الرئيسية » مقالات » أعيدوا لمصر دورها العروبى والاقليمى

أعيدوا لمصر دورها العروبى والاقليمى

يقولون من لا يعرف التاريخ والجغرافيا .. لا يفهم السياسة. وعملا بهذه القاعدة حاولت دوائر الغرب الأمريكية ، والرجعيات العربية منع مصر من القيام بواجبها ودورها في المنطقة منذ ثورة يوليو 1952 ، وحاصرتها لتسبح في العديد من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية ، وخلقت مشاكل لها خصوصا على حدودها الشرقية في صراعها مع العدوان الاسرائيلى الذي ما زال مستمرا بطرق وأشكال جديدة ، وعلى حدودها الجنوبية في السودان الذي لم يستقر وضعه حتى الآن في محاولة لتطويقها وهى تشكل إذا ما استمرت تهديدا خطيرا للأمن القومي المصري .

وتتولى الولايات المتحدة الأمريكية دعم وإسناد دولة إسرائيل كجزء من المنظومة الامبريالية بفرض وجودها على مصر ودول المنطقة بالقوة والإرهاب وضمان تفوقها العسكري ، وتعطيل التطور الاقتصادي والديمقراطي المصري، واستحداث العراقيل لمنع التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي يتوق إليها المواطن المصري بعد العديد من الحروب التي أنهكته ، وعطلت مسيرة حياة الملايين من المصريين . وبرغم جسامة التضحيات التي قدمها الشعب المصري حفاظا على عروبة مصر ، ودورها الحضاري والتحرري فلا زالت مصر مستهدفة شعبا ومثقفين وقوى ديمقراطية وتقدمية التي تخوض معارك سياسية وفكرية في مواجهة الفكر الصهيوني ، لهذا كله فمصر بحاجة لحماية خاصرتيها الشرقية والجنوبية ، وضمان أمنهما خصوصا أن المنطقة اليوم حبلى بالعديد من المتغيرات الإقليمية والدولية .

لا شك أن هناك نوايا سياسية لاغتصاب الدور الاقليمى والعربي لمصر حضاريا وثقافيا وعروبيا من أكثر من طرف ، وتجرى محاولات موبوءة لعزلها عن محيطها العربي والاسلامى ، وتحويلها لدولة مهزومة متخلفة تئن تحت وطأة الضغوط الداخلية والخارجية ، لتتحول في النهاية لدولة مهزومة متخلفة تابعة ، ويجرى عن عمد من البعض عربا وعجما متاسلمين وليبراليين في سلب هذا الدور ، وإجبارها على الانكفاء على الذات ،بفرض شروط عليها للدوران في فلك النفوذ الاجنبى ، لتبق تستعطى المعونات الخارجية ،وإلهائها بمشاكلها الداخلية ، وبهدف وقف عجلة التطور الاجتماعي والديمقراطي وخلق الأوهام لدى المواطن المصري والعربي أن دور مصر قد انتهى وانحسر .

ولما كانت مصر قد لعبت عبر تاريخها الطويل دورا عربيا وإقليميا كبيرا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي وشكلت مركز استقطاب لحركات التحرر العربية والعالمية في آسيا وافريقية وأمريكا اللاتينية ، واعتبرت أحد أهم القوى التحررية في المنطقة ، جاءت حرب حزيران عام 1967 لتشكل نكسة للدور المصري ولتفقد جزءا من هيبتها ومسؤولياتها العربية وقوتها بفعل التآمر عليها ، إلا أن حرب تشرين 1973 أعادت لمصر حضورها ودورها فهددت الإستراتيجية العالمية للامبريالية والصهيونية ، لكن نجاح اتفاقية كامب ديفيد بإخراجها من دائرة الصراع العربي – الاسرائيلى مما أضعف دورها العربي والاقليمى ، وأجبرها على التقوقع ، وبرغم هذا فواهم كل من يحاول أن يتخطى دور مصر العربي والاقليمى ، ويظن أن المنطقة قد خلت من دورها برغم التعثر هنا وهناك ، وتصاعد حدة الإشكالات الداخلية فهي تمتلك من المقومات الحضارية والتاريخية والبشرية والثقافية ما لم تملكه أية قوة في المنطقة إذا ما تخلصت من التبعية الاقتصادية والضغوط الأمريكية التي تحاول بكل وسائل الترهيب والترغيب بإغراق الشعب المصري في مشكلاته الداخلية حتى ينطوي على نفسه ويتقوقع ، وتعيق الاستقلال الوطني والتغيير الاجتماعي والديمقراطي.

إن التطورات الأخيرة التي تحيط بالمنطقة العربية ، وتزايد التدخل العسكري الامريكى المباشر في الشرق الأوسط، ، والتهاب المنطقة بالصراعات الإقليمية، والداخلية ، والتناحرات المذهبية، والفتن الطائفية ، والدويلات العرقية ، وبروز قوى ولاعبين جدد في ظل احتدام التوترات التي اجتاحت المنطقة بدءا من الحروب العربية – الإسرائيلية ، والحرب الإيرانية – العراقية وحرب الخليج ، وحرب أفغانستان طالبان ، وتعزيز القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج ، وتصدع العلاقات العربية – العربية ، وتشكيل المحاور ، والنزاعات الداخلية على الساحة اللبنانية ،وظهور الإسلام السياسي كقوة متطرفة ، وتصاعد المواجهات مع الإسلام السياسي في أكثر من قطر عربي واسلامى ومشاغلة حركة الإخوان المسلمين لمصر داخليا ، وانشغال الأنظمة العربية بمشاكل الحكم والسلطة والنفط والمال ، وتعمق أزماتها الاقتصادية والاجتماعية ، وفرض التبعية عليها ، وحجم المتغيرات السياسية المرتقبة خلال الشهور القليلة القادمة على الصعيد المحلى والعربي والاقليمى والدولي ..كلها مجتمعة هل يمكن أن تحفز القيادة المصرية لإعادة تقييم دورها العربي والاقليمى ؟؟

ولان السياسة لا تعرف الفراغ فقد برزت إيران كلاعب اقليمى بعد سقوط بغداد ، ودور أتباعها هناك ، وتطور برنامجها النووي ، ومحاولتها خلق أتباع ومريدين في المنطقة بهدف سياسي واستخدامى ، مستفيدة من غياب دور مصر الحقيقي ، وظهور لاعبين سماسرة وعرابين للسياسة الأمريكية على سطح الأحداث ، زاد ذلك مع حالة الانقسام في الساحة اللبنانية والفلسطينية واستيلاء حماس على غزة بالقوة ، ومحاولتها المستميتة الحصول على الشرعية العربية والإسلامية عبر البوابة المصرية ، والاعتراف بإمارة غزة الإسلامية ولو على حساب معاناة الشعب الفلسطيني في غزة أوقعها في فخين أحلاهما مر ، فهل تمنح الشرعية للحكومة المقالة في غزة؟؟ وبهذا تكون قد اعترفت بالانقسام السياسي والجغرافي بين جناحي الوطن، وتخلت عن سلطة أبو مازن الشرعية التي لا زال الاعتراف بها عربيا ودوليا ، وتقوى بهذه الخطوة دور حركة الإخوان المسلمين في مصر التي تشكل أداة تهديد وتحريض للنظام المصري، فتساهم في زعزعة استقرار الجبهة الداخلية ، وإما أن لا تمنحها طريقا للمرور عبر البوابة المصرية إلا عبر الأنفاق والجحور فتتحول في نظر وعواطف العرب والمسلمين تحت تأثير الدعاية الديماغوغية وفلتان الفضائيات العربية وكأن مصر تحاصر الفلسطينيين في غزة جنبا إلى جنب مع إسرائيل ، ولهذا سارعت مصر بروح من الحفاظ على أمنها القومي ، ومسؤوليتها القومية تجاه القضية الفلسطينية ، والشعب الفلسطيني الذي يتعرض للحصار ،ومحاولة الخروج من المأزق مؤقتا عبر مجموعة من التفاهمات مع القوى والفصائل الفلسطينية فكانت موافقة حماس على التهدئة رغم تحفظ الكل الفلسطيني على جوهرها وشكلها .

ومع فشل اتفاق مكة ، وحكومة الوحدة الوطنية بسبب الفيتو الامريكى – الاسرائيلى ومجموعات المصالح التي تشكلت ، والمحاصصة الثنائية في خلق حالة من توازن المصالح بين قطبي الصراع ، على الرغم من الدور المحوري للمملكة العربية السعودية والتي وفرت كل مقومات الدعم والتأثير ، فهل ننجح نحن كفلسطينيين بمساعدة أنفسنا ، ومساعدة مصر في إنجاح جهودها الحثيثة وإنهاء حالة الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية وإنهاء حالة الحصار ، وتقديم أقصى ما يمكن من التوافق الوطني ، وتحمل المسؤولية الوطنية والأخلاقية دون النظر إلى المصالح الخاصة والارتباطات الإقليمية التي تستخدم الورقة الفلسطينية لتحسين شروط تفاوضها مع الإسرائيليين والإدارة الأمريكية والأوربية .

لقد وافقت القوى الوطنية في اجتماعاتها الأخيرة مع المسؤلين المصريين على الخطوط العريضة لآليات الحوار وأهدافه ومرجعياته وملفاته ، وبهذا تكون القوى قد وضعت الأسس الأولى لإنجاح الحوار الوطني الشامل الهادف الحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني جغرافيا وسياسيا ، وحافظت على قضيتنا الوطنية كقضية تحرر وطني ، وأفشلت في نفس الوقت المخطط الصهيوني بقذف غزة إلى حضن مصر ، ورفضت التعاطي مع حكم الأمر الواقع الذي يتناقض مع القوانين الدستورية ، وسهلت بهذه الخطوة مهمة الرعاية المصرية والعربية للحوار الشامل والمسؤول.

إن المهمة الوطنية الأولى تحتم على كل القوى الوطنية والإسلامية ومكونات المجتمع المدني الفلسطيني التجاوب مع التحرك المصري لإنهاء حالة الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية ، والاتفاق على إستراتيجية تفاوضية وكفاحية لمواجهة العدوان الاسرائيلى ، ومساعدة مصر الشقيقة باستعادة دورها العربي والاقليمى ، لتتفرغ لحل ما يجرى من تهديد لأمنها القومي على حدودها الجنوبية خصوصا أن السودان يتعرض لهجمة شرسة من قوى البلطجة والعدوان ، فأمن مصر وشعب مصر هو أمن لفلسطين وشعب فلسطين ، وأمن للسودان وشعب السودان الشقيق . 

غزة – فلسطين