الرئيسية » مقالات » لابد للعرابين من رؤية الحقيقة

لابد للعرابين من رؤية الحقيقة

تعتبر سورية من المناطق الأكثر حيويّة منذ فجر التاريخ ، وهي من أقدم الأراضي التي شهدت الحياة البشرية وكانت المسرح الرئيسي لمواجهات كبرى لم تنقطع لقرون عديدة بين الإمبراطوريات القديمة من الفينيقيين والآشوريين الى الإغريق والرومان ….الخ .
كما وبقيت لفترة طويلة مسرحا للغزوات متعددة من مغولية الى صليبية ، كما أنها كانت منطقة صراع بين الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية انتهى الى احتلال عثماني لهذه المنطقة استمر زهاء أربعة قرون وامتدت الى الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية معها ، مقابل ظفر الدول الأوربية الصناعية الناشئة في هذه الحرب وبدأت معها مرحلة جديدة من المتغيرات والمؤامرات والاتفاقيات السياسية ذات الطابع العسكري ، مما أوقع المنطقة كلها تحت احتلال جديد ومن نوع آخر وتمرير مشاريع تقسيم وتشكيلات لأشباه دول أنشئت رغما عن إرادة شعوب المنطقة كلها .

إن جملة هذه الأحداث وما رافقها من هجرات قسرية في كافة الاتجاهات وعبر هذا التاريخ الطويل يفسر تماما تعدد الانتماءات في سورية اليوم ، المصنعة وفقا لرغبات الفرنسيين والانكليز والذي جسده اتفاق سايكس – بيكو الشهير وملحقاته أثناء الحرب العالمية الأولى وعقبها ، سورية هذه التي تمتد على مساحة جغرافية تتجاوز 185,000 كم2 ويقطنها وفق آخر إحصائية رسمية أجريت في أوائل الألفية الثالثة بما يزيد عن 18,000,000 نسمة .
وللأسف لا احد يمتلك أرقاما دقيقة عن التركيبة السكانية في سورية كون انه لا توجد أية إحصائية موثقة وموضوعية بهذا الشأن في البلاد ، لأسباب عديدة من أهمها موقف النظام السوري السلبي من ناحية عدم الاعتراف بالتمايز العرقي والطائفي لمجمل السكان تماشيا مع نظرية حزب البعث الحاكم ، مما يجعل التقديرات تتحكم بالوقائع :

القوميات ونسبتها الى التعداد العام الأديان والطوائف ونسبتها الى التعداد العام
– 80 % من العرب
– 15 % من الكورد
– 2 % من الآشوريين والسريان والكلدان
– 1 % من الشراكسة
– 1 % من التركمان
– 1 % من الأرمن – 75 % من السنة
– 10 % من العلويين
– 10 % من المسيحيين
– 2 % من الدروز
– 1 % من الزردشتيين
– 1 % من الشيعة
– 1 % من الإسماعيلية
– عدة ألاف من اليهود

فإذا كان احد أهم سمات النظام العالمي الجديد تتمثل في مسايرة وملائمة العولمة التي تعني أول ما تعنيه وحدة العالم وتكامله بما يحوي من اختلافات ، وهي بالتأكيد ستشكل مصدر غنى وثراء لهذا العالم ، فمن الأجدى أن تسعى القوى والأحزاب وكل الطيف السياسي السوري والى جانبها الجمعيات والهيئات ودعاة المجتمع المدني وحقوق الإنسان جاهدة الى تحقيق هذا التكامل وهذه الوحدة والانفتاح على بعضها بعضا في الداخل السوري ومكوناته دونما تردد او شروط وتمييز .

كما إن الحالة السورية وتركيبتها السكانية المتنوعة تحتم على انه ليس من الضروري ، بل ويشكل خطرا داهما على كل المكونات دون استثناء ، أن تكون هناك علاقة بين القومية والدولة فان كل القوميات والأديان المختلفة تستطيع أن تعيش معا وبطمأنينة وسلام في كنف دولة واحدة وحكومة واحدة ، شريطة توفر الاعتراف المتبادل لكامل الحقوق الطبيعية لجملة هذه المكونات، فيما عدا ذلك فان التمادي والإغراق بالروح القومية والطائفية تدفع الى اتجاه السلوك العدواني المتبادل كل تجاه الآخر ، وإن الانتفاضة الكوردية التي قامت في 12 آذار 2004 وقبلها أزمة الثمانينات وما يحدث اليوم يبرهن عقم الخيار الذي يتخذه النظام ومن يلف لفه .
وهنا لابد من التأكيد أن سكان الدولة بكل مكوناتها هم مواطنون وأعضاء في هذه الدولة وبالتالي يجب أن يتمتعوا بكل الحقوق التي تنتجها هذه العضوية ابتداء من حق التعبير عن الذات المختلفة و ممارسة الحقوق السياسية الى كامل الحقوق المدنية التي تنص عليها كل القوانين الوضعية والإلهية .

وإذا كان النظام الحاكم في البلاد يتجاهل عن قصد اللوحة الاجتماعية والقومية والطائفية الطبيعية داخل المجتمع السوري عامة ، فحري بل من الواجب على المعارضة عدم تجاهل حقيقة هذه اللوحة ولو كان عن غير قصد .
وعليه فإن الموضوعية السياسية تحتم على المعارضة السورية توفير أولويات ومستلزمات التغيير الديمقراطي المنشود ، ومن أولى هذه الأولويات العمل على استعادة الاعتراف السياسي الحقيقي بالشعب السوري بأكمله وبكل مكوناته والذي غيب نصف قرن كامل من قبل نظام أحادي همش كل المكونات ولم يصغي الى كل النداءات الداعية الى هذه اللفتة نحو الصلح مع الداخل ، وليس المطلوب إجراء مصالحة بين النظام وجماعة بعينها التي لا أنكر عليها مكانتها .

وإذا كان الأمر كذلك وإذا كان لابد من انفتاح و مصالحة فمن الأولى أن تتم بين المكونات السياسية والاجتماعية وحتى القومية والدينية التي تعاني كلها دونما استثناء من ممارسات هذا النظام الجائرة أولا ، وبالتالي فان الدعوات من هنا وهناك الى المصالحة الجزئية والتي يحوم حولها الريب في الانجاز ، تبقى غير مجدية إن لم نقل أنها بمثابة ذر الرماد في العيون .
وإن ما تطرحه بعض الشخصيات السياسية السورية من نظريات وأطروحات في المصالحة على أهميتها من ناحية المبدأ ، تشكل خطرا على الغاية والهدف ذاته إذا أخذت بشكل جزئي وتدفع الى تساؤلات مختلفة ، وتبرهن على أن المعارضة السورية تعيش حالة أزمة مصيرية تشابه أزمة النظام نفسه ، في حين أنها أمام جملة من التحديات المصيرية خاصة أنها عجزت عن التحول الى قوة حقيقية تستطيع انجاز التغيير الوطني الديمقراطي الذي طالما كانت تنشده منذ انطلاقتها الاخيرة في زمن ما سمي ” بربيع دمشق ”
وهي تمر الآن بمرحلة من العجز الإضافي والتراجع والتفكك السياسي بعد ما طالها من حملات الاعتقالات والخوف الشديد عليها من فقدان مصداقيتها ومن الانحلال .

يبقى متسع لسؤال هل النظام بحاجة الى عراب إضافي في زمن العرابين تحت جنح الظلام …؟