الرئيسية » مقالات » في ذكرى حروب الطاغية المقبور

في ذكرى حروب الطاغية المقبور

باول بويمر ليس جنرالا أو محلل سياسي ، او محلل حروب ستراتيجي ، انه مجرد جندي عادي ، واحد من تسعة عشر طالبا في نفس الصف ، تطوعوا للحرب ، بتأثير محاضرات معلمهم . وفوق كل ذاك ، هو ليس انسان حقيقي من لحم ودم ، بل هو خُلق على الورق . باول بويمر بطل في احداث رواية ، ولكنه اشهر من كل الابطال، لانه عبّر عن ماساة ابناء جيله الذين خاضوا غمار الحرب العالمية الاولى ، والذين ” تحطموا بسبب الحرب ، حتى ولو كانوا قد نجوا من قذائفها ” مثلما يتحدث عنهم . انه بطل رواية ” لا جديد في الجبهة الغربية” للكاتب الالماني المعادي للنازية “اريش ماريا ريمارك” (1898-1970) ، الرواية التي طبق صيتها الآفاق وذاعت في الشرق والغرب . صدرت الرواية في شتاء 1928 وتحولت في عام 1930 الى فلم سينمائي بنفس الاسم حصد حينها الجوائز والشهرة ، وترجمت الى كل لغات العالم . وان كانت هذه الرواية قد جلبت لكاتبها الشهرة والثروة ، فانها ايضا جلبت له عداء النازية الالمانية ، التي كان حزبها في نمو سريع . وما ان صار واضحا للكاتب ريمارك ان هتلروالنازية سيتستلمون زمام السلطة في المانيا ، حتى كان اول كاتب الماني يصبح منفيا بسبب النازية وهتلر .

النظام الديكتاتوري البعثي المقبور ، الذي فاق نازية هتلر، بفاشيته واجرامه ، خاض حربا مجنونة ، حاول ان يسوقها تحت شعارات الدفاع عن” الجبهة الشرقية ” للوطن العربي ، واستمرت لثمان سنوات متواصلة ، نجد ان الصرخة ـ السؤال الذي اطلقه الجندي الفتي، باول ويمر، بطل رواية ريمارك ، ينطق تماما عن لسان اجيال العراقيين ، التي عاصرت حروب الطاغية صدام حسين . ويضعنا بطل ريمارك مباشرة امام نتائج حرب صدام المجنونة، التي ظلما تسمى”الحرب العراقية ـ الايرانية ” ، فلا علاقة للعراق بخطط “القائد الضرورة” ـ حفزه الله ـ لاكتشاف طرق تؤدي الى القدس . هذه الطرق مرة تمر عبر عبادان ومرة عبر العبدلي ، حتى اوصلته الى تلك الحفرة الشهيرة ، بعد ان زحفت عليه جيوش حلفاء الامس . جاءت جيوش الغزو تبحث عن ” اسلحة الدمار الشامل ” فلم تجد “السلاح ” ، ولكنها وجدت ” الدمار الشامل ” كما تقول اخر الطرائف الساخرة عن الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش .
كانت حرب الديكتاتور صدام حسين ، ضد الجارة ايران ، وفي كل مراحلها، حربا قيل عنها بحق انها حرب لا ناقة ولا جمل للمواطن العراقي فيها . كانت العلاقة الوحيدة لابناء العراق بهذه الحرب ، انهم صاروا ومجبرين وقودا لها . وقد قيل الكثير بما يتعلق بالاحصاءات عن الارقام المليونية عن ضحايا هذه الحرب ، من قتلى ومفقودين ومعوقين ، ولكن لم يقل الكثير بعد عما تركته هذه الحرب من تأثير عميق وجذري على كل عائلة ، وبالتالي على مقومات واسس بناء المجتمع العراقي وشخصية ونفسية المواطن العراقي .
العراق خلال سنوات الحرب الثمانية صار البلد الاكثر استهلاكا في المنطقة للقماش الاسود ، لا ينافسه في ذلك سوى ايران نفسها ، فاثواب الحزن ولافتات التعزية صارت مباحة للجميع . كان ثمة عدالة متميزة من الديكتاتور في منح كل عراقي الحق بالتمتع بالحزن ومأساة الموت . كانت التوابيت ، ملفوفة بعلم صدام ، بعبارة الله واكبر التي كتبها بخط يده ، او مكتوب عليها كلمة “جبان ” تصل بسخاء لكل زقاق في كل مدينة ، ولكل قرية ، وكثيرا ما كانت تصل بالجملة ، مصحوبة بهلاهل واهازيج رداحي النظام من مطربين وشعراء مأجورين . صار الموت شأنا يوميا . اعتاده المواطن العراقي . لم يعد احد يخاف هذه الكلمة . تراجعت كلمة الحياة بسرعة . ومعها تراجعت منظومة كاملة من القيم والمفاهيم . صارالمواطن العراقي يتناول طعامه مع اطفاله ويتفرجون ـ جميعا ـ على برنامج تلفزيوني مثل ” صور من المعركة ” ، وهو ينقل لهم منظر جثث العدو .
وللهروب من نتائج وتداعيات الحرب الاولى مع ايران ، تحرك الديكتاتور ـ بذكاء صميمي ! ـ الى حرب تالية، فأحتل دولة الكويت مشيعا لغة وثقافة الغزو والفرهود. ثم كان ما عرف بحرب تحرير الكويت وطرد قوات صدام منه، والنتائج الكارثية لذلك ، التي اكتوى بها ابناء الشعب العراقي . هذا اذا لم ننس الحروب الداخلية ، قمع النظام الديكتاتوري لانتفاضة اذار المجيدة ، والحرب المستمرة ضد قوى المعارضة العراقية المسلحة ، المقاتلة لنظام صدام حسين في كردستان العراق وفي الاهوار، والحرب العدوانية الشوفينية ضد ابناء الشعب الكردي بما في ذلك استخدام الاسلحة الكيمياوية .
الصرخة ـ السؤال الذي سجله بطل رواية ريمارك وظل يرن عبر السنين : ” لسنين طوال كانت مهنتنا القتل ، مالذي سنصبح عليه ؟ ”
حين زرت جنوب العراق ، شتاء 2004 ، من بعد غياب 27 عاما ، وفي كل البيوت التي زرتها من بيوت الاقارب والاصدقاء ، لم اجد بيتا يخلو من قطعة سلاح ان لم يكن اكثر. وفهمت مشاعر صديق لي ، مقيم في اوربا ، سبقني بزيارة اهله ، حين روى وهو يرتجف كيف ان ابنة اخيه ذات الثلاثة عشر ربيعا كانت تصف له بهدوء وثقة ودراية طريقة صناعة قنبلة في المنزل . وكنت شخصيا اقضي ليلة في بيت احد الاقارب في بغداد حين سمعنا صوتا غريبا على سطح المنزل ، فكان اول المتحركين طفل في العاشرة حمل البندقية بخفة وبمهارة وتحرك باتجاه سطح المنزل ، قبل ان يسرع ابيه ويبادر لاخذ البندقية !
ويكرر بطل ريمارك : “معرفتنا بالحياة تقتصر على الموت … مالذي يأتي … او يحدث بعده ، مالذي سنصبح عليه ؟ ” .
هذا ما نراه الان في العراق وصرنا عليه ، من حصيلة حروب المجرم صدام حسين . سيادة لغة العنف ، وفقدان اطفالنا لبرائتهم ، واستهانة بالحياة وعدم اكتراث بموت وآلام الاخرين ، وعسكرة للمفاهيم والافكار عند قطاع كبير من الشبيبة ومن ابناء الشعب العراقي . وحين يكون الانسان عاطلا عن العمل ، يمكن بسهولة ، بسبب حاجته ، شراء خبرته في مهنة القتل لتوظيفها في سياقات سياسية متنوعة . واذ تنشط الجماعات السياسية في تشكيل مليشياتها وفرقها الخاصة ، تحت لافتات تتلائم مع سطحية الوعي السائد ، فانها لا تجهد وتبذل كثيرا في اعداد وتدريب من تجندهم ، فهم جاهزون ، ومتدربون على مهنة القتل ، فمعارفهم في الحياة تقتصر على العنف والموت فقط ، والفضل كل الفضل يعود لحروب الطاغية المقبور !

17 ايلول 2008
سماوة القطب