الرئيسية » مقالات » العـــــــــــراق… قائمٌ بــــذاته

العـــــــــــراق… قائمٌ بــــذاته

“لا وطـــــــن مــــع فــقر و لا غــــــربة مــع غـــنى” – عـــلي بن أبي طــــالب –

ما هي الفلسفة التي يمكن للعراقيين الإستناد لها في بناء دولتهم؟ معلوم أن كل دولة تستند إلى فلسفة تستطيع بناء نظام متطور حقيقي، بينما نرى غالبية دول العالم الثالث لا تمتلك نظرة فلسفية تختصر البعد القانوني و التبريري للدولة لهذا السبب فإن الدول المتخلفة تعيش صراعا مستمرا و دون نهاية لمسألة التعريف الذي تستند إليه أي دولة من الدول، و الدولة المتجسدة في نهاية النظام العالمي – مجسدة في الولايات المتحدة و الغرب – هي دولة معرفة الذات أو هي الدولة التي فرغت من طرح السؤال و الجواب حول مسألة الهوية التي يتعلق بها السؤال، و الإنسان الغربي وصل إلى ذاته عبر شعوره الدائم بالاغتراب و هو طرح السؤال السلماني (نسبة إلى سلمان الفارسي) الذي يريد باستمرار أن يحصل على جواب لكل الأسئلة الكونية: أين و متى و لماذا و كيف و من هو سبب وجودنا..”!!

بينما مجتمعاتنا مبنية على اليقين الجمودي المناقض لليقين الديكارتي الذي يبدأ في الشك وسيلة للمعرفة و العلم و كخطوة أولى للتأكد من صحة هذا اليقين الذي قد لا يكون إلا وهما و خيالا، و مشكلتنا أننا نقدس “العقل” و لكننا نسلم بكل استنتاجاته دون أن نعرف ماهية هذه المقاييس و مدى موضوعيتها، و ما دام المجتمع كتجسيد للفرد لا يعيش حالة اغتراب و سؤال و بحث و شك فليس من الممكن أبدا أن نخرج من الحلقة المفرغة للمآسي و الكوارث الاجتماعية و السياسية و كل الجوانب الأخرى، و من ضمن المآسي التي نعيشها كعراقيين هو تعريف الدولة العراقية و هويتها التي يستند إليه القانون و النظام بل و حتى أصل و شرعية وجود هذه الدولة و مدى قابلية استمرارها.

و حتى لو كانت النصوص المقدسة و التراث الديني يحويان كثيرا من مواقف اليقين و إدراك العقل للإلهي كطرف آخر في العلاقة الكونية، إلا أن اليقين الديني يختلف عن اليقين الفلسفي و اليقين الفلسفي بدوره يختلف عن ذلك اليقين العلمي الطبيعي كالرياضيات و الكيمياء، إن الفلسفة وحدها قادرة على بناء دولة و نظام قانوني مستندة إلى التجربة الإنسانية التي تستطيع أن تمزج بين اليقين الديني الروحي و العلمي الطبيعي لتتكون فلسفة تستطيع تطوير النظام من دون اعتماد كامل على اليقينين المتضادين الديني و الطبيعي، فاليقين الروحي له مجال مختلف كليا عن ذلك الطبيعي و العكس صحيح، لكن اليقين الفلسفي يقوم بعملية الدمج التي تكون فعلا واقعيا ذا أبعاد روحية لبناء الدولة، اليقين الديني لوحده سيعيدنا إلى القرون الوسطى و التعصب الديني و المذهبي الذي سيندفع بعنف تجاه طبع القانون و النظام بلون لفئة أو جماعة بعينها، بينما اليقين العلمي الطبيعي سيدخلنا إلى عهد الشيوعية و الماركسية أو الاشتراكية القومية و هو ما سيجلب الدمار الأكيد.

إن اليقين الفلسفي هو وحده القادر على التعامل مع نسبية اليقينيات الدينية و العلمية الطبيعية من حيث خلق بعد ثالث يزيل التناقض بين النوع و الكم في هذه اليقينيات، فالدين هو ذو بعد روحي يستدل على قضايا شاملة خارج القانون الطبيعي الكوني الذي هو من اختصاص العلم الطبيعي، و لأن بناء الدولة هو تعامل مع هذين اليقينين المتضادين فلا بد من استعمال اليقين الفلسفي الذي لا بد أنه وحده الذي يمكننا اتخاذه مقياسا لرؤية الإنسان الذي يمتلك بعدين متناقضين هما حاجته إلى البعد الديني لافتقاره إلى الخلود و الضمير و البعد المادي الطبيعي الذي ينبغي أن يراعي ظروفه المادية و الاجتماعية، فالفلسفة لها هذه الوظيفة الخطيرة و المهمة، و لافتقادنا في مجتمعاتنا مع مسألة تنوع اليقينيات فإن هذه المجتمعات تستمر في البحث عن الجواب النهائي من خلال الدين – و الدين وحده لا يمكن له أن يقدم الجواب الكامل – فهناك علوم هي بالكامل خارج وظيفة الدين و لكن مجتمعاتنا مستمرة في خلط الوظائف، فالطب مثلا قد يصل إلى علاج مرض ما بدواء معين و الدين بدوره يتحول إلى حجر عثرة فيعتبر أن هذا الدواء حرام أو نجس مع العلم أن أحد أهم أسس الدين هو حفظ النفس قبل أن يكون هناك أي نوع من الحلال و الحرام و ما إلى ذلك، و الأمر الآخر هو أن هناك يقينيات رياضية لا يمكن للدين إلا الإستسلام لها.

إن اليقين الفلسفي ليس يقينا من النوع الديني و لا العلمي الطبيعي، فكلا الحقيقتين المتناقضتين الدينية و العلمية تتعاملان مع القضية المنطقية بما يشبه المسلمة البديهية التي لا تحتاج إلى كثير تردد للوصول إليها، لكن بمجرد اختلاطها مع الواقع الإنساني المتشابك العلاقات و المعقد و المتناقض فإنها تصبح أسئلة نكون في حاجة ماسة لمعرفتها، و لأن دولنا الشرقية الإسلامية ذات طبيعة استسلامية و لا تطرح تساؤلات حقيقية لذلك نجد أن هذه الدولة و نخبها الثقافية و السياسية هي ذات بعدين لا ثالث لهما، إما دينية طائفية أو قومية عنصرية، و كلا القضيتين بديهيتان في تعريف الدولة و النظام القانوني، و بسبب هذه الفوضى الفكرية القائمة على البديهة فإن النظام القانوني و الفكري و الاجتماعي و شاملها السياسي يعيش كارثة حقيقية من الركود و الجمود، فتناقض الاجتهادات و حتى التفسيرات التي تدخل في ما يتصل بالفرد و المجتمع و تحول الدين إلى جبال من الواجبات و العقوبات و بدون أي حريات، كل هذا كان سببا كافيا في خلق فوضى لا تصدق.

لا بد ها هنا من أن نضع أيدينا على جانب آخر من المرض، فالهوية الإسلامية التي أُلصقت لصقا بالعراق من خلال دستور مليء بالتناقضات خلق فعلا أزمة ولاء تجاه الدولة إذ افترض كاتبوا الدستور مسبقا أن كل العراقيين “متدينون” مع أن الأولى كان فرض نص آخر بدلا من الهوية الدينية هو أن الفرد حرٌّ في التفكير و الاعتقاد بما يشاء على أن يلتزم بحريات الآخرين و الملكية العامة وفق القانون، و إذا قيل أن هذا ما يتضمنه الدستور فإن الإشكال باقي ما دام العنوان هو “هوية” ذات ضبابية و دخان قد يحرق العيون، فالإسلام هو الآخر كتجسيد لكل أفعال الإنسان متعدد الوجوه و الانتماءات و حتى المقاييس، فبدءا من الشيعة الإثني عشرية إلى السنة و الوهابية السلفية التفخيخية و انتهاءا بمذاهب أخرى قد تجد طريقا لها إلى العراقيين في المستقبل، من هنا لم يكن العراق إلا جزءا من مشكلة كبيرة بدلا من أن يكون طرفا أو هو الجواب عن كل الإشكالات.

الحرية كعنوان ليست أمرا كافيا إذا لم تقترن بفعل واقعي على الأرض، و نحن كمصلحين عراقيين نتهرب دوما من توضيح الحقائق أمام أعين المواطنين تارة بحجة أن مجتمعنا لا يزال متخلفا و طورا آخر بحجة أنه غير جاهز للحداثة، و الحقيقة أن الحداثة لا بد أن تأخذ طريقها إلى العراقيين و إن تسببت في سلبيات معينة، لأن مشاكل الحداثة أفضل بكثير من محاسن التخلف و الجمود، و التحجج الدائم من قبل رجال الدين خصوصا بالخوف على “أخلاق المجتمع” و تماسكه المزعوم هو مجرد تبرير لاستمرار حكم الخرافات الدينية – نموذج إيران و أفغانستان طالبان – أو القومية – نموذج عراق البعث و مصر – أو فلسفيا أيديولوجيا – نموذج الاتحاد السوفيتي و الصين الدكتاتورية – فالحرية مطلوب إيجادها و خلقها في المجتمع و من ثم يمكن لرجال الدين و المصلحين تربية الإنسان و توجيهه بإخلاص أكبر نحو الدين كونه سيكون كائنا حرا غير منافق عبر ظاهرة الإكراه.

الدولة العراقية و هي تجسيد للأمة العراقية التي هي انعكاس للذات العراقية – الفرد العراقي – هي شيء قائم بذاته، و بمجرد أن نذكر كلمة عراق فنحن و العالم نستحضر في أذهاننا سومر و بابل و أكد و آشور و ألف ليلة و ليلة و السندباد و علي بابا و اليهودية و المسيحية و الإسلام، فالعراق يعيش حالة اغتراب إيجابي منذ زمن طويل و لكن محيط البداوة و الوحشية هو الذي منعه من المشاركة الفعلية في طرح حلول للأسئلة الكبيرة و الخطيرة، فالعراقي يمتلك دوما روحا للتمرد و الثورة على التقليد و الجامد فهو يكاد يكون البلد الإسلامي الوحيد الذي شهد صراع المدارس الفكرية العقائدية “الشيعية و المعتزلية و السنية” و حتى داخل المذاهب السنية “المالكية و الحنفية” و صراع المدارس اللغوية “المدرسة النحوية الكوفية ضد البصرية”، فالعراقي إنسان باحث و لكن بحثه هذا بحاجة لظروف موضوعية ليتحول إلى إبداع، فلنعرف الهوية العراقية بأنها حضارة إنسانية قديمة قائمة على حاجات الفرد و حقوقه و مقابل كل حق هناك واجبات يستطيع المواطن القيام بها بمجرد أن تقوم الدولة بأداء هذه الحقوق، و على العراقيين أن يعوا أن الأمريكيين لم يكونوا ليخسروا أمريكيتهم حينما كانوا ضمن التاج البريطاني لو لا أنهم كانوا يدفعون ضرائب من دون مقابل (حقوق) للتاج البريطاني و هو ما أدى إلى الثورة ضد البريطانيين، فمع الحقوق يكون الإنسان مالكا لهويته.