الرئيسية » مقالات » دولة مسئولة أم تشكيل عصابي إجرامي

دولة مسئولة أم تشكيل عصابي إجرامي

كثيرا ما تذكر تقارير دولية تحظى بالمصداقية والاستقلال إلي حد كبير، صادرة عن منظمة الشفافية الدولية والمنظمة المهتمة بجاذبية الدول للاستثمار والأسواق البازغة والواعدة وغيرها، أن معظم البلدان العربية تحتل المراكز الأولي في “الدول الفاشلة” وهو مفهوم حديث وتطور يقيس مدى كفاءة أجهزة ومؤسسات الحكم في مجالات إدارة الأزمات بكفاءة من قبيل الكوارث سواء من صنع الطبيعة أم المسئولين إلي جانب قياس الأداء الفني والمهني الفعال. كما تشغل معظم البلاد العربية مراكز متقدمة في قوائم الفساد الإداري والمالي والتربح من المال والتلاعب به وفي قوائم الأغنياء عالميا وقوائم أصحاب الحسابات السرية. والرد المبتذل والمعتاد من قبل نظم الحكم العربية هو أن الفساد وغيره ظواهر فردية وأن الدولة لا تتقاعس عن محاربة الفساد!!، وهذا غير صحيح طبعا لعدة أسباب منها أن غالبية القوانين والتشريعات فاسدة من الأساس حيث تصدر لحماية قمم السلطة وحلفائهم ممن يسمون رجال الأعمال، وإذا تجرأ القضاء أو النيابة العامة على توجيه الاتهام لرموز من السلطة وعائلات الحكام وأباطرة البيزنس، فالسلطة قادرة على توفير الحماية والإفلات من العقاب وحفظ القضايا.
ويلاحظ أن الدولة هذه صارت في الواقع العملي مخصخصة في خدمة تحالف السلطة ورأس المال الفاسد، وفقدت المضمون بالغ الثراء للدولة وأسسها الدستورية والمعنوية والأخلاقية وقواعد المواطنة والمساواة أمام القانون وكذلك فقدت صفتها كدولة القانون منذ بداية ميلاد الدولة الحديثة في الوطن العربي.
ومن أفضل المفاهيم المنشرة الآن في حقل العلوم الاجتماعية التي لم تصل بعد لأذهان النظم الحاكمة العربية وأباطرة البيزنس حلفاؤهم وكتاب وإعلاميو السلطة، وحتى أكاديميين وباحثين ومثقفين محترمين يخشون ترديد المفهوم تجنبا لغضب السلطة وليذهب العلم للجحيم، هو مفهوم “الدولة السارقة” أو”الحكم اللص” حيث يخصص النظام الحاكم الغالبية الساحقة من الموارد الوطنية لتمويل وتشغيل أجهزته الأمنية والاستخبارية والعسكرية وكذلك توفير مزايا القبيلة أو العشيرة أو الجماعة العرقية أو اللغوية أو المذهبية التي ينتمي إليها الحاكم أساسا.
ومن أهم ممارسات هذه الدول والنظم السارقة التي هي أيضا فاشلة توشك على التحلل أو الانهيار كما كان الوضع في الصومال والكونجو الديمقراطية أو انهارت فعلا لكن ما يربط أجزاءها المبعثرة هو قبضة النظام الأمنية الغليظة وقمعه المنظم لكل أنواع الحريات، من أهم ممارساتها للسيطرة على السلطة والثروة استخدام أساليب غير قانونية وفاضحة تجعل من سلوك النظم الحاكمة هذه سلوكا إجراميا ومن إمكانية أن نطلق عليها تشكيل عصابي أو تشكيل إجرامي وليس نظم حكم حتى أبشع أنواع نظم الحكم وهو نظام الحكم الفردي الذي يستند إلي فرد هو الحاكم صار رفاهية نفتقدها نحن العرب البؤساء. لأن نظام الحكم الفردي يستخدم القمع تحت مظلة قوانين فاسدة لكنها شكلا قوانين، ويمارس القمع والفساد وتجويع الناس عن طريق أجهزة أمن باطشة لكنها أجهزة قانونية وإن تكن مطلقة الصلاحيات ومنفلتة يحميها الحاكم من الملاحقة القضائية والمساءلة والمحاسبة.
التعبير الأكثر دقة عن أساليب هذه النظم أنها أساليب مافيات الجريمة المنظمة والقتلة المأجورين المحترفين والدعارة وتجارة المخدرات والسلاح، أساليب القتل المنظم بحس بارد وبشراسة وقسوة، وعادة ما تستخدم نظم الحكم العربية نفسها هذه الأساليب لحسابها أو لحساب أقارب للعائلة المالكة أو الحاكمة جمهورية كانت أم ملكية، أو تترك الحرية للمقربين منها جدا من رجال البيزنس لتصفية بعضهم البعض أو لتصفية خصوم حتى لو كانوا خصوما من النساء!!.
وتمثل أجهزة النظام الحاكم في مصر وتحالفها مع البيزنس صورة صارخة لذلك التشكيل العصابي أو الإجرامي، حالات عديدة تدل على ذلك، منها ومنذ بداية حكم رئيس هذا النظام كانت واقعة قتل اللواء إمام ونجله طارق بالرصاص وتحطيم حائط في منزله بمدفع آر بي جي، قيل إن اللواء إمام ضمن من يتاجرون في السلاح لصالح رمز كبير من رموز النظام وفي نفس الوقت تولي قبل إحالته للتعاقد منصب مدير مكتب زكي بدر وزير الداخلية الأسبق. وقيل إن نجله المقدم في الشرطة أيضا طارق سب هذا الرمز الفحل الكبير عندما نهره الأخير عن بلطجة يمارسها على زوجة مديري أحد الفنادق كان عشيقها وقامت هي بإنهاء العلاقة. وتم التخلص منهما وتدمير جدران مكتبه لأنه كان يحتفظ بصورة من كل ملفات الفساد!!.
والمثال الصارخ الآخر هو ما قام به رجل الأعمال هشام طلعت مصطفي الشخص الثالث في لجنة السياسات للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في الآونة الأخيرة من تحريضه ضابط أمن دولة سابق محترف قتل للتخلص من عشيقته السابقة كما قيل المطربة اللبنانية سوزان تميم، يتجلي أسلوب التشكيل العصابي في تستر اجهزة النظام الحاكم بأكمله عن إدانته منذ ما لا يقل عن ست سنوات عندما اتهمه البوليس اللبناني والإنتربول مرتين بمحاولة قتل زوج سوزان معتوق في بيروت والقاهرة، ثم الصمت أكثر من شهر عن جريمة القتل التي وقعت في يولية الماضي واضطرار هذا النظام إلي استدعائه من الخارج وتحويله لمحكمة الجنايات محبوسا خوفا من تدهور علاقة نظام مبارك بإمارة دبي ومن ملاحقة الإنتربول، بلغ من نفوذ وحظوة هشام طلعت مصطفي أن حصل على 8 ألاف فدان أراضي ملك للدولة ليتصرف فيها بملاليم وعلى 33 مليار جنيه من مشاريع لبناء فيلات وشقق فاخرة في مشروعه العقاري السكني الفخم “مدينتي”، وذكرت صحف بريطانية أنه أرسل للمطربة إغراء ب50 مليون دولار إذا عادت إليه أو القتل بمليون دولار!!.

استاذ العلوم السياسية – جامعة القاهرة