الرئيسية » مقالات » كوردستان وحصان (طروادة) و بعض الاصدقاء يحسبونه على قاعدة رب ضارة نافعة!!

كوردستان وحصان (طروادة) و بعض الاصدقاء يحسبونه على قاعدة رب ضارة نافعة!!

تثير عصابة 22 تموز في البرلمان العراقي واركان الجبهة (التركية!) بأستمرار وفي كل المحافل واينما وصلت ايديهم والسنتهم ، دعايات واراجيف مفادها ان حوالي نصف مليون كوردي من اجزاء كوردستان في الاناضول وايران وسوريا دخلوا كوردستان واسكنوا في كركوك ، وان سلطة الاقليم ادخلتهم الى المدينة الكوردستانية بغية التأثير على الوضع الديموغرافي لصالح الكورد.
طبعا هذه الاكاذيب لا تقوم على اي منطق مقبول وليس هناك دليل معقول واحد يثبت هذه الترهات ، وهم يتجاهلون ذكر حقيقة الجريمة الشنيعة التي اقدم عليها النظام الدكتاتوري السابق حينما امر بطرد اكثر من مائتي الف انسان كوردي بين 1968 والى ماقبل سقوط النظام في 2003 بأيام من المدينة وباوامر رسمية وفق مخطط عنصري كريه ، حيث لم تسنح الظروف لغالبيتهم الساحقة للعودة الى مدينتهم الى الان ، ويجب ان يعودوا ، كما ان عصابة 22 تموز يتناسون جماعة العشرة الاف( دينار) الذين تجاوز عددهم المائتي الف شخص الذين جيء بهم من وسط وجنوب العراق ليحلوا محل الكورد المطرودين من مدينتهم ، ومع كل هذا التاريخ العنصري المشين الذي مورس ضد كورد كركوك ما زالت عصابة 22 تموز واخرون يتحدثون عن خزعبلات لايقبلها اي عاقل ، وكما قال رئيس الاقليم كاك مسعود بارزاني هل يمكن اخفاء نصف مليون عصفور حتى يكون بالامكان اخفاء نصف مليون انسان في مدينة صغيرة مثل كركوك ، هذا عدا الاختلاف في اللهجات الكوردية التي يتحدث بها كورد الاجزاء الاخرى .
وقد زاد الحديث عن هذه التلفيقات خصوصا عندما ضغطت القيادة الكوردستانية باتجاه التحرك نحو تنفيذ المادة 140 من الدستور ، وتحرك المبعوث الدولي ديمستورا هو الاخر نحو البحث عن حلول يمكن ان ترضي الاطراف المتصارعة. وفي هذه الاثناء اخذت عصابة 22 تموز ومعها الجبهة (التركية!) في البحث والاستقصاء عن اي ذريعة او حجة تجعل المادة 140 في حكم المشلول ، وتحدثوا ودون مسؤولية عن موت مادة دستورية ولم يسألوا انفسهم : اذا كانت المادة قد ماتت فمن الذي اماتها ؟ ثم الا يجب ان تعاقب الجهة او الجهات التي اسهمت في موتها (هذا اذا كانت ميتة فعلا ، وبداهة ان المادة الدستورية غير قابلة للموت ما دام الدستور ساريا و معمولا به دون اي تعديل ووفق الاصول) ، ويبدو ان تلك الاطراف الشوفينية وجدت اخيرا ضالتها في الموقف المائع لحكومة السيد نوري المالكي واطراف التحالف الرباعي العربية منها ، بحيث ان الصورة توضحت بما لايقبل الشك في تطابق مواقف الطرفين الخصمين( عصابة 22 تموز والاطراف العربية في التحالف الرباعي) في مسألة ما تسمى ب(المناطق المتنازع عليها) وهي المناطق التي تم تعريبها وسلخها من كوردستان في عهد النظام السابق والانظمة التي سبقته وفق سياسات فاشية عنصرية دموية رعناء موثقة بالاف الوثائق الرسمية وشهادات شهود احياء يرزقون .
وكلمة (المائع) للموقف الحكومي ربما لا تفي بالمعنى الذي اقصده بالتمام ، فموقف الاطراف العربية في الحكومة العراقية هو اكثر من مائع ، بل يمكن ان يصل الى حد التخطيط والتواطؤ في المجال الذي (يحجم القيادة السياسية الكوردستانية) مع دول اقليمية اجنبية بعضها مساندة للارهاب ومعروفة باطماعها التي لا تنتهي في العراق وبعضها الاخر ذو سجل قذر في ممارسة العنصرية والتجاوز على حقوق الانسان ، واطراف عراقية معروفة بدعمها للارهاب القاتل، اي ان ثمة مصلحة ( وطنية عراقية !) وهي في الحقيقة مصلحة عنصرية بحتة تدفع بهذا الاتجاه الخطير.
والان ، عندما تشغل الحكومة وعصابة 22 تموز الوضع العراقي بالاختلافات العويصة حول مسألة انتخابات مجالس المحافظات النابعة اساسا من محاولات تهميش المادة 140 ، في هذا الوقت بالذات تواصل عصابات الارهاب في العراق دفعها لعشرات الالاف من اهالي جنوب ووسط العراق ومدن الموصل وديالى للتوجه الى كوردستان والاستقرار فيها هربا من الاوضاع الامنية القاتلة ، وطبعا ليس هناك قانون او عرف انساني يمكن ان يمنع عائلة هاربة من الموت الطائفي والمذهبي المنتشر في وسط وجنوب العراق ، من البحث عن الملاذ الامن سواء في كوردستان ام في دول الجوار ام في اوربا ، ومن حق الانسان وفق شرعة حقوق الانسان ان يطمئن على حياته وعيشه اينما وجد ذلك ممكنا. وعندما هربت عشرات الالاف من العوائل العراقية الى كوردستان ، فتح الاقليم لهم ذراعيه للسكن والعيش بأمان على الرغم من الكثير من مخاطر ان يكون بينهم ارهابيون ، ولكن ولنكن صريحين ، ولان الاخرين لم يبقوا شيئا الا واستعملوه في محاربتهم للحق الكوردي في كركوك وخانقين وسنجار ، هناك من يقول ان هذه الهجرة العربية الجديدة الى كوردستان (باستثناء اعداد من المهاجرين الكورد والتركمان والمسيحيين الذين ترجع اصولهم الى مدن وارياف كوردستان) قد ادت الى تغيير واضح ومرئي ومحسوب للتركيبة السكانية في كوردستان ، فقد بلغت نسبة العرب الذين يسكنون السليمانية الان حسب مصادر كوردية 17% من السكان بينما كانت النسبة ضئيلة جدا قبل خمس سنوات ، وفي اربيل زاد عدد العرب الوافدين او الهاربين ولكن بنسبة اقل مما في السليمانية ، وفي دهوك كذلك ، ولكن وحسب المعلومات ان المهاجرين الى دهوك معظمهم من المسيحيين الذين ينحدرون اساسا من قرى كوردستان. وان التاثيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لهذه الهجرة سوف تزداد مستقبلا ، واكثر هذه التأثيرات لن يكون في صالح استقرار ونماء المجتمع الكوردستاني .
صحيح ان اقليم كوردستان ما زال جزءا من العراق ويحق لاي عراقي ان يسكن فيه حسب الدستور ، ولكن اليست كركوك ايضا جزءا من العراق وتقوم الطامة على كوردستان وقيادتها عندما تريد احقاق الحق فيها وانصاف مواطنيها الكورد باعادتهم الى المدينة وحسب دستور عراقي وليس دستورا مصنوعا في جزر الواقواق؟ الا يعني كل هذا التحسس المفرط والعنصري الشنيع ازاء الكورد الكركوكيين تجاوزا على ما يسمونه بالمواطنة العراقية وعلى الدستور؟ اليست خانقين عراقية ولكن سلطة (الجيش العراقي الباسل!) تريد نزع صفتها الكوردستانية بنشر الرعب والخوف بين اوساط اهاليها بتهديدهم بالدخول اليها و(فتحها!) وطرد مواطنيها الكورد العائدين اليها ، ثم اليست مدينة جلولاء عراقية ولا يرى (الجيش العراقي الباسل!) الا (هلهولة للبعث الصامد) شعارا وقحا له ليواجه به سكان المدينة من الكورد والتركمان ؟ ان جل ما يخشاه الكثيرون من الكورد ، هو ان تكون هذه الهجرة (حصان طروادة) وأن يكون وراء هذا الدفع بعشرات الالاف من الاسر العربية الى كوردستان مخططا تعريبيا اخر ، على اساس (رب ضارة نافعة) ، فالارهاب العروبي الاسلاموي المذهبي المتطرف يدفع بالناس الابرياء للخلاص وانقاذ ارواحهم ، ولكن النتائج تكون في صالح عملية وعقلية التعريب التي ما انفكت تعمل عملها في عقلية غالبية حكام العراق الحاليين ، وكالعادة سيتحمل شعب كوردستان واجياله النتائج الديموغرافية لهذه الهجرة الجديدة.
ان خدمة هؤلاء (النازحين) وتوفير كل سبل الحياة الكريمة لهم واجب انساني عظيم ، وحسنا تفعل حكومة الاقليم عندما تعمل في هذا الاتجاه ، ويجب ان يعاملوا بكل احترام وتقدير كونهم فعلا يعيشون في وطنهم( طبعا لا يهم الاخرين عندما يكون الكوردي غريبا في كركوك!) ، ولكن في الوقت نفسه يجب ان يكون تعريف من ليس من اصول كوردستانية من هؤلاء المهاجرين في حدود مفهوم (نازحين) ، اي انهم( عدا الذين ينحدرون من اصول كوردستانية من كورد وتركمان وكلدان اشوريين) يجب ان يعودوا الى مواطنهم حالما تنتهي الحالة التي دعتهم للهجرة والنزوح وان لا يكون لهم الحق في التصويت لاية انتخابات في المنطقة بل يجب ان تهيأ لهم الظروف المناسبة للانتخاب في المناطق التي اتوا منها ، كما من المفروض ان تدفع الحكومة المركزية ( حسب تعابير السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق!) كل المال اللازم لايواء هؤلاء وتقديم الخدمات لهم.
قد يقال كيف الحال اذن مع مئات الالاف من الكورد الذين يسكنون بغداد ، وهل من حق الحكومة ان تخشى على التركيبة السكانية لاهل بغداد ؟الرد هو: اولا ان الكورد الساكنين في بغداد وبعض مدن الوسط والجنوب اما هم على الاغلب من الكورد الفيلية الذين سكنوا تلك المدن منذ ان سكنت السلالات الكوردية الاولى وادي الرافدين وخصوصا ايام الساسانيين الكورد ، واسهموا في نهضة العراق الاقتصادية وفي الثورات والحركات الجماهيرية بكل اخلاص وتفان ، ثم كيف يمكن للكورد الفيلية ان يؤثروا على التركيبة الديموغرافية لبغداد و كل الحكومات العراقية لم تعترف بهويتهم الكوردية بل وحتى بهويتهم العراقية ايضا ، ولم يسمحوا لهم بالتعلم بلغتهم الام ، وتعرضوا عبر كل تاريخ العراق الى التهجير والترحيل والى القتل الجماعي ، فالالاف من شبابهم غيبوا في العهد الدكتاتوري السابق ، ومئات الالاف منهم هجروا الى ايران بالقوة بعد ان سرقت اموالهم ونهبت ممتلكاتهم. ثم ليس هناك اي ميل عنصري كوردي للتأثير على هوية مدن غير كوردية اساسا ، الحكومات العراقية وحدها التي ركزت على سياسات محو الهوية الكوردية لمدن كوردستان ، لذلك ليس مستبعدا ان يأتي يوم يقال فيه للكورد ان ثمة مئة الف عربي في السليمانية فأذن هذه المدينة جزء من الوطن العربي!
والاخرين هم من مهاجري اقليم كوردستان وقد سكنوا بغداد نتيجة الاوضاع السياسية و عمليات القتل الجماعي والارهاب الحكومي المستمر ضدهم او لاسباب معيشية خاصة بهم.
وقد يرفض البعض هذا الطرح بالمقارنة مع اوضاع اللاجئين الذين يعيشون في اوروبا وامريكا وغيرها ، هنا الوضع يختلف فالمهاجر قبل ان يصل الى تلك الدول يوقع على وثائق يقبل فيها كل شروط المواطنة في تلك الدول جنسيتها ، ثقافتها ، نظامها السياسي والاجتماعي ، لغتها الوطنية ، وليست هناك مخاطر من ان يستطيع هؤلاء وبمساندة اية حكومة عربية او اسلامية في الاستيلاء على السلطة هناك والحاقها بالوطن العربي او التركي او الايراني! بينما هذه المخاطر موجودة في الشرق الاوسط وهي كابوس ينام على رأس كل من لم يكن عربيا او تركيا او فارسيا.
ان نتائج ما يحصل في الجنوب والوسط العراقي من اعمال ارهابية وجرائم بحق الانسانية يتحمل وزرها الارهابيون والمشجعون على الارهاب ، وواجب الحكومة (المركزية) محاربة هؤلاء الارهابيين وحماية الناس الابرياء منهم وقد ابدت القيادة الكوردية مرات عديدة استعدادها للمساعدة في كبح جماح الارهابيين ، ولكن الامر انقلب ضد الكورد.
لذلك ليس من الصواب ابدا ان يدفع شعب كوردستان ثمن مكافحة النشاط الارهابي و النزاعات المذهبية والعقائدية في الجنوب والوسط من دماء ابنائه ومن مستقبل اجياله ، اذ يمكن ان يبدي الكورد كل المساعدة والتضحية عندما يكون هناك عراق ديمقراطي فدرالي يحترم المشاركة الكوردية والتضحية الكوردية فعلا وقولا. و يكفي الكورد مشاكلهم حول المادة 140 والميزانية ومحاولات الاستيلاء العسكري على قصبات كوردستان ، وتحرشات الدول المجاورة.. ام ان (حلفاء !) الكورد (الخلص) يريدون ان يقلبوا الطاولة كلها على رؤوس الكورد؟ واحتراما للتضحيات الغالية لشعب كوردستان ، وحتى لا تتكرر المآسي من المفروض ان لا يسمح مرة اخرى لكائن من كان وتحت اي مسمى كان الاقتراب من الجبل وشرفاته او سهوله ، ومع الاقرار بواقع الجيوبوليتيك المعقد ، وضرورات الاستمرار في الحوار والتفاوض الطويل الامد والنظر الى الامور بالحكمة والعقل ، والبحث عن الاصدقاء الحقيقيين ، وتوفير الحياة الكريمة الحرة للشعب ، وتعزيز سلطة القانون ، واحترام حقوق كل القوميات المتعايشة مع الكورد في اقليم كوردستان ، الا ان حراسة واقع و امن كوردستان وسلامة وطمأنينة كل اهلها لا تؤمن الا بذراع أبنائها ممن ولدتهم دمدمة الاعاصير الثلجية وازيز البرنو والصفير الموحش للرياح الشتائية الباردة والابتسمات المخنوقة على شفاه الاطفال الكوردستانيين ودموع الامهات الثكالى والقهر المتخشب في حدقات عيون الصبايا ، ونجيع الدم الطاهر وشهقات الشهادة ، وتعب ثمانين عاما من الاشتباك المضني مع كل عفاريت الارض وقذاراتها ابتداء من معاهدة سايكس بيكو ولوزان و السير بيرسي كوكس والمس بيل ومرورا بكل الحكومات العراقية وانتهاء بالسفالات التي تلغم المادة 140 من الدستور وتحاول وضع العصي في عجلة الديمقراطية والفدرالية في العراق.
والسياسة يجب ان تمارس على قواعدها كما قال احد كتابنا الاعزاء ، وعدا ضرورة وجود النفس الطويلة في الحوار والمفاوضة ، تبقى لبناء القوة الذاتية ايضا دورها في انجاح السياسي ،وبداهة ان من قواعد السياسة ايضا ان تترك المشاعرجانبا ، وتوضع العواطف والخيال والعموميات والكلام المعسول في الثقة وما شابه على الرف الى الابد ، اذ من الواضح جدا ان اللعبة بالنسبة للاخرين ، كما تتأكد يوميا ، هي “سياسة” اولها خداع واخرها تضليل وتحصيل حاصلها ، اذن تم اغفال التحكم بمفاتيحها ، فالنتائج لا تؤدي الا الى انفالات و(هه له بجه ات) اخرى .