الرئيسية » مقالات » دراما للتخدير و دراما للتحرير

دراما للتخدير و دراما للتحرير

من خلال متابعتي للدراما العربية و العالمية و إعلام الدول الإسلامية و العربية و ما أشاهده من دراما غربية و أمريكية على وجه الخصوص، وجدت أن الإعلام هو خير مثال و انعكاس لعقلية الشعوب و منطقها و أسلوب عيشها، فمسلسلات “باب الحارة” بأجزائها الثلاث و المسلسلات المصرية مثل “الدالي” و “حدائق الشيطان – الذي عرض في رمضان الماضي” و غيرها، و أفلام محمد سعد – الممثل المصري المشهور – كلها تعكس دورا حكوميا خفيا يقف وراء تشويه الأعمال الفنية، ففي هذه المسلسلات تتركز الفكرة حول نظريات المؤامرة التي يديرها “المحتلون”!! و “عملاء الاستعمار”!! و أن البلاد العربية و الإسلامية تتعرض للغزو العسكري و الثقافي و من خلال هذه الدراما تتكرر عبارات شتم اليهود و الأمريكان و الفرنسيين، و بدلا من أن يستوحي المشاهد العربي و المسلم فكرة واقعية و يشاهد هذه الأعمال بعين الناقد، نجد مجتمعاتنا تنبهر بالقبضايات و الشخصيات المتجهمة و العنفية و تعجب بالمجرم الذي تاب في اللحظة الأخيرة – كما جسد ذلك الممثل جمال سليمان في مسلسل حدائق الشيطان و أحمد ماهر في دور أبو جعفر المنصور في مسلسل أبو حنيفة – من حياته بعد أن أدرك أنه ميت لا محالة، كل هذا يؤكد فشل مجتمعاتنا و سذاجة العقلية الغالبة و هشاشة القيم بل و زيفها.

في المقابل نجد الدراما الأمريكية و مسلسلات “كوسبي”، “أكوردينغ تو جيم”، “جورج لوبيز”، “ماي نام إز إيرل” و “ذا كوج”، هذا عدا الأفلام، نجد كلها تحمل حكايات اجتماعية إنسانية هادفة إلى كشف المضمون الإنساني و علاقات المجتمع و كيفية معالجة مشاكله، و إضافة إلى روعة الأفكار التي تتضمنها الدراما الأمريكية و ما تتضمنه من نزعة إنسانية، فهي ذات حرفية عالية و تخلق لدى المشاهد حسا من الاستنتاجات المنطقية و تعدد وجوه الحقيقة و أن على الإنسان أن يتحاشى الحكم المتسرع على الأشياء و الواقع، هذا كله نتيجة طبيعية للديمقراطية و التعددية الحزبية و الفكرية و الاجتماعية، فالمجتمعات الغربية تتنافس سلميا عبر شرعية “حرية التعبير” لكن مجتمعاتنا المفلسة تتنافس عبر ثقافة “المقاومة” و العنف و نظريات المؤامرة و تصفية الخصوم.

إن الأنظمة التي تروج لهذا النوع من الدراما التي تضيف إلى عقد المجتمع مزيدا من الفايروسات و الجراثيم، هي في حقيقتها أنظمة تعاني عقدة شعور بالنقص تعكس حقيقة كونهم ناقصين فعلا و لكنهم يسيطرون على زمام الأمور، و في هذه المجتمعات الشرقية المتخلفة يبدو لنا الله ذاته – كما يصوره الوعاظ المتاجرون بالدين – مالكا لشرعيته فقط عبر قوته، و ليس لأنه جميل و يحب الجمال، فالواعظ و الملا و رجل الدين يحب أن يشبّه الله بمالك رزقه (السيد الرئيس القائد أو جلالة الملك) أو العكس، أي أن ينعت الزعيم بصفات الله، من هنا نجد أن الأزهر مثلا و من خلال توجيهه الدراما الدينية يقوم بتشويه حقائق تاريخية بحيث تحيل تاريخ الإسلام إلى شيء مناف للواقع التاريخي، فنجد أن أحد المشركين و هو يدخل على النبي نجده مشركا قبيح الوجه ساخطا و ذا حاجبين ضخمين و ما أن يخرج من خيمة النبي حتى نراه شخصا جميلا مبتسما و مبشرا بالخير، و لو كان هذا متعلقا بشخصية أو مشهد لكان هذا نوعا من الإخبار بأن الإسلام دين تسامح، لكنهم يصورونه و كأنه “سحر” لا أكثر و رغم أن النبي يقول: خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام” و هو ما ينفي ما سبق، فلم يكن كل ما في الجاهلية قبيحا و لا كان كله شرا و لم يستطع الإسلام قطعا أن يقضي على كثير من صفات السوء التي طبعت مجتمعاتنا و نحن متمسكون بها لحد الآن كعبادة الحكام و العرف القبلي.

تستعين أمم العالم بالفن من تمثيل سينمائي و تلفزيوني و مسرحي لتستلهم شخصيتها و عقلها و حقوقها و حريتها، أما الدراما و الفن عندنا فهو علكة للحكام نحن نمضغها و نعتلكها و نصدق بها و ما فيها من مخدر ينومنا و يمنعنا من الرؤية.