الرئيسية » مقالات » كوردستانية كركوك والخصوصية القومية

كوردستانية كركوك والخصوصية القومية

ليس العراق هو البلد الوحيد الذي توجد على أرضه الاثنيات المختلفة، والشعب الكوردي فيه ليس هو الوحيد الذي يسعى الى إقامة كيانه القومي والتمتع بخيراته ورسم المستقبل الآمن لابنائه، فقضية كركوك، بالرغم من ثبوتها التاريخي وتثبيت هويتها الكوردستانية، قد أثارت قبل وبعد سقوط نظام البعث في العراق خلافات وعراقيل حول تاريخها الكوردستاني ولا يزال الخلاف غير مبرر في أشده ولم ينته رغم حلول ومرور موعد تطبيق المادة 140 وفق الدستور العراقي الذي صوت عليه الشعب العراقي.
قدم الكثير من الكتاب والباحثين نتاجاتهم الفكرية من الادلة العلمية والوثائق التاريخية والخرائط الموثوقة بعد جهد مضني ودؤوب في كتب التاريخ والسير وموسوعات البلدان واثبتت جميعها تنوع المجتمع الكركوكي بهويتها الكوردستانية.
تراجع اعداد الكورد فيها بشكل ملحوظ ما بعد عام 1970 بسبب اتباع سياسات معينة من جانب الحكومة العراقية الهادفة الى طرد الكورد منها وتوطين اخرين مكانهم رغم انها مركز ثقافي كوردي.
شهادة التاريخ
وجاءت كوردستانية كركوك في كتب العديد من الرحالة ومنهم على سبيل الذكر الرحالة التركي الكبير اوليا شلبي الذي زار المنطقة والعراق في القرن السابع عشر من خلال بحثه المجمل عن حدود كوردستان بان كوردستان كانت في عهده تتألف من سبع ولايات وهي (ارضروم ووان وهكاري وديار بكر والموصل واردلان والجزيرة والعمادية وشهرزور) وهي دلالة ضمنية على توسط كركوك قلب شهرزور وكما هو معروف بان شهرزور جزء من كوردستان الكبرى.
وفي عام 1891 اقترن اسم ولاية شهرزور على انها عبارة عن لواء كركوك بما فيها لواء اربيل وبموجب سالنامة عام 1911 بان سنجق كركوك كانت تتالف من اربيل ورواندوز ورانيه وكفري وتوابع هذه البلدات، وحسب ستيفن هيميلسي لونكريك، احد رجال الانكليز والذي كان يعمل مع القوات الغازية والذي انيطت اليه عدة مهام ادارية ومناصب حكومية بان باشا كركوك العثماني كان غالبا ما يترك امور المدينة لاحمد خان زعيم امارة اردلان وهذا دليل قاطع على النفوذ الكوردي عبر تاريخ مدينة كركوك كما ان اطنان الوثائق والمستندات في دائرة المعارف البريطانية والعراقية لايمكن دحضها بالكذب والخداع. ويمكن العودة الى خريطة عثمانية تثبت كوردستانية كركوك والتي يعود تاريخها الى عام 1760 رسمها رسام الخرائط الهولندي الشهير ايساك تيربون في امستردام عام1760.
القومية المضطهدة
كركوك تبقى وماتزال مدينة الادباء والرواد ومنبعا لشريان الحياة، وتبقى شوكة حادة في خاصرة الأعادي.. والحديث عن كركوك هو الحديث عن الماضي الاليم واستذكار لعمق يوميات المحن والشدائد واثارة المشاعر واحاسيس امهات شهداء كركوك وتهييج لمشاعر شعوب العالم المظلومة والمسلوبة الحقوق ولايمكننا ان نتجرأ بتفسير هذه المشاعر والدوافع، الا بالاقتراب اكثر مع الشعور الوطني مع البعض. فمدينة كركوك هي في حقيقتها نتاج تفاعل أجيال متعاقبة عبر قرون عدة فكانت في حينها مراكز صراع بين الحضارات والتي شهدت حقبا تاريخية مختلفة ولهذا أنتجت لنا هذا الموزاييك الجميل للمجتمع الكركوكي المتآخي لذلك تحتاج مدينة كركوك الى دراسة معمقة وحقيقية ومحايدة من جميع جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية وليست نظرة سياسية أحادية مع أهمال الشرائح الأخرى التي تؤلف بمجموعها الأركان الأساسية للمجتمع الكركوكي الأصيل.
)مدرسة التحالف الغربي، والامبراطورية العثمانية، ونتائج الحرب اليونانية، والثورة البلشفية، ومصالح الانتداب البريطاني) كانت في حينها بمثابة خنجر مسموم في خاصرة الامة الكوردية وهاجس كبير في زعزعة اوضاع الشرق الاوسط والعالم العربي، الا ان بعد كل هذه السنين من الحرمان والتنكيل كل أخذ وضعه القانوني والدولي حسب المصالح الدولية سوى الامة الكوردية بقيت مجزأة الاوصال على الدول التي شاركت في مؤامرة التجزئة وبقيت قضيتها دون حل تقاذفتها أمواج الوعود الكاذبة وبقيت المسألة كصرح من صروح الخيال. واليوم يريد البعض اعادة السيناريو حول مصير كركوك وتطبيق المادة التي تحسم قضية كركوك الجوهرية، ونهمس في أذن المعنيين ونقول الى متى تبقى قضية كركوك بلاحل وتلوكها السن الغرباء من خارج الحدود وكأنها ليست قضية عراقية ولم تحسمها المادة 140 من دستور العراق الدائم؟ فتجاهل الواقع السياسي للقضية الكوردية في كركوك وواقعها الكوردستاني هو تجاهل لمشاعر جميع أصحاب الضمائر الحية والعقول الحكيمة في الشارع العراقي، وهو ليس بلعبة جديدة على ابناء مدينة كركوك بل تكاد تكون الحلقة الاخيرة من سلسلة حلقات الغبن التاريخي الذي لحق بهذا الشعب الكوردي في العراق وكركوك على وجه الخصوص.
فكان لاهمال رافد من روافد الحركة السياسية والديمقراطية العراقية وعدم التفكير بتقديم الحلول الديمقراطية الشفافة لها اثره الواضح في نخر مفاصل حكومات بغداد المتسلطة بالحديد والنار على رقاب الشعب الكوردي المسكين.
واشار الاستاذ الدكتور يوسف حمدان “عميد المعهد العالي للدراسات السياسية والدولية والمتخصص بحركات التحرر بأن (القضية الكوردية من نظرنا نحن كثوريين عرب، تبقى قضية وطنية واشكالية قومية عادلة، قضية شعب يطمح في الحصول على حقوقه الوطنية والقومية في عهد استكملت فيه الامم والشعوب تحررها واقامة كيانها وفق ارادتها الحرة).
خشيتنا هي العودة الى ذكريات الايام المؤلمة ونتائجها المشؤومة. بعدما لعبت بعض القنوات الاعلامية دور الببغاء في تشويه الحقائق التاريخية حول العزيزة كركوك وبمساعدة شلّة من الاقلام المأجورة وبمباركة بعض الجهات السياسية التي لها أجندتها الخاصة في تأجيج نار الفرقة بين الأقوام المتآخية في كركوك، غير ان تلاحم ابناء كركوك افشل جميع المخططات الهدامة ومزق كل الاوراق المزيفة وجعل الاعيب الماكرين يصطدم بجدار الاخوة الازلية، لان ابناء كركوك اجتمعوا على المحبة والوئام وغرس روح التسامح والتفاؤل ليزيدوا من بهجة ورونق موزائيك مجتمعهم الكركوكي الاصيل.
بغض النظر عما قيل وكتب عن كركوك عبر تاريخها الموغل بالاحداث الا ان هذا لاينفي من وجود أجمل العلاقات وأمتن الروابط بين قومياتها، ناهيك عن بعض الصدود التي حصلت والتوترات التي صدعت جانبا من تلك العلاقات بفعل بعض العوامل المصطنعة والتي حملت تبعتها ووزرها الجميع وبدرجات متفاوتة ونكتب اليوم في صفحات كركوكنا الناصعة ألا لاعودة أخرى لزمن سياسات الغاء الآخر وقتل روح المواطنة والاخوة والتعايش السلمي في كركوك المحبة والوئام.
ارقام للمنصفين
خلال الفترة من 15/ 4/ 1998-15/ 6 /1998 تم ترحيل 1468 عائلة كوردية من كركوك وعدد العوائل المرحلة من كل حي من احياء المدينة حسب ما مدرجة ادناه :
حي العسكري – 143 عائلة
طريق بغداد – 12 عائلة
حي الاسكان – 150 عائلة
الحرية- 234 عائلة
المصلى – 3 عائلة
القورية – 32 عائلة
الشورجة – 321 عائلة
رحيم اوه وامام قاسم و… هلم جرا.
وهذه الاحصائية بحق ادانة ووثيقة دامغة ووصمة عار يندى لها جبين الانسانية على افعال الانظمة القمعية التي قدر لها ان تحكم العراق ويمكن الاطلاع على العشرات من الادلة والاجرام والعنف اللامبرر الذي ارتكب بحق هذه المدينة، من خلال مجلدين كاملين قام بجمعها وترتيبها مكتب الاعلام المركزي لتنظيمات الاتحاد الوطني مشكورة، لتكون سيفا عادلا تقطع بها رقاب المجرمين ونورا ساطعا تزيل غيوم التقهقر والظلام ورسالة حية الى كل من يحاول ان يقتل التاريخ من جديد.
كلمة اخيرة
ولنا أمل وتفاؤل خروج كركوك من دوامتها التي أقلقتها وأحزنت عشاقها وفي تطبيق المادة الدستورية(140) التي صوت عليها الشعب خلاص للحزن والترقب والضياع في وهم التحالفات التي يريدوها فتنة لاتبقي ولاتذر على حساب الاخوة الكوردية والتركمانية والعربية والكلدواشورية المتاخية المتجزرة في عمق تاريخ كركوك الحافل بالأحزان والمسرات.
Taakhi