الرئيسية » التاريخ » (المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي)

(المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي)

  يسر صفحة دراسات كوردية ان تقوم بنشر كتاب الدكتور بدرخان السندي
 ( المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) وذلك عبر حلقات متسلسلة.

الحلقة الخامسة و الستون
نعتقد ان الشيخ محمود في رفضه لان ترتبط المنطقة ببغداد ورغبته في تاسيس دولة كردية لا يعني قطعاً التبرير المذكور. فهل اسست حكومة كردية مستقلة معترف بها وخاضعة لانتداب بريطانيا اسوة بحكومة بغداد ورفض الشيخ محمود ذلك؟
هل اسست دولة كردية ورفض الشيخ محمود او سواه اعمار هذه المنطقة المتأخرة كما جاء في نهاية تقرير سون المتبنى في كتاب مس بيل؟ ولماذا لا يطمح الشيخ محمود في تأسيس دولة؟ واذا كانت لديه نزعة دكتاتورية كما جاء في التقرير، افما كان من الممكن لحكومة بريطانيا العظمى تحجيم هذه الدكتاتورية لملك كردستان او ازاحته وتنصيب ملك اخر. هل يجب ان يعاقب الشعب الكردي باسره ويحرم من حق تقرير مصيره القومي بحجة ان الشيخ محمود يرغب في ان يصبح دكتاتوراً. حسناً ماذا لو توفي الشيخ محمود في تلك الفترة بالذات؟ فهل كانت بريطانيا ستمنح كردستان الاستقلال؟ ليت مس بيل تعود الى الحياة لتطلعنا على اجابتها.. ومن متناقضات مس بيل ازاء الحركة القومية الكردية واصالتها انها حاولت التشكيك بها حيناً ورفع طابع الشمولية عنها حيناً اخر. انها تعول على تقرير الميجر نوئيل الذي يصف الشعور القومي الكردي بانه لا ينطوي على الشعور بالوحدة القومية (210) ويعزو ذلك الى الجبال التي تفصل قبيلة عن اخرى وهو أي الميجر نوئيل مع مس بيل تناسياً ان قبل اقل من نصف قرن من وجودهم في المنطقة كانت تلك الجبال كعهدها قائمة واشتعلت ثورة الشيخ عبيد الله الشمزيني القومية والهادفة الى تأسيس دولة كردية وامتدت من كردستان تركيا الى سنجار واورميه وهما اعرف باحداثيات هاتين المدينتين وما عاقت تلك الجبال الشعور القومي الكردي الموحد في عام 1881. ولا نود الاسترسال بالامثلة لكننا فقط نرغب في عرض تناقضات مس بيل في هذه المسألة تحديداً (وحدة الشعور القومي). ان مس بيل تذكر في ذات الكتاب، ان ممثلين من (اللجنة القومية الكردية) في استانبول مروا في شهر مارت بالموصل في طريقهم الى السليمانية (208) ولكي تخرج بيل من هذا المأزق الكردي القومي وهي التي على ما يبدو لا يريحها أي رد فعل قومي موحد تجعل من هذا اللقاء القومي بين اكراد جاءوا من كردستان تركيا للاتصال بالشيخ محمود كأنه عملية موجهة ضد بريطانيا وكأن الكرد قد خلقوا ليكونوا ضد بريطانيا ولا همَّ قومياً لديهم.
وفي موضع اخر نرى توجهاً معاكساً يفند بدوره ما رغبت اليه مس بيل، فان الشيخ محمود كان على صلة بقبائل الكويان وهذه قبيلة كردية تعيش بالقرب من مدينة شرناخ في كردستان تركيا. فهي تصف هذه القبيلة، بالمتمردة المقلقة والتي تقع منازلهم شمال زاخو (195) وهي تصف مدينتي جزيرة ابن عمر ومدينة شرناخ بمركز الشر (194).ترى ماذا يطيب لـ مس بيل ان نطلق على هذه العلاقات بين مدن وقبائل تقع في شرق وغرب كردستان؟ أليست هذه مؤشرات الوحدة القومية؟ وان لم تكن كذلك فما هي؟ ان مس بيل تريد ان تبرهن على (انعدام الوحدة وشعور التقارب ما بين كردستان الجنوبية وكردستان الشمالية) فتذكر ان حتى اللهجة التي يتكلمها كل فريق من الفريقين غير مفهومة بصورة متقابلة، كما وتدلل على انعدام هذه الوحدة بان السيد طه الشمزيناني الذي كان بدوره داعية الى تأسيس حكومة كردية قد نفض يده من الشيخ محمود وتعهد بان يبذل ما بوسعه ضد الشيخ محمود (202).
هنا لابد من ان نسأل مس بيل الضليعة بشؤون الشرق ولاسيما الهند حيث مقر نائب الملك البريطاني فيها. هل حالت مئات اللهجات الهندية المتباعدة عن بعضها من ان تكون الهند موحدة سياسياً في المنظور البريطاني؟ وان تسمى الهند بمختلف – دياناتها ومذاهبها ولهجاتها واختلاف تضاريسها ومناخاتها (درة التاج البريطاني) لقد كانت درة (واحدة) ولم تكن درراً. فلماذا هذه النظرة التجزيئية الى كردستان لمجرد وجود لهجتين شمالية وجنوبية؟ ولعله لم يكن خافياً على مس بيل في العراق وهي المستشرقة المتخصصة بالمنطقة ان لهجة اهل الموصل (القحة) تختلف اختلافاً كبيراً عن لهجة اهل الاهوار في مدينة العمارة فاين (قَتَتونو) الموصلية من (جْتَلْتَه) العمارية أي بمعنى (قَتَلْته) واين (دْشْغَبْ زي) الموصلية من (دْ شرب عاد) البغدادية بمعنى (هيا اشرب) واين (جاشنهو) الجنوبية و(لعد شنو) البغدادية و(لًكًنْ أشنو) الموصلية بمعنى (اذن ماذا؟) هل منعت هذه الاختلافات في اللهجات من وحدة عرب العراق قومياً في المنظور البريطاني وهل اعاقت تنصيب ملك عليهم من قبل بريطانيا؟ والملك نفسه لا يجيد هذه اللهجات العربية الثلاث في العراق لانه اساساً غير عراقي وله لهجته الحجازية..!؟ اما اذا كان سيد طه غير منسجم مع الشيخ محمود، فهل كانت كل الشخصيات العراقية البارزة مؤيدة لتنصيب فيصل ملكاً على العراق؟ الم تقم مس بيل بالقاء القبض على سيد طالب النقيب المعارض لفيصل بعد ان دعته الى حفلة شاي (أي بعد ان خدعته) ومن هناك اختطف ثم تم نفيه. وتوثيقاً لما نود قوله حول ازدواجية التعامل مع القضيتين العربية والكردية يذكر كوتلوف عن ايرلاند (328) انه بالرغم من تلك الظروف التي هيأها المستعمرون الانكليز، الا ان عميلهم – يقصد فيصل الاول – استقبل ببرود عند قدومه العراق. في عدد من الاجتماعات التي عقدت في بغداد – كما يذكر كوتلوف – رفعت شعارات تدعو الى عدم الاعتراف بفيصل ملكاً على العراق (264).
مما تقدم نقول، لو رغب الانكليز في تأسيس حكومة كردية وإقامة دولة مستقلة لفرضوا على الشخصيات الكردية اسماً يمثل مصالحهم من دون حاجة لارسال نوئيل وغير نوئيل لدراسة ما اذا كان الكرد يرغبون في إقامة دولة في كردستان الشمالية! لقد كان برسي كوكس واضحاً في حديثه الموجه للشعب العراقي والمنشور في جريدة التايمس في 30 /8/ 1920 عندما قال انني جئت لتأسيس دولة عربية مستقلة وان ذلك رهن بوضع حد للحرب التي تحول دون التفاهم معكم والسعي الى تحريركم (انظر كوتلوف 210) ولا ندري لماذا يتعامل برسي كوكس (قومياً) مع الدولة التي يريد تأسيسها في العراق بالرغم من اختلاف القوميات والطوائف والمذاهب والاديان ولكنه يبخل على الكرد مع سكرتيرته بتأسيس دولة كردية بسبب وجود لهجتين كرديتين! او بسبب وجود من يختلف مع الشيخ محمود! وهل من حياة سياسية دون منافسة ومن يوم قابيل وهابيل.. والى يومنا هذا؟ أو ليس نظام الحكم البريطاني قائم المنافرة؟ لقد حاولت مس بيل ان تقلل من شأن المنظمات الكردية الناشطة من اجل حق تقرير مصير الشعب الكردي، هذه المنظمات التي كانت تبذل جهداً سياسياً واضحاً من اجل القضية الكردية لكن مس بيل – بكل صفاقة – واكثر من مرة تصف اعضاء هذه التكتلات السياسية في كردستان تركيا بصفات غير لائقة كالفاسدين (206) والحقيقة كانت حانقة عليهم بسبب مناورات هؤلاء مع الترك للخروج بنتيجة لصالح القضية الكردية.
Taakhi