الرئيسية » مقالات » لهذه الأسباب سقط الاتحاد السوفياتي وعلى هذا النحو سيزول البعث!

لهذه الأسباب سقط الاتحاد السوفياتي وعلى هذا النحو سيزول البعث!

مقدمة
من قرأ Apologie أي محضر دفاع سقراط[399-469 ق م ]عن نفسه اثناء المحكمة الصورية و غير العادلة التي جرت فبركتها ضده من قبل لجنة مصغرة،مؤلفة من عدة أشخاص في أثينا،سوف يستنتج مدى عبقرية ودهاء هذا الفيلوسوف اليوناني الفذ الذي سبق عصره بكثير. يتفق غالبية الفلاسفة والمؤرخين ان سقراط اتهم من قبل تلك اللجنة: رفضه السجود وطاعة تلك الآلهة التي قررت الدولة في أثينا عبادتها وبالتالي فرضها على عامة الشعب،بل إيجاد آلهة جديدة،وتأثير تعاليمه في فساد الشباب في المدينة-الدولة Polis.فقد زعمت تلك اللجنة التي اعتبرت نفسها ظل الله على الارض وكونها حصلت على تفويض للتكلم بأسمه،عدم إيمان سقراط بأن الإله زيوس يسكن تلك السحب المتناثرة في السماء العالية!!!. وبعد صدور الحكم عليه بتسميمه،استقبل سقراط قرار المحكمة بسعادة قائلا: “سوف يكون من حقي و أنا في الآخرة،أي عالم الخلود، دائما طرح الأسئلة، دون أن أموت بسببها” وقال أحدهم،الذي عرف سقراط عن كثب عن ذلك الحكم الجائر : لقد توحد كافة المخادعين والنصابين في أثينا ضد سقراط،بدلا من معالجة الأوضاع المأساوية السائدة.لا نسعى للدخول في جدل فلسفي او بيزنطي،بل.تحليل ظاهرة سقوط الاتحاد السوفياتي كتشكيلة اقتصادية-سياسية واجتماعية، ليس من وجهة نظر المراقب العادي وبصورة سطحية،بل بشيء من العمق واستجلاء خفايا الأمور والأسباب الحقيقية لذلك السقوط المدوي الذي هز العالم،كما هزت ثورة أكتوبر العالم في عشرة أيام وحسب تعبير الكاتب الأمريكي جون ريد. من يعتقد أن غورباتشوف كان خائنا أو عميلا للأمريكان وباع مبادئ الاشتراكية فهو يجافي الصواب ويتصرف كالشخص الذي لايرى من الغابة سوى شجرة واحدة أو لايستوعب من الظواهر سوى القشور والزبد.فالسيد غورباتشوف كان وطنيا إلى أبعد الحدود، يحب ويعشق روسيا والدولة السوفياتية بكل جوارحه،لهذ السبب بالذات بدأ بسياسة ونهج البيريسترويكا أو إعادة الاعمار والإصلاح ،بما فيها الغلاسنوست أي العلانية والمكاشفة.ولكنه لم يأخذ في الحسبان أن النظام السوفياتي بكافة خصائصه وسماته المعروفة لدينا كان قد استفذ مقومات وجوده تاريخيا،أصابه الترهل والعجز عن تقديم الحلول الناجحة لكافة المشاكل والمعضلات المستعصية جدا التي واجهت المجتمع السوفياتي آنذاك و بحكم التراكمات الطويلة الأمد كما ونوعا.يطلق على هذه الظاهرة الفلسفية- الاجتماعية في اللغة الروسية تسمية أو مصطلح: изжит себяوباللغة الألمانية: sich überholenوهو يستخدم لكافة الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي وبحكم التناقضات الداخلية ذات الطابع التناحري عاجز عن مواكبة قوانين التطور الموضوعي التي تتحكم في تطور المجتمع البشري،وبناء على ذلك عليها مغادرة مسرح التاريخ واخلاء المكان لمنظومة او تشكيلة أخرى جديدة، قادرة على تأمين أطر اقتصادية،سياسية،قانونية عصرية وحديثة لتحرير المجتمع من أغلاله وقيوده التي كبله بها النظام السابق ودفعه نحو الأمام لبلوغ آفاق رحبة أكثر تطورا وديناميكية في تقديم الحلول المعقولة لهذا المجتمع أو ذاك.فالجديد يحل محل القديم :فالكومبيوترات الحديثة وببرامجها وخصائصها المعروفة لدينا تحل محل تلك القديمة ذات الأنظمة البطيئة ونظام التخزين المحدود والوظائف القليلة.وعلى هذا النمط حل مجتمع الرق أو العبودية محل المشاعية-البدائية والإقطاعية محل العبودية والرأسمالية محل الإقطاعية ولكن تجربة 73 سنة لإحلال فيما تسمى بالإشتراكية محل الرأسمالية أو اقتصاد السوق الحر انتهى بالفشل الذريع.
البنيتين التحتية والفوقية Базис и надстройка
البنية التحتيةБазис-
وهي تشمل العلاقات الإقتصادية،شكل أو نمط الإقتصاد القائم وما ينتج عنه من دخول الناس في علاقات انتاجية متبادلة ومختلفة،تترك تأثيرا كبيرا على مختلف جوانب حياتهم ،تفكيرهم،سجاياهم عاداتهم،تقاليدهم،سلوكهم وإلخ.ولأهمية العامل الإقتصادي، يؤكد المختصين ان الفئة أو الشريحة الاجتماعية المسيطرة اقتصاديا،فهي سوف تكون مهيمنة سياسيا أيضا وهذا استنتاج منطقي وفلسفي غير قابل للدحض.
البنية الفوقية Надстройка-
وهي تعبير أو انعكاس للبنية التحتية وتجد تجسيدا لها في السياسة و الأيديولوجيات والأفكار السائدة والمؤسسات الدينية و الحقوقية،بما فيها الدولة بحد ذاتها وإلخ.
لفهم ميكانيزم أو آلية سقوط الاتحاد السوفياتي يجب البحث ليس في الأفعال الإرادية أو غير الإرادية لغورباتشوف وغيره من القادة السوفيات في السنوات الأخيرة،وإنما في القوانين التي كانت تسير البنية التحتية للمجتمع السوفياتي،أي في الاقتصاد بالذات وليس في مكان آخر.فحسب تعبير لينين الذي مازال يحتفظ بصحته: ان السياسة ماهي إلا تعبير مكثف عن الاقتصاد،هناك علاقة ديالكتيكية متبادلة بين السياسة والاقتصاد،مع العلم أن الاقتصاد يلعب دورا أساسيا في تلك العلاقة القائمة. أن مفتاح أو لغز أسباب سقوط الاتحاد السوفياتي وانطلاقا من قناعتنا الراسخة يكمن في الجانب الاقتصادي للأسباب التالية:
1- الطابع الجماهيري أو الشعبي للإنتاج،أي الملايين من العمال والفلاحين كانوا ينتجون الخيرات والثروات المادية في المجتمع السوفياتي والجوهر البيروقراطي-النخبوي والضيق لإستهلاك تلك الثروات.بتعبير آخر الشريحة العليا في الحزب الشيوعي السوفياتي،جهاز الاستخبارات وكبار ضباط الجيش والموظفين ويطلق عليهم بالروسية تسمية: Номенклатура،فضلا عن جيش المنافقين،الكسالى والدجالين والثوريين المزيفين( ماعدا فئة قليلة جدا) والإنتهازيين وصعاليك مختلف بقاع الأرض من الأحزاب التي كانت تسمى بالشيوعية والعمالية في بلدان العالم الثالث، كانوا يستغلون جهد وكدح الشعب السوفياتي بصورة أنانية وجشعة للغاية، تحت ستار محاربة الامبريالية والرأسمالية المزعومة وعلى طريقة دونكيشوت سيرفانتس.أي كان هناك تناقض واضح جدا بين علاقات الالنتاج،التي من المفروض أن تكون اشتراكية تلبي حاجات الناس والقوى المنتجة التي كانت تتألف من الناس البسطاء وعامة الشعب.
2- أقدمت تلك الشريحة وبحكم سيطرتها السياسية وتحكمها بمقاليد الأمور ولغاية إدامة هيمنتها على المجتمع على إقامة سلطة سياسية ديكتاتورية،شمولية واستبدادية ولكن بأسم الطبقة العاملة والفلاحين المزعومة واصدار قوانين وتشريعات تنسجم مع توجهاتها وأيديولوجية الحزب الواحد ولكنها لم تدرك أو لم تريد استيعاب ان قراراتها وفرماناتها الإدارية التعسفية تعرقل من تطور القوى المنتجة( أي غالبية الشعب) وتجعل منها أسيرة أطر بيروقراطية-تكنوقراطية وفئوية تحد من حريتها وحقها المشروع في التعبير عن نفسها في جو أفسح من الحرية والحقوق المدنية.
فعندما يبلغ التناقض بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج السائدة إلى نقطة اللاعودة( الذروة،القمة-пик )لابد من حدوث طفرة أو تغيير في المجتمع إما على شكل ثورة،انتفاضة أو قلاقل وتحركات اجتماعية-سياسية تطالب بتغيير تلك القيود والحواجز المصطنعة التي وضعتها السلطة السياسية،كونها تتجاوب مع مصلحتها الضيقة ولكنها في الوقت نفسه تتناقض مع مصلحة السواد الأعظم من الناس وهذا ماحدث في 1991 في الاتحاد السوفياتي وما يحدث الآن في سوريا وفي كافة الأنطمة القمعية الأخرى.
ونظرا لأن كاتب هذا المقال قضى سنوات شبابه تحت ظل حكم ديكتاتوري استبدادي كالبعث في سوريا و10 سنوات في النظام السوفياتي( حيث ان الاقتصاد في النظامين ذات تخطيط مركزي مع هامش ضيق للقطاع الخاص في سوريا) و18 سنة في نظام الاقتصاد الحر مع كافة الحريات والحقوق الليبرالية والمؤسسات الدستورية والمدنية ومعايشتها في الواقع وبالتجربة اليومية وليس بالشعارات المضللة والطنانة والرنانة كما في الاتحاد السوفياتي السابق واستنساخها من قبل البعث السوري، فهو دون شك يستطيع التوصل إلى اسنتاجات منطقية وصحيحة من خلال مقارنة خصائص الأنظمة الثلاثة أو على الأصح نظامين ونصف!.
فمجتمع اقتصاد السوق الحر ودون تدخل الدولة يتطور وفق قوانين موضوعية وديالكتيكية، أي انه يؤمن اطار معين لوحدة وصراع الأضداد،أي تنافس وتصارع مختلف القوى ضمن آليات السوق،في مجتمع واحد وحسب القوانين السائدة وبشكل سلمي-ديمقراطي ودون اتخاذ العنف وسيلة للترويض القسري والسيكولوجي للشعب. وهو يعطي الفرصة والأمكانية لتعايش وتفاعل مختلف الآراء وطرح أسئلة وأفكار وكما طالب بذلك سقراط أنذاك وبكل حرية، دون ان يسجن أو يقتل صاحبها بسبب ذلك. لأن فلاسفة الاغريق القدماء مثل هيراقليط و مؤسسي مدرسة مدينة ميليت سنة630 ق م وضعوا سر تطور المجتمعات الغربية الذي يتلخص في: الصراع والتناقض هو أب أو أساس الأشياء، بكلمات أخرى تنازع وتصارع الأضداد أو الأراء والأيديوجيات في ذات المجتمع وضمن الحدود السلمية والقانونية هو محرك تطور كافة المجتمعات البشرية.فقوىالمعارضة والحكومة في المجتمعات الغربية تتنافسان ضمن إطار البرلمان وخارجه بشكل سلمي هادئ وديمقراطي،لأن الأفضل والأرقى والأقرب إلى مصالح الشعب هو الذي يفرض نفسه ويفوز في الانتخابات ومن خلال صناديق الاقتراع والتصويت السري وحسب القوانين والدساتير السائدة ودون تحريك الدبابات أو تنظيم انقلابات.وكما نلاحظ أن تعدد الألهة في الميثولوجيا اليونانية انعكست في التعددية السياسية واصبح جزء من التراث السياسي والثقافي لهذه الدول وشيء طبيعي أثر على نمط وسيكولوجية الانسان الغربي.
أما في النظامين البعثي والسوفياتي وللأسباب المذكورة أعلاه يمنع على الناس طرح أسئلة محرجة وتبني أيديولوجيات أخرى وأفكار متناقضة مع المذهب السائد وعبادة ألهة أخرى ماعدا تلك التي شرعتها الدولة وبذلك تم الغاء أو مصادرة مقولة التناقض والصراع والتنافس الحر والديمقراطي الذي يكفل تطور المجتمع بشكل حلزوني أي نحو درجات أرقى واعلى في سلم التطور الإجتماعي.وليس غريبا أبدا ظهور شعارات ومفاهيم القائد أو الإله الأوحد والأمين حافظ الأسد وبعده بشار إلى الأبد وصدام حامي البوابة الشرقية وبطل الجحور،فضلا عن شعارات الحزب القائد وأن الشعب والحزب وحدة متكاملة في الاتحاد السوفياتي سابقا.** ولهذه الأسباب تماما قام ستالين في الثلاثينات بحملة قمع وارهاب وتنكيل بحق المثقفين والكتاب والأطباء تحت ستار :أعداء الوطن والثورة، لأنهم ا تجرأوا على طرح أفكار مغايرة للنهج والقوالب الستالينية الجامدة والمتحجرة،حيث أن تروتسكي وهو في قبوه في المكسيك لم يسلم من بلطجة وارهاب رجالات ستالين في الأربعينات،الذين انهالوا على جمجمته بالفأس،أملين في تهشيم وتصفية أفكاره أيضا.وبناء على نفس النهج الأخرق والخاطئ طالب ميشيل عفلق مؤسس البعث وعراب النازية السورية بما يلي: لايكفي محاربة فكرة ما كي تختفي من الوجود،بل يجب تصفية حاملها جسديا،أي حسب فلسفته التوليتارية والديكتاتورية التي مازال البعث السوري يطبقها بكل عنف وارهاب لامثيل له:الغاء مقولة التناقض وفسح المجال أمام تنازع وتفاعل مختلف الأراء والأفكار التي تكفل إحداث نقلة كمية ونوعية في المجتمع السوري نحو التعددية السياسية والديمقراطية، دولة القانون والمؤسسات المدنية،يتمتع فيه الشعب الكردي بحقوقه القومية المشروعة ودون حكم المافيا و أخطبوط الاستخبارات التي تتكاثر بوتائر لامثيل لها، كما يزداد الفطر بعد هطول المطر.***

*د. آلان قادر حقوقي وكاتب كردستاني- عضو اللجنة القيادية في حركة التغيير الديمقراطي الكردستاني- سوريا
النمسا أيلول 2008
** هذه المقالة لا تقلل بأي شكل من الأشكال من قيمة الشعب الروسي، الذي نكن له كل الإحترام والتقدير
*** لقد أثار دهشتنا حقا ولكن ليس عدم استيعابنا المقالة المملوءة بالأخطاء المنطقية والسياسية والاقتصادية التي نشرها د.خلف الجراد الذي درس في الاتحاد السوفياتي في جريدة الثورة السورية / تاريخ 25.08.08/ بعنوان: استراتيجية الحصار والتفكيك إلى أين؟ زاعما فيها أن أمريكا والغرب خططوا منذ ستين عاما لإنهاء المنظومة الاشتراكية ولكن دون إيراد أي شيء يدعم مقولته!!!!! فكما أوضحنا أعلاه سقط النظام السوفياتي من جراء تناقضاته الداخلية المستفحلة أماالعامل الخارجي لعب دورا ثانويا فقط وليس أساسيا.ويتذكر جميع زملاءنا الطلبة الذين تخرجوا من هناك كيف أن الشباب والبنات السوفيات كانوا يتنافسون على شراء بنطال جينز عصري منا أو قميص مطرز وجميل.