغيرات التي افترضت السياسات و الأهداف الأمريكية أنها سترافق هذه اللبرلة في شكل و بنية هذه الأنظمة..على أرض الواقع كانت البرجوازية الجديدة مرتبطة بشكل عضوي بالمركز السلطوي الحاكم و رغم ارتباطها بالمركز الرأسمالي لكن ولاءها الأول كان للنظام الذي كانت ترتبط معه بحبل سري يؤمن وجودها و نفوذها , أي أن عملية بناء نخب اقتصادية و اجتماعية أساسية و مؤثرة خارج بنية النظام كانت فاشلة تماما..كان من الواضح أن هدف سياسات المركز الرأسمالي في علاقته المعقدة مع حلفائه الإقليميين كمصر و السعودية مثلا و أيضا مع خصومه في فترة الحرب الباردة هو فرض تغييرات كهذه , بشكل تدريجي , بحيث يترافق التقدم في خلق تلك النخب مع استحداث آليات إنتاج للسلطة بحيث يمكن تحويل الدور المركزي لهذه النخب الناشئة في الاقتصاد إلى سلطة مركزية تابعة عالية الاستقرار بسبب استخدامها وسائل “الديمقراطية البرجوازية” في إنتاج سلطتها و في تدجين المجتمع و الجماهير و تقنين القمع المباشر ضد مظاهر العمل المستقل للجماهير و النخبة المثقفة أو المسيسة..يجب الاعتراف هنا أن أزمة المشروع الأمريكي في العراق ثم المواجهة التالية مع إيران قد خدمت بتخفيف هذه الضغوط عن تلك الأنظمة “المعتدلة” و فرض على المركز الرأسمالي القبول بتدريجية أكبر في هذه التحولات التي أصبح استمرارها أو حتى تطبيقها الناجح موضع شك..لكن يجب في نفس الوقت أن نؤكد أن عملية اللبرلة الاقتصادية هذه مثلت في نفس الوقت خيارا داخليا بامتياز و تلبية لحاجة داخلية فرضها تطور هذه الأنظمة..فهذه اللبرلة نفسها جرت بدرجات متفاوتة في سوريا , ليبيا , و حتى إيران و بحماسة واضحة , قد يكون هذا في جانب منه استجابة لواقع انتصار الطرف الرأسمالي في الحرب الباردة لكنه أيضا يعكس في جانب آخر مصلحة القوى السائدة في النظام ذاتها..كما أن عملية اللبرلة هنا قد خلقت أو كرست و عززت البرجوازية الجديدة ذاتها التي مثلها أحمد عز و طلعت مصطفى في مصر ( هنا مثلها ابن خال الرئيس رامي مخلوف ) المرتبطة بالنظام نفسه أو القادمة منه..يجب هنا أن نشدد على أهمية النتائج التي تترتب على هذه اللبرلة على بنية النظام و شكل سطوته على المجتمع..فمثلا كانت العمالة الكاملة أو شبه الكاملة أي توفير وظائف حكومية خاصة لغالبية من هم في سوق العمل , كان هذا جزء أساسي من مبرر وجود هذه الأنظمة من جهة و مصدر قوتها و هيمنتها المطلقة على المجتمع من جهة أخرى..لقد أصبح واضحا منذ وقت ليس بالقريب أن أنظمة رأسمالية الدولة هذه غير قادرة على النهوض بهذه الأعباء و أنها تعمل على الخلاص منها بطريقة لا تعرض سيطرتها المطلقة للخطر..إن عملية اللبرلة هذه تخدم أحد هدفي هذه الأنظمة و هي إعادة إنتاج سيطرتها لكن من المشكوك فيه أن تخدم غرض حل أزماتها الاجتماعية و حتى السياسية..من المؤكد أيضا أنه حتى في الأنظمة “الليبرالية” أصلا كمصر و الأردن و السعودية فإن مركزية دور النظام واحتوائه للنخب المالكة أو تحالفه معها أو تهميشها لم تتأثر أبدا إن لم تتعزز , هذا يعني أنه لا تغيير قادم في السلطة السياسية , لكن الخطر يأتي من تعميق أزمات الجماهير و بالتالي يضع الأنظمة أمام خيارين , إما تشديد القمع أو عرض “محاصصة” تبقى فيها الطرف المسيطر على أجزاء من المعارضة التي تمثل النخب المثقفة أساسا بهدف احتواء أي عمل معارض مباشر منظم و ربما تجميل صورة النظام و “إصلاح” العلاقات مع الخارج أي مع المركز الرأسمالي بهدف ضمان ألا يكون تدخله سلبيا أو عدائيا…من ملاحظة الأنظمة التابعة الجديدة في أوروبا الشرقية ينكشف لنا أن انضمامها للاتحاد الأوروبي و انتقال كتلة أساسية من العمالة فيها إلى دول الاتحاد الأخرى الأكثر تطورا هو فقط ما أنقذ هذه الأنظمة من انفجارات أو تصاعد التوتر و النضال الاجتماعي ضد سياساتها الليبرالية , إن خيارات الأنظمة محدودة هنا و تتفاقم مع اشتداد أزمة المركز الرأسمالي نفسه و تصديرها للأطراف ( اقتصاديا و سياسيا ) , قد يبدو هنا خيار تشديد القمع و إغراء المعارضات النخبوية أو تهديدها هو الأكثر تماشيا مع تاريخها , أغلبها إن لم يكن جميعها , و مع واقعها و مصالحها لكن من الصحيح هنا أن تشديد الاستبداد و القمع على التوازي مع تعمق الأزمات الاجتماعية و الاقتصادية التي تعاني منها الجماهير سيزيد من مخاطر انفجارات اجتماعية عاصفة في الشارع تتجاوز معارضة النخب المعزولة و إن يتوقع ألا تكون قادرة على فرض تغيير جذري و جدي دون أن تخلق أشكال شعبية و ديمقراطية لتنظيم الجماهير , من المؤكد أن الأنظمة التي تعتمد القمع الفج و الأكثر استبدادا هي المرشحة قبل غيرها لمثل هذه الانفجارات لكن حجم الأزمات التي تتفاقم قد يتغلب على كل آليات التدجين الشكلية المستخدمة..يبقى المنتظر أن تفرض هذه الانفجارات شروط حضور فعلي جدي للجماهير و تنظيم أفضل لقواها في وجه مستغليها , و ألا ينجح أزلام السلطة أو النخب في إغراقها في حروب أو مجازر طائفية مثلا…..