الرئيسية » مقالات » جدتي نَحاسة

جدتي نَحاسة

قلب جدتي نَحاسة رواية للشباب (14-20) سنة. تتحدث الرواية عن الحياة في حي شعبي بغدادي والعلاقات الأسرية، والصلة بين الأقارب والجيران. عن طموح الصغار والشاب ونشاطهم في تلك الفترة. دارت أحداثها في عام 1964. جاءت فكرة كتابة الرواية بعد تكليفي (جاسم سيف الدين الولائي) من قبل إحدى دور النشر المعروفة في ستوكهولم، الخاصة بالشباب والأطفال بترجمة بعض القصص والروايات وكتاب علمي إلى اللغة العربية. كان السؤال لماذا يقفز الشاب العربي وبشكل خاص الشباب العراقي النهم للقراءة من الكتاب المدرسي ومجلة الأطفال وقصص الجدّة إلى كتب وروايات طه حسين، نجيب محفوظ ، عبد الستار ناصر، حنا مينا وفرمان والتكرلي وسارتر وتولستوي وهمنغواي مباشرة دون أن يمروا بهذه الفسحة الجميلة بينهما؟ أدب الشباب نادر جدًّا في عالمنا العربي وثمة عطش شديد لكتاب الشباب في مكتبتنا العربية، وسوى بعض المؤسسات التي أنشأتها بعض الحكومات وبعض المؤسسات الكبرى والتي تعثرت بدورها ولم تستمر رغم الإمكانات المالية والتقنية الكبيرة التي وضعت لخدمتها، لكنها لم تؤسس لأدب حقيقي للشباب، هناك محاولات ذاتية ناجحة ولكنها لا تكفي.
ثمة في ذاكرة أي منا بستان خصب متروك هو الطفولة، ليس لدينا الوقت في العودة إليه إلا في بعض جلسات السمر والحنين الجماعية. حاولت العودة إليه ولا أدري إن كنت سأنجح أو أعود إليه حقيقة. كنت طفلاً حقيقيًا، أصغر من أصغر أولادي وبناتي حين أهملت نفسي وأهديتها لطفولتي في الستينات لأستعيد صور أصدقائي وأصواتهم وحركاتهم وجدّة صديقي عماد وهي تقص علينا قصصها. تركت نفسي تمامًا مدّة أسبوعين إجازة للطفولة لأخطط لرواية (قلب جدتي نَحاسة) وكتابة بعض فصولها. كنت استيقظ غبشًا، أرشّ الماء على وجهي وأغسله بالصابون وأغسل أسناني دون أن أنظر في المرآة، ثم آخذ حبة القلب الصباحية بعد قطعة خبز صغيرة وكوب القهوة، وأنهمك في الكتابة. في اليوم الذي اضطررت أن أنظر في المرآة لأن ثمة ضيف عزيز سأستقبله في ذلك اليوم صدمت بالشيب الذي ملأ رأسي وشاربي، وأنني لست ذلك الطفل الذي كان يلعب مع صبيان الرواية.
وبعد أن صبحّت عليّ أصغر (فاتنة) وقبلتني، اكتشفت أنها أكبر من شقيقتي (إكرام) التي كانت تغسل وجهي وتمشط شعري قبل ذهابي إلى المدرسة أيام الرواية عام 1964. حين كنا في عراق بريء غادرناه قبل 29 عامًا.
ملاحظة: أنا أحب الطفولة ولست أعبد الماضي.
جاسم الولائي



(هذه الحكاية روتها لي الجدّة أم حميدة عام 1959، وكنت في السادسة من عمري وهي جدّة صديق طفولتي عماد حازم الجنابي لأمّه، الذي انقطعت عني أخباره منذ 35 عامًا.

هذه الحكاية أعيدها رواية إلى روح تلك الجدّة الغالية وإلى ابنتها السيدة أم عماد “حميدة الجنابي” وإلى أبو عماد العم “حازم الجنابي” متعهما الله بالسعادة وطول العمر، وأحفاد تلك الجدّة البسيطة التي علمتنا روعة ما تصنعه الكلمات من شعر وحكاية وقصة ورواية فعشقنا اللغة العربية وآدابها، “عماد، عادل، أياد، نهاد، بشرى وعدوية”).



الفصل الأول.. الحكاية:

(هذا القصر الذي اشتراه عام 1928 جدّكم المهندس الحقيقي والأصلي الكبير عبد الرزاق إبراهيم الوزراء، ولقب الوزراء هذا ليس اسم عشيرة، فنحن من عشيرة العُبيد كما تعلمون، لكنّ جدّكم إبراهيم ومعه عبد الرزاق وباقي رجال العائلة كانوا يبدون كالوزراء في رجولتهم وهيبتهم وجمالهم، حتى الأطفال الصغار كانوا يبدون مثل أولاد وبنات الوزراء، ولهذا كان الناس يسموننا هكذا. المهم إنني أتحدث عن قصر أخي الشقيق، ابن أمي وأبي جدّكم عبد الرزاق الذي درس في الأستانة وألمانيا وأصلح قطار جلالة الملك فيصل الأول. هذا القصر كان جزءًا من بستان كبير. في هذا البستان حدثت قصّة من أجمل قصص العشق. ولو وعى عليها صاحب كتاب “ألف ليلة وليلة” لكان وضعها في كتابه وكانت أميرة قصصه وحكاياته ودرتها الفريدة. وقبل أن أقصّ عليكم الحكاية. أقول لكم إن جدّكم عبد الرزاق هو الأخ الأصغر لي وجاء على سبع بنات وأنا هي السابعة، ولم يبق في الحياة الآن، إلا أنا وهو وابني حمادي أبو عادل. وما زالت الأرجوحة التي كانت تلعب بها الأميرة موجود مكانها في حديقة ذلك القصر خاليًا، وقد حرص جدّكم عبد الرزاق أن يهتم بالشجرتين التي كانت تُعلق بين جذعيهما تلك الأرجوحة، وقد وعد جدكم أن يربط بين الشجرتين أرجوحة عالية كأرجوحة الأميرة لكل عروس من عرائس العائلة وسيطلب من صاحب النصيب أن يؤرجها بعد أن يطوّق جيدها بالياسمين ويضع سلة من الرطب في حضنها، كي تكون حياتهما عطرًا وعسلاُ. وٍسأُريكم إياها لكن ليس قبل أن تجلس وتتأرجح فيها فوزية وبعدها مسعى ثم الصغيرة هيفاء، حين يأتي أوان ذلك، وكل شيء في أوانه حلو.

تقول القصة: إن أميرًا وسيمًا وجميلاً كانت يملك البستان والقصر. كان الأمير مضربًا عن الزواج، وكان قد أقسم أنه لن يتزوج إلا تلك الأميرة التي تصل ضفيرتاها الذهبيتان حتى أصابع قدميها، التي رآها في أحلامه أكثر من مرّة وشغف بها أيّما شغف، حتى أنه زهد الحياة وجلس في قصره، وترك أمور الإمارة لأتباعه المخلصين. كان السرّ في هذا البستان أن اللصوص والمجرمين وأصحاب السمعة السيئة لا يستطيعون عبور سوره والدخول إليه، بينما يستطيع ذلك الدخلاء والفقراء وأصحاب الحاجة والمخلصون بسهوله ويسر كبيرين. لذلك اطمأن الأمير على قصره وبستانه، ولم يضع فيه إلا ناطورًا عجوزًا وبعض الفلاحين. الناطور العجوز يعيش مع زوجته العجوز في بيت صغير داخل البستان وقد سمح له الأمير أن ينام ليلاً مادام اللصوص لا يدخلون البستان وينشغل مع الفلاحين نهارًا، أما الفلاحون فيبيتون في دورهم خارج البستان.
في أحد الأيام وبعد صلاة الفجر ذهب الناطور العجوز راكضًا إلى قصر سيده الأمير الشاب، ليخبره أنه لم ينم الليلة الماضية لأن زوجته أصيبت بالبرد وأمسكت بها الرجفة، وكانت تشكو من آلام في كل عظامها وجسدها، وبقيت تتألم وتئن حتى الصباح، فسهر في خدمتها طوال الليل، يسخّن لها البابونج واليانسون وشراب الدارسبن، ويغطيها باللحف والبطانيات حتى أصبحت حالها أفضل. في تلك الليلة رأى وسمع العجوز العجب. كانت تصله أصوات موسيقى وغناء، لم يصغِ لمثل عذوبتها طوال حياته. في أول الأمر حسب أنه كان يتوهم، أو أن أُذُنيه كانتا تخدعانه، لكن الغناء والموسيقى ظلا مستمرين يطرقان أُذُنيه، وأحيانًا، كانا يزدادان ارتفاعًا، وتختلط بهما ضحكات أجمل من الموسيقى لا يمكن أن تكون إلا لفتيات بجمال ملائكة الجنّة. وحين سأل الناطور العجوز زوجته المريضة إن كانت تسمع ما يسمع، أيدته قائلة، إنها تسمع نفس الغناء ونفس الموسيقى، ونفس الضحكات الساحرة.
يقول الناطور العجوز للأمير:
خرجت من الدار إلى البستان. فوجدت الكثير من الدجاج وبكلّ الألوان، دجاجات بيض وسمر وحمر وسود وبُنيّة يعبرن سور البستان ويتسلقن أشجار البرتقال والتفاح والمشمس ونخيل التمر. كان الغناء والموسيقى والضحكات تصدر من تلك الدجاجات، وكانت الدجاجات يحطن مثل قلادة من الجواهر بألوان الماس واللؤلؤ والعقيق والزفير والشذر بدجاجة شقراء باهرة الجمال، ريشها وعرفها الوردي ومنقارها وساقاها وجناحاها أجمل من باقي الدجاجات. كن يتعاملن معها وكأنها أميرتهن. بعد قليل بدأت الدجاجات يقتربن من بركة الماء وسط البستان ويخلعن ثيابهن الريش. فإذا هنّ فتيات سبحان الخالق المصوّر وجلّت قدرته فيما خلق وأبدع من الجمال والكمال والفتنة والخفر، وبدت أميرتهن بعد أن خلعت ثوب ريشها، أميرة الأميرات في الحُسن والجمال والدلال والرقة. أول شيء فعلته الفتيات أن صنعن من حرير أتين به معهن أرجوحةً للأميرة علقنها بين نخلتين باسقتين. بدأت الأميرة تتأرجح عليها بهدوء وتتمايل مثل غصن الرمان. ثم أخرجن آلات موسيقية، عيدانًا وكمانات ونايات وطنابر لم ترَ عيني آلات بجمالها ودقة صنعها وعذوبة ألحانها. آله تضحك، آلة تشكو، آله تبكي، آلة تُعاتب، آله تحنّ وأخرى تئن، وهكذا مولاي الأمير. أخذت الأميرة وصويحباتها يسبحن برشاقة في بركة البستان، كنّ يُضِئن ماء البركة بنورهن، وكانت أميرتهن أشدهن نورًا. أكلن طعامًا جلبنه معهن، ولم يمسسن فاكهة البستان أبدًا. بعد أن انتهين من الغناء والحديث والسباحة واللعب والطعام، رتّبنَ المكان وأعدنه أكثر نظافةً ممّا كان، وفككن أرجوحة أميرتهن، ورفعن سفرة الطعام، ثمّ عدن إلى ثياب الريش الموضوعة على أشجار البستان وقمن بارتدائها من جديد، أخيرًا قفزن وعبرن السور وخرجن من البستان قبل أن يظهر الخيط الأول للفجر تمامًا.
حين وصف الناطور العجوز الأميرة بينهن، بأنها شقراء طويلة رشيقة وذات شعر ناعم أشقر ينسدل منحدرًا كشلال ذهب حتى أصابع قدميها، شهق الأمير وأغمي عليه لأنها كانت نفس أوصاف الفتاة التي رآها في أحلامه، فانتظرها طويلاً وأضرب من أجلها عن الزواج، بل كانت هي الفتاة ذاتها.
في اليوم التالي قرر الأمير أن يشهد زيارة الأميرة وصاحباتها إلى بستانه بنفسه. اختبأ في بيت الناطور وانتظر حتى انتصف الليل. وبالفعل جاءت الدجاجات ونزعن ثياب ريشهن، وتعرفون البقية. لكن الأمير ولأنه شاب وسمعه قوي ومرهف، وليس عجوزًا مثل الناطور سمع حديث الأميرة وصاحباتها، حين سألنها، متى تتزوج. فأجابت أنها لن تتزوج إلا من شاب أمير، ولن تتزوج إلا على سرير من ذهب وفراش من حرير هندي ووسائد من ريش نعام تحت ثريا من الماس.
في اليوم الثالث أمر الأمير أتباعه بأن يصنعوا له سريرًا من الذهب عليه فراش من الحرير الهندي ووسائد من ريش النعام وأن يعلقوا في سقف الغرفة ثريا مصنوعة من الذهب والفضة والألماس. وفي عصر ذلك اليوم اتفق الأمير مع مجموعة من حرسه الأشداء أن يختبئوا في مكان أمين في بستانه ويجمعوا ثياب الريش حال خلعها من على أشجار البستان ويحرقونها فورًا. لكن الحراس استعجلوا وجمعوا كل ثياب الريش الخاصة بالدجاجات الأخريات إلا ثوب ريش الدجاجة الأميرة التي لم تكن قد خلعته بعد، فتمكنت من الهرب بينما أسر الأمير باقي الدجاجات وبنا لهن قصرًا جميلاً وكبيرًا في بستانه.
مرض الأمير وسكن قلبه الهم والغم لضياع حبيبته التي كان يراها في أحلامه إلى أن نصحه الناطور العجوز أن يُخبّئ عند كل نافذة ومدخل وعند كلّ باب من القصر الجديد حارسًا قويًا، ولكن شرط أن لا يراه أحد، لأن الأميرة ستعود إلى القصر حتمًا لأنها ستشتاق إلى صاحباتها الأسيرات في القصر فتزورهن. وقد فعل الأمير بنصيحة ناطوره فوضع الحرّاس وجاءت الأميرة وتسللت إلى القصر وبدأت وصاحباتها البكاء والحنين.
تمكن الأمير من أسر حبيبته الجميلة وأخذها بثوب ريشها إلى قصره وطلب منها أن تخلع ثوب الريش وتلبس ثياب الحرير التي جلبها لها من كل بلدان الدنيا في الشرق والغرب. رفضت الأميرة أوامر الأمير، فرفع بوجهها سيفه وهددها بقطع رأسها إن لم تنفذ ما أمرها به. فقالت له إنها مستعدة للموت، فحبسها في الغرفة التي وضع فيها سرير الذهب. بقيت في الغرفة أسبوعًا كاملاً. حنّ قلب الأمير عليها، فذهب إليها وأخبرها أنها تستطيع أن تغادر القصر متى شاءت وأن تأتي متى شاءت بعد ذلك ومعها ثياب ريش جديدة لصاحباتها الأسيرات لتأخذهن معها، وفوق ذلك سيترك البستان كل ليلة لهن دون حراسة أو رقيب، فليجئن آمناتٍ مطمئناتٍ دون أن يتعرّض لهن أحد. لكن الأميرة اكتشفت بعد ذلك أنها قد عشقت الأمير فعلاً ودون أن تشعر، وأنها ستموت شوقًا إليه إذا فارقته. فقالت له إنها يمكن أن تتزوج منه شرط أن يزوّج جميع صاحباتها المحجوزات في القصر من أمرائه ووزرائه وقادته وأصدقائه الذين يحبهم فوافق على شرطها وتزوجها وزوّج صاحباتها.
وعاش الجميع بسعادة وسلام.

أنهت الجدّة نَحاسة حكايتها والأطفال مذهولون وأفواههم مفتوحة من الدهشة.
– وبعد يا جدّة؟ (سأل عادل جدّته والفضول يلمع في عينيه).
– انتهت الحكاية يا عدّولة، (أجابت الجدّة). ماذا بقي بعد زواج الأمير والأميرة؟
– اليوم سأصعد إلى السطح، (قال أياد). وأذهب إلى قفص الدجاج، وأمسك أحلى دجاجة وأنزل بها وأضعها على السرير، وأأمرها بأن تنزع ثوبها الريش.
– وإذا لم تنزعه؟ (سأل عماد).
– آخذ سكينة من المطبخ وأهددها بالذبح، (أجاب أياد).
– وإذا عاندت ورفضت؟ (سأل نبيل).
– سأضع السكينة على رقبتها لتخاف أكثر، (قال أياد).
– وإذا ذرقت على الفراش من شدّة الخوف؟ (سأل باسم).
– سأذبحها وأدعوكم على تشريب دجاج على العشاء.
فضجّ الجميع ضاحكين.)