الرئيسية » مقالات » سفراء الولايات المتحدة ..وأشواك اليسار المتمرّد

سفراء الولايات المتحدة ..وأشواك اليسار المتمرّد

تعاني السياسة الامريكية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر حالة من التخبط والفوضى برزت بشكل ملفت للنظر بعد إحتلال كل من العراق وافغانستان بطريقة همجية تدعو العالم المتحضر الى التفكير مليّاً في شكل النظام الذي يقود دولة تعتقد انها تنتمي اليه اي الى هذا العالم المتحضر …

فبعد مرور سبع سنوات على تلك الكارثة التي حلت بمركز التجارة العالمي وغيره بدأت تتوضح الصورة لفئات واسعة من الشعب الامريكي من خلال وسائل الاعلام او من خلال الافلام وإستطلاعات الرأي التي تشير الى ان أكثر من خمسين في المئة من هذا الشعب غدا واثقاً من ان الفاعل الرئيسي لهجمات الحادي عشر من سبتمبر هو جهاز المخابرات الامريكية ال سي آي اي نفسه وان التهم التي وجّهت للاسلام السياسي ونظام صدام كانت بمثابة كذبة اريد بها تمرير احتلال بعض البلدان وفرض الامر الواقع على المجتمع الدولي بما يناسب مصالح الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة لا غير …

لقد جعلت هذه الاساليب الشعب عاجزاً عن ابداء الثقة بأي مسؤول سواء أكان جمهورياً أم ديمقراطياً بعد موجة الفضائح التي تناولت طريقة تعاطيهم مع القضايا المصيرية للشعب الامريكي بما فيها أمن مواطنيهم الذين دفعوا ثمن عملية قذرة ارادت مخابرات الدولة تحميل مسؤوليتها لطرف اجنبي ، ففقدت الولايات المتحدة رصيدها من الاحترام في العالم بل وغدى ذكر اسمها مرادفاً للارهاب والاحتلال والقمع بأشكالهِِ المختلفة ، كما فضح الجنود العائدون من العراق عمليات الجيش الامريكي في العراق وطريقة تعاطيها مع السجناء والمعتقلين بما يتنافى مع ابسط حقوق الانسان وأكثر من ذلك عندما فضح هؤلاء الجنود قيادتهم العسكرية واتهموها بأنها تقف وراء أغلب الانفجارات التي تحدث في العراق وخاصة في الكنائس والمساجد وإثارة الفتنة على أشدها في هذا البلد الذي يشكل فسيفسائهِ الديني والقومي مصدر حقد وازعاج لحكام الولايات المتحدة الذين يشعرون بحجم العنصرية والكراهية التي بدأت تظهر في مجتمعهم الى السطح في المؤسسات الحكومية وأسواق العمل والساحات العامة والتي دفعتهم في اللحظات الاخيرة من الانتخابات الرئاسية الحالية الى ابراز اوباما على السيدة كلينتون لاستيعاب حالة العداء والكراهية السائدة ، وربما تقود انتخاباتهم الكارتونية وصول هذا الرجل الى البيت الابيض الذي تلعب الاوليغاركية المالية دور الحاكم العسكري الفعلي للدولة مهما اختلف وجة الرئيس ابيضاً كان أم أسوداً …

كما وساهمت الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة في العالم من اجل مصالحها المادية والمحافظة على اقتصادها الى مزيد من الانحدار في سياستها حتى وصلت الى مرحلة لم تعد الكثير من دول العالم تتخوف من الاجراءات التي قد تتخذها هذه الدولة ضدها بسسب قناعة هذهِ الدول في ان المجتمع الامريكي اصبح عاجزاً عن رفد آلة الحرب بالمزيد من المرتزقة لخدمة مصالح الاوليغاركية التي تمعن في كذبها وتشويهها للحقائق الدولية على هذا المجتمع …

لقد ادركت معظم دول العالم الطبيعة العدوانية التي يتحلى بها ساسة الولايات المتحدة ونظرتهم الاستعلائية للغير حتى وصلت الامور الى ان تقوم القائمة عليهم من حديقتهم الخلفية أمريكا اللاتينية التي تحولت بحكم الدروس والعبر الى دول مناهضة للولايات المتحدة على شكل أشواك يسارية متمرّدة ودفعتهم الى عدم الثقة في سفراء الولايات المتحدة وطردهم الواحد تلو الآخر بطريقة مُذلّة كما حدث لهم في بوليفيا وفينزويلا وتبعتهم الهندوراس بوقف استقبالها للسفير الامريكي الجديد ومن غير المستبعد ان تحذو بعض الدول الامريكية الجنوبية حذو بوليفيا ، بل وقد يذهب الامر الى مطالبتها بتغيير مكان المنظمة الدولية للامم المتحدة ونقلها من البلد الذي تجسس على اكثر مندوبي الدول عبر تاريخ وجودها على اراضيها ،انها سياسة قد يتبعها اغلب دول العالم للحد من النزعة الاستعمارية التي تهيمن على السياسة الخارجية لهذه الدولة ، لقد أصبح من الممكن عملياً لجم هذهِ السياسة وطريقة دول أمريكا اللاتينية قد تكون فاتحة لمحاصرة هذه السياسة وجعل الولايات المتحدة تمارس دورها الطبيعي لا ان تقفز على موازين القوى وتتدعي احقيتها بحكم العالم انطلاقاً من نظرتها المتعجرفة تلك …

ان هناك عوامل عديدة دفعت بالامور كي تصل الى هذا الحد من التعاطي مع نتائج السياسة الامريكية التي غدت اوضح صورة من السابق لحلفائها قبل اعدائها ، ففي افغانستان تحارب الولايات المتحدة أشباحاً لا يمكن الانتصار عليهم وتضخ وزارة الدفاع الامريكية ميزانية خرافية لحرب لا طائل منها ونجح من استدرجها لتلك الرمال في جعلها تتلقى خسائر ستبقى لفترة طويلة تعاني من نتائجها كما تشهد حرب العراق افراغ كل الوعود التي قطعتها على نفسها من محتواها فلا حقوق الانسان ولا العمليات الارهابية تجعلان من صورة هذه الدولة في التحسن بل تعمق مأزقها السياسي وتفضحها حتى أضحت لا تفكر سوى في المعاهدة والخروج بأي عقد نفطي لها قبل ان تتعرض الى هزيمة مدوية وقد يطرد سفيرها من العراق فور انسحاب جنودها وقد تلغى جميع الاتفاقيات معها كما حدث لبريطانيا التي تم سحق هيبتها عالمياً في العراق وغابت الشمس عن مستعمراتها تدريجيا حتى أصبحت تابعاً للولايات المتحدة ومعزولة عن محيطها الاوربي نتيجة هذهِ التبعية العمياء ..

لقد تحكمت السنوات السبع الماضية في طبيعة وجود الولايات المتحدة كقوى عظمى لا سيما بعد ان بدأ عدد حلفائها بالتقلص حتى انه سيصل نهاية العام الجاري الى عدد لا يتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة في حربها على ما تسميه بالارهاب رغم يقينها انه لم يكن هناك ارهاباً يهددها من الاصل وكذلك فان اصوات حلفائها بدأت تأخذ طابعاً تهكمياً عما كان عليه في السابق بعد ادراكهم ان من يقود هذه الدولة لا يفكروا سوى في مصالحم فقط دون اي شئ ، والحرب الاخيرة التي اراد رئيس جورجيا من خلالها جس نبض العسكرية الروسية كانت من دعم لا محدود من الولايات المتحدة واسرائيل بعد ان تمكنت من وضع يدها على الحكم في تلك الدولة التي يحكمها مراهق اراد ان يكون جنديا مطيعا للولايات المتحدة حتى انه اطلق اسم بوش على احد الشوارع الرئيسية للعاصمة تبليسي بينما يلقى هذا الاسم نفوراً رهيباً حتى في الدول الحليفة كألمانيا التي شبهت وزيرة العدل السابقة فيها جورج بوش بأدولف هتلر !!

كما وارادت معظم العواصم الاوربية النأي بعيداً عن طيش واشنطن في استفزاز روسيا التي تمتلك عمليا اوراق من شأنها جعل دول الاتحاد الاوربي تعيش ازمة اقتصادية خانقة وربما تهدد الاتحاد الاوربي ككيان ان ارادت موسكو الذهاب بعيداً في عقوبتها لاي موقف لا يأخذ بنظر الاعتبار مصالح روسيا السياسية وحتى الاقتصادية .

ان الواقع الحالي للسياسة الامريكية يوحي بأنها بدأت عملياً تفقد سيطرتها على المشاكل الدولية التي تعتبر الآن جزءاً منها ولا يمكنها المساهمة في حل اياً منها انطلاقاً من هذا ألاعتبار وبإمكان الكثير من الدول العربية اليوم ان تحذو حذو دول امريكا اللاتينية في طرد سفراء الولايات المتحدة ان سمحوا لانفسهم بالتدخل والتجسس كما يحدث في لبنان والسعودية والاردن ومصر والمغرب وباقي المشايخ والامارات الخليجية والتي اصبحت تحكم فعلياً من قبل هذه السفارات دون ان تتمكن الشعوب من الاقدام على اي فعل من شأنه الخلاص من تحكمها …

لقد أدركت الحكومة في بوليفيا ان السفير الأمريكي فليب كولدنبيرغ ليس الاّ مفتاح للفتنة على اراضيها كما فعل في وقت سابق في صربيا عندما عُين مبعوثاً أمريكياً الى كوسوفو وقررت الخلاص منه قبل ان ينجح في زرع بذور الفتنة التي قد تؤدي الى تقسيم البلاد كما حدث في يوغسلافيا ، وأصبح سفراء الولايات المتحدة اناس غير مرغوب بهم في معظم دول العالم ويطرد الواحد تلو الآخر دون ان تتمكن ادارة بوش من فعل اي شئ ، لم يحدث ذلك حتى لسفراء صدام وهتلر لكننا نراها تحصل لتلك الجوقة التي تمرست في افتعال الفتن والمشاكل على الساحة الدولية من أجل مصالحها الاقتصادية …

والمتتبع لمجريات الامر لا يستغرب التقاط الروس لهذا النوع من الفرص حتى تتمكن من اقامة تحالف عسكري شبيه بحلف الناتو مع دول امريكا اللاتينية رداً على ما يحدث من عملية توسيع للحلف بالقرب من اراضيها وبالتحديد في اوكرانيا وجورجيا ، كما ان طبيعة الصراع تفرض على روسيا الاخذ بنظر الاعتبار اي تمرد دولي على الادارة الامريكية لمصلحتها ، فحكم القطب الواحد للعالم يدخلهُ في مأزق وقد يستكين الامر بإحداث نوعاً من التوازن الدولي الذي قد يثمر بنتائج ربما تجعل من البلدان المحتلة والمستعمرَة تتنفس الصعداء لتوازن القوى ويقود الامر الى تحررهم …

التعويل على الشعب الامريكي ومظاهراته يمثل أمراً في غاية السذاجة لان نظام الحكم في الولايات المتحدة لا يسمح بأي صوت يطالب بالديمقراطية الحقيقية وتشكيل الاحزاب يصل حتى لولاية مجاورة فكيف يسمح له بالوصول الى العالم كما ان حالة التعتيم الاعلامي وتكميم الافواه تمنع الرأي العام العالمي من الاطلاع على حقيقة الوضع السياسي والانساني في هذهِ الدولة .

حتى القادة النقابيون واليساريون الذين يطمحون لتشكيل منظمات واحزاب يتم اغتيالهم على ايدي عصابات تابعة للاف بي آي وبمقابل مادي بسيط ولا يذكر شيئاً عن تلك الحوادث حتى في صفحات الحوادث العادية واخبار الموتى ، يتم انتقاد الرئيس لانه ليس الحاكم الفعلي ..كما يتم انتقاد باقي افراد الدولة لنفس السبب غير ان أحداً لا يمكنه نقد طبيعة النظام الحديدي وخرقهِ للحريات وحقوق الانسان لانه سيواجه جملة من التهم قد ينتهي به الامر في مستشفى للمجانين والمعتوهين لانه ضرب كبد الحقيقة …

ولا يمكن لكل هذهِ الامور ان تبرز الى السطح بشكلها الحقيقي الاّ بعد خروج منظمة الامم المتحدة من الاراضي الامريكية فوجود هذه المنظمة يستخدم كذريعة لترهيب اي صوت يطالب بالحرية ويتم قمعه بحجة الحفاظ على العاملين في الامم المتحدة ، وهو ما قد يحدث عملياً في المدى القريب بعد ان تكون معظم دول العالم قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية بهذا النظام وسحبت سفرائها حينها سيكون بوسع كل من روسيا والصين المطالبة بنقل مكان المنظمة الدولية الى مكان آخر اكثر أماناً وحيادية …

قد تبدو الفكرة صعبة للغاية لكنها تصبح منطقية مع كل تصرف أمريكي حيال القضايا الدولية ،ولو قُدّر ان إزداد عدد الدول التي تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة فان العالم سيكون امام واقع دولي مختلف حيث سيلجأ مجلس الأمن في تلك الحالة لنقل بعض او أغلب جلساتهِ الى دولة اوربية على إعتبار رفض الولايات المتحدة منح مندوبي تلك البلدان تأشيرة دخول لاراضيها وسيجعل من فكرة نقل المقر العام للمنظمة الدولية للامم المتحدة امراً جديراً بالتفكير بل وسيصبح ضرورة ملحة ..



ان طبيعة العلاقة التي تتحكم بوجود منظمة الامم المتحدة على الاراضي الامريكية والنظام العالمي الجديد الذي فشلت الى حد بعيد في نشرهِ يدفع الكثير من ساسة الدول الى الخلط بين وزارة الخارجية الامريكية ومنظمة الامم المتحدة حتى ان البعض منا يعتقد ان هذهِ المنظمة أصبحت مرآة عاكسة لمطالب السياسة الامريكية تنفذ ما يطلب منها المندوب الامريكي وتؤثر في طبيعة القرارات المُتَخذة في أغلب الحالات …

وهو ما حدث في الكثير من المشاكل التي تصدّت الامم المتحدة لحلّها لا سيما بعد انتهار الحرب الباردة وبالتالي يدفع عملياً أغلب الدول لفقدان الثقة بهذهِ المنظمة والمؤسسات المتفرعة عنها ،بل ان تواجدها على الاراضي الامريكية بالتحديد في هذا الظرف الدولي القائم على سيادة القطب الواحد جعلها تفقد مصداقيتها حتى وان ارادات بعض الدول ضخ الحياة فيها واعتبارها مصدر الشرعية الدولية ، ولا يبدو في المستقبل المنظور اي أمل في ان تكون هذهِ المنظمة قادرة على وضع حد للصراعات الدولية طالما انها تتعامل مع القضايا الدولية من منظور انتقائي أمريكي بالتحديد مما يجعل من مقترح نقلها الى دولة أخرى أكثر جدّية إذا ارادت الدول الكبرى تجنب المواجهة والدخول في صراع جديد لا يعلم أحداً عواقبه …