الرئيسية » نشاطات الفيلية » لقاء مع د. مجيد جعفر

لقاء مع د. مجيد جعفر

لقاء أجرته في أواخر شهر آب( مجلة فيلي الشهرية) الصادرة عن(مؤسسة سفق للثقافة والاعلام للكورد الفيليين) في بغداد  مع د. مجيد جعفر ونشر في العدد 28 لشهر أيلول 2008

· قام النظام السابق بحملات ترحيل للكورد من أماكن سكناهم الأصلية إلى مناطق أخرى في جنوب ووسط البلاد ، الحكومة الحالية لا تؤيد بوضوح رجوعهم إلى أماكنهم السابقة ، ما الذي يجعل الحكومة مترددة في هذا الموضوع ؟

· قام النظام السابق بإعادة إسكان الكرد العراقيين اللاجئين في إيران العائدين إلى العراق بعد نكسة 1975 في مناطق الوسط والجنوب بمجموعات صغيرة ولم يسمح لهم بالعودة إلى مناطقهم الأصلية. كما قام بتهجير الكرد قسرا من ديارهم الأصلية إلى جنوب ووسط العراق خلال فترة تنفيذ برنامجه في الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والصهر القومي المعروفة بحملات الأنفال وقرار تصحيح القومية..

وتوقع الكرد تصحيح الأوضاع بعد سقوط النظام. ولكن رغم الاتفاقيات التي تم التوصل اليها في مؤتمر المعارضة العراقية في صلاح الدين ومؤتمر لندن قبيل سقوط النظام ورغم الدستور الذي حظي بموافقة 80% من المشاركين في الاستفتاء، هناك تردد وضعف أداء لدى الحكومة الاتحادية في هذا المجال. الأسباب التي تكمن وراء هذا التردد وضعف الأداء هي أسباب سياسية واقتصادية، ربما يكون من بينها عدم الرغبة في تغيير الأمر الواقع الذي خلقه النظام السابق في تبديل التركيبة السكانية للمناطق الكردية (التي اسميها مناطق المادة 140، بدلا من “المناطق المتنازع عليها” أو “المناطق المختلف عليها”، لان استعمال تعبير “النزاع” و”الخلاف” يعني ضمنا أن القوى الحاكمة ألآن تقبل بسياسة واجراءات النظام السابق في تغيير التركيبة السكانية لتلك المناطق والتي وقفت هذه القوى ضدها عندما كانت في المعارضة، وبأن النظام الحالي هو امتداد لذلك النظام ولذا فهو طرف في هذا “النزاع” و”الخلاف” ألآن، في حين أن التطهير العرقي والصهر القومي حصل باجراءات تعسفية من جانب واحد هو النظام الدكتاتوري المركزي، الذي كان قادة النظام الحالي أنفسهم ضده وضد اجراءاته عندما كانوا خارج الحكم.

ومن حق المرء أن يتساءل هنا هل بدأت اعادة نظر في المواقف واعادة اصطفاف سياسي بالنسبة لهذه القوى؟ وهل نرى الان البوادر الاولية لتكرار ألاسلوب الكلاسيكي القديم في التعامل مع الكرد وهو التظاهر بالتفهم وقبول الحقوق المشروعة حين تكون القوى السياسية ويكون السياسيون خارج الحكم ولكن بعد وصولهم الى الحكم وسيطرتهم الكافية على السلطة وتقوية سواعدهم ومراكزهم في السلطة يضربون التفاهمات والمطالب عرض الحائط ويفرضون على الكرد الامر الواقع ولو بقوة السلاح، ويتحولون من دعاة للتفاهم والتعايش والديمقراطية وانصار للدستور الى انصار فرض الامر الواقع واهمال أو تجميد الاتفاقيات (والدستور) أو اجزاء من الاتفاقيات (ومن مواد الدستور) بشكل انتقائي وأخيرا الى شن الحرب على الشعب الكردي وتدمير دياره. ونأمل ان القيادات الكردية استخلصت الدروس الكافية من هذه التجارب المتكررة والمريرة ولذا لديها خطوات بديلة مناسبة ولم تعتمد مرة أخرى كلية على “النوايا الحسنة”. وكلنا يعرف الويلات والخراب الذي جلبه هذا الاسلوب من التعامل على الشعب العراقي عامة والكردي خاصة، وكلنا يعرف ما آل اليه السياسيون الذين اتبعوا هذا الاسلوب. وقد يكون السبب ألأخر التلكؤ في تخصيص المبالغ المطلوبة في الميزانية لتغطية تكاليف “تطبيع الأوضاع” في تلك المناطق، إضافة إلى بقاء واستمرار سياسة “تحجيم” الكرد الموروثة من الانظمة السابقة (تريد أرنب اخذ أرنب، تريد غزال اخذ ارنب) وثقافة “الفرهود” و”الغنائم” (كما جرى في حملات الانفال في كردستان وللكرد الفيلية بعد اسقاط جنسيتهم العراقية وابعادهم عن العراق وخلال الحرب مع ايران وأثناء غزو الكويت) والتي لا زالت منتشرة بشكل واسع خاصة في اجهزة الدولة وهرم السلطة (فرهدة الاموال العامة التي تسمى “الفساد المالي”). إضافة إلى وجود قوى داخلية تريد إثارة الخلافات والتوترات لخلق عدم الاستقرار في البلاد. وينبغي عدم نسيان دور قادة وحكومات وأجهزة الدول الإقليمية وتدخلاتها العلنية والسرية وضغوطاتها المستمرة في هذا التردد خاصة تلك التي يسكنها الكرد.

· المرحلون الكورد تعرضوا إلى اعتداءات شتى على يد جلاوزة النظام السابق فضلاً عن مصادرة منازلهم وأراضيهم الزراعية وسرقة مواشيهم واعتبارها غنائم لمنفذي تلك العمليات ، تأخير القضايا المتعلقة بحقوق المواطنين أو تعليقها ، ألا تخلق خيبة أمل لدى المواطن بالدولة الجديدة ؟

· هناك اعتقاد واسع بوجود خيبة أمل منتشرة بين المواطنين العراقيين بشكل عام داخل العراق وخارجه بالدولة العراقية الجديدة وادائها مقارنة بتوقعاتهم بعد سقوط النظام السابق. وخيبة الامل هذه هي على اشدها لدى ضحايا النظام السابق ليس فقط بسبب عدم إعادة الحقوق المغتصبة إلى أصحابها بل بسبب عدم قدرة الدولة على السيطرة على ارهاب انصار النظام السابق وحلفائهم وعلى بسط الامن والاستقرار ومحاربة الجريمة وايقاف التدمير الذي لحق بالبنى التحتية واصلاح ما تم تدميره، إضافة إلى النقص في الخدمات العامة وعدم توفير ما يلبي الحاجات الحياتية الأساسيات (ماء وكهرباء ومحروقات) وانتشار سوء الإدارة والفساد المالي المستشري وغير ذلك.

خيبة الأمل كبيرة لدى ضحايا النظام السابق ومنهم الشعب الكردي بسبب عدم اصلاح ما خربه ودمره النظام السابق، وتنفيذ مواد الدستور بشكل انتقائي، واتباع سياسة التاجيل والتسويف والتماطل القديمة في تنفيذ مواد الدستور المتعلقة بالكرد، وعدم الالتزام في الواقع العملي بالاتفاقيات المبرمة. خيبة الامل على أشدها في صفوف شريحة الكرد الفيلية العراقيين بسبب عدم رد الاعتبار اليهم وعدم إعادة حقوقهم وعدم الكشف لحد الان عن مصير شهدائهم المغيبين ومكان رفاتهم وعدم اعادة ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة ووثائقهم وعدم تسهيل عودة الراغبين منهم إلى أماكن سكناهم الأصلية، بل اتخاذ خطوات خجولة وجزئية حول قضاياهم واتباع نفس اسلوب التسويف والمماطلة والالتفاف على قضاياهم وعدم انصافهم لحد ألآن.

يضاف إلى ذلك ان الدولة الجديدة وقادتها من عرب وكرد وباسم “المصالحة الوطنية” و”الانخراط في العملية السياسية” اعادوا عمليا الاعتبار لانصار النظام السابق حتى ممن حملوا السلاح ضد النظام الجديد، وفي نفس الوقت اهملوا ضحايا النظام القديم وارهابه بعد السقوط الذين أيدوا النظام الجديد ووقفوا معه. وساهم هذا الواقع ايضا في خيبة الامل، التي نلاحظها في التقارير التي تشير إلى قلة الاقبال على التسجيل لانتخابات المحافظات، بالرغم من أن الأوضاع الامنية هي افضل نسبيا ألآن مقارنة بالانتخابات السابقة والاستفتاء السابق. وهذا الوضع هو لصالح انصار النظام السابق الذين تسللوا إلى قمة السلطة (كما صرح د. فؤاد حسين) والذين يحيكون المؤامرات ويهددون مجمل العملية السياسية (كما قال السيد جلال الدين الصغير في خطبته الاخيرة) من اجل العودة إلى السلطة من جديد. والامر الذي يجب ان يذكر هنا هو لو كان الأمر كذلك، فيتطلب ذلك من جميع الاطراف التي لم تتغير مواقفها توخي الحيطة والتصرف بحكمة وتروي لتفويت الفرصة على من يريد افشال مجمل العملية السياسية والنظام الديمقراطي الاتحادي (الفدرالي)، سواء في داخل العراق او من وراء الحدود، باساليبهم الملتوية وغدرهم المعروف ومحاولاتهم تفريق صفوف الحلفاء ليسهل عليهم ضربهم والغدر بهم كل على حدة، كما فعلوا في السابق ليس فقط ضد خصومهم (الزعيم عبد الكريم قاسم في انقلاب 8 شباط 1963 الحزب الديمقراطي الكردستاني بعد اتفاقية آذار 1970 والحزب الشيوعي العراقي فيما بعد) بل حتى ضد شركائهم وحلفائهم أيضا (في انقلاب 17 تموز 1968).

· صاحبَت المرحلين عن منازلهم وأماكنهم الأصلية عذابات كبيرة منها حرمانهم من أعمالهم ووظائفهم والتي أدت إلى صعوبة العيش وتخلي بعضهم عن دراساتهم وطموحاتهم فضلاً عن وفاة الكثير منهم بسبب عدم تحملهم المهانة والمذلة ، كيف يمكن تعويضهم لما لحق بهم ظلماً ؟

· العذابات النفسية والمعاناة الجسدية وفقدان الأحبة والحرمان من الدراسة وضياع كل هذه السنوات الطويلة من العمر لا يمكن أن تعوضها دولة العراق وسيبقي هذا الظلم والتعسف صفحة سوداء حالكة في تاريخ هذه الدولة.

إلا ان دولة العراق تستطيع على الاقل أن تعيد إليهم الاعتبار السياسي والقانوني والدستوري لتثب عمليا أنها ملتزمة، فعلا وليس قولا فقط ، بقيم العدالة والحق والإنصاف. وتستطيع الدولة أيضا، بعد توفر الإرادة الحقيقية لدى قادتها، أن تعوضهم بقطع أرض سكنية ومنح مالية لبناء دور عليها وإعطائهم أو ورثتهم راتب تقاعدي يضمن لهم عيشا كريما وتقديم التسهيلات لمن يرغب منهم في إتمام دراسته أو البدء في العمل. وهذا أمر ممكن على ضوء ضخامة واردات الدولة ألآن.

· البعض يسمي عملية إعادة الكورد إلى أماكنهم الأصلية بالتكريد ، من الذي برأيكم يستفيد من خلق الفتن ، وما الدور الذي يقع على عاتق المثقف لكشف زيف هذه الكلمات ؟

· تسمية عملية عودة الكرد المهجرين والمرحلين قسرا إلى ديارهم بالتكريد ينم عن ميول توسعية عدوانية وعن عقلية “الغنائم” وثقافة “الفرهود” وهضم حقوق واستحقاقات الآخرين يعبر عنها المثل العراقي القائل “مالي مالي، أو مال الناس هم مالي”. فعلى المستوى الفردي يعاقب القانون أي شخص يستولي عنوة على أموال وممتلكات واراضي شخص آخر، ولكن يوجد البعض (من أصحاب الميول التوسعية وثقافة الفرهود وعقلية الغنائم) الذي يدافع عن مثل هذه الفعل (الاستيلاء عنوة بدون اساس قانوني وبدون تعويض) ويبرره إذا حصل من قبل الحكومة ضد مجموعة سكانية باكملها بشكل جماعي (كما جرى للكرد عامة والكرد الفيلية خاصة) ويعتبره امرأ اعتياديا ومقبولا.

فالكرد لم يستوطنوا ديار الغير بل هم ضحايا استيطان الآخرين في ديارهم بعد أن تم قتل قسم منهم في حملات الأنفال أو تم تهجيرهم قسرا من ديارهم وإعادة إسكانهم في أماكن أخرى من قبل النظام السابق، بهدف صهرهم قوميا في عملية تطهير عرقي واسعة (الانفال، قرار اسقاط الجنسية، قرار تصحيح القومية، قرار مصادرة الممتلكات المنقولة وغير المنقولة…الخ، اخذ الغنائم وسبي النساء – كما فعلت قوات النظام بتشجيع من السلطة في كردستان اثناء حملات الانفال وغيرها وفي الجنوب اثناء الانتفاضة الشعبانية وفي ايران خلال الحرب وفي الكويت خلال الغزو) ثم استقدام آخرين ليستوطنوا تلك الديار. وعودتهم إلى ديارهم الأصلية ليس سوى رجوعهم إلى مناطقهم وبيوتهم ومزارعهم، وهذا هو منطق الحق والعدالة وليس تكريدا لأنهم لا يعودون إلى ديار غيرهم بل إلى ديارهم الأصلية والى بيوتهم العائدة لهم أصلا وليس إلى بيوت الآخرين.

هناك دائما “مثقفون” على استعداد للتنظير لكل حالة مهما كانت سيئة ولكل موقف مهما كان متطرفا أو خاطئا بسبب الميول التوسعية وثقافة الفرهود وعقلية الغنائم والمصالح الفئوية الضيقة، من الذين خبرنا أمثالهم زمن الدكتاتورية (“وعاظ السلاطين”)، “مثقفون” صوروا الاندحار انتصارا، والخسارة ربحا، والظلمات نورا. وهناك الان البعض ممن يحاولون تصوير تصحيح جرائم النظام السابق في التطهير العرقي والصهر القومي وكأنه “تكريد” في حين أن الكرد ليسوا بحاجة الى تكريد ما هو كردي اصلا.

ولكن المثقف الموضوعي المنصف يرى خطأ هذه التعابير والكلمات والطروحات ويستطيع أن يساهم في توضيح مراميها السياسية واهدافها الاقتصادية ومنطلقات المروجين لها، وذلك بتوضيح الإحداث التاريخية كما هي بشكل موضوعي بعيدا عن التزييف والتطرف والمبالغة.

· بعض قوانين النظام السابق المتعلقة بالشأن الكوردي ما زالت الحكومة الجديدة تعتمدها ، بماذا يمكن أن يفسر ، هل الهدف من التغيير هو استبدال النظام والرموز فقط ؟

· الذي توقعته الغالبية العظمى من العراقيين كان تغيير النظام لا الحكومة فقط. تغيير النظام يعني تغيير هيكل وبنية الدولة ومؤسساتها وأفكارها وعلاقة الدولة مع المواطنين، أي تغيير هرم السلطة من القمة إلى القاعدة وعلى مختلف المستويات. ولكن الذي حصل مع الأسف كان تغييرا سريعا في قمة الهرم والإبقاء على بقية المستويات حتى القاعدة أو تغيير بطيء جدا وجزئي وانتقائي مصلحي فيها. وهذا معناه استمرار العقلية والممارسة القديمة. لذا لا نرى حصول تغيير كبير أو جذري في القوانين أو في علاقة أجهزة الدولة مع المواطنين، بل نرى التزاما بقوانين النظام السابق سواء كانت تلاءم الأوضاع الجديدة أم لا. إضافة إلى ذلك فمناورات ومراوغات انصار النظام السابق، وحلفائهم الجدد، الذين فقدوا امتيازاتهم، ترمي إلى إعادة الأمور إلى سابق عهدها بغطاء مختلف لعلمهم أن النظام الحالي لا زال هشا وغير مستقر ويمكن ألتأثير عليه بمختلف الوسائل المتاحة والطرق التآمرية. لذا نسمع بين الحين والآخر كلاما جميلا وقليل من الفعل والتطبيق حول قضايا كثيرة تتعلق ببنية وهيكلية الدولة وبقضايا الكرد بشكل خاص. كما نلاحظ كثرة اللجوء إلى التسويف والتأجيل والتماطل حول هذه القضايا ربما بأمل نسيانها بفعل عامل الزمن وتأثير التطورات المستجدة على الساحة والابقاء على الأمر الواقع في النهاية. وينبغي ان لا ننسى الدور السلبي لحكومات الجوار التي لا تريد ان ترى في العراق دولة ديمقراطية اتحادية مستقرة يعيش مواطنيها في حرية ومساواة وفي سلام ووئام. وتجب الإشارة هنا أيضا إلى واقع انشغال الذين بيدهم السلطة ألآن في ترصين مواقعهم وسلطتهم ونفوذهم وجني الثمار الناتجة عن كسبهم للسلطة لضمان مصالحهم وامتيازاتهم الجديدة.

· خمس سنوات ونصف مضت على سقوط النظام السابق والمُرحل مازلت قضيته لم تحل بشكل عادل ، ما هي القضايا التي تعتقدون أنها أهم من معاناة المواطنين والتي تستوجب على الحكومة أن تهمل وتؤجل هموم المواطنين ومشاكلهم ؟

· لا نرى لحد ألان في الواقع العملي حلولا متكاملة ومنصفة ضمن السقوف الزمنية المتفق عليه لما أنزل على الشعب الكردي من مظالم وما اصاب كردستان من تدمير وخراب رغم مرور خمسة سنوات على سقوط النظام السابق المسئول عنها، ورغم الاتفاق على الخطوط العامة لمثل هذه الحلول في الدستور وفي الاتفاقيات السياسية التوافقية التي تم التوصل اليها قبل سقوط النظام أو في ظل النظام الحالي لم يتم لحد الان حل القضايا الاساسية العالقة.

· المادة 140 تضم علاجات بسيطة للمرحلين ولكن الغريب فيها تمنح القادمين برغبة الاستفادة من الامتيازات التي قدمها النظام السابق ، اليوم مبلغاً مضاعفاً عن المرحلين المتضررين ، متى يدرك الساسة العراقيون معنى العدالة ، وهل هذه هي العدالة التي لا تفرق بين العراقيين ؟

· المستقدمون إلى المناطق الكردية (مناطق المادة 140) حصلوا على الأموال والتسهيلات اللوجستية والبيوت والمزارع والأسلحة من النظام السابق الذي جلبهم إلى هناك بعد تهجير وقتل وسبي أهلها. وألان يحصلون على الأموال والمحفزات الأخرى لترك تلك المناطق والرجوع إلى مناطق سكناهم الأصلية أو الى مناطق أخرى، في حين لا يحصل المهجرون قسرا من هذه المناطق وورثة الذين قتلوا لا على تعويضات عما خسروه من بيوت واراضي ومواشي ومزروعات وغيرها ولا على مساعدات أو تسهيلات للرجوع إلى ديارهم وبيوتهم ومزارعهم. وهذا معناه الكيل بمعيارين. ومع ذلك يتكلم بعض ساسة العراق الملتزمين بسياسة “الامر الواقع” عن العدالة والمساواة والإنصاف وعن كون العراقيين جميعهم سواسية!

المادة 140 من الدستور العراقي تثير الكثير من التفكير والتساؤلات حول “الثقافة السياسية” في بلدنا العراق. فرغم كونها مادة دستورية جرى حولها توافق سياسي ووافق على الدستور أكثر من 80% من المصوتين في استفتاء عام علني، هناك ضعف وتلكأ وفقدان ارادة في الالتزام بها وتنفيذها، وهناك انتقائية صارخة في تنفيذ مواد الدستور، فبعض المواد تنفذ بعجالة في حين تهمل مواد أخرى في حين ان الدستور كل متكامل ومترابط (مثل الذين يقولون “ولا تقربوا الصلاة”، ثم يهملون بقية الاية الكريمة). والتساؤلات التي تثيرها تتعلق بمدى التزام الساسة الجدد بما يتفقون عليه علنا وعلى ما هو مصادق عليه من قبل الغالبية العظمى من الشعب العراقي. والملاحظ هو ان بعض القوى في الحكومة تنفذ مواد الدستور بشكل انتقائي، فنراها تنفذ ما تريد وما يخدم مصالحها في بسط سلطتها ونفوذها من مواده بشكل اعتيادي وبسرعة وتلجأ إلى التسويف والتاجيل والتعثر بالنسبة لمواد اخرى لا تريدها ألآن. ونرى في هذه الانتقائية والتسويف والتاجيل والمماطلة بوادر ربما تعبر عن اعادة اصطفاف بين القوى السياسية حول بعض مواده، المادة 140، للتمكن من افراغها من محتواها والغائها في نهاية المطاف والمتعثرة وشبه “المجمدة” في الواقع العملي بمختلف الذرائع.

وهناك بوادر تنم عن استعداد عند بعض الاوساط الحاكمة لتحريك القطعات العسكرية بذريعة تطبيق الدستور. لماذا هذا الاستعجال والاصرار على تطبيق أجزاء من الدستور (تحريك القطعات العسكرية الى مناطق آمنة واجراء انتخابات المحافظات في موعدها خلال هذه السنة) وفي نفس الوقت اهمال وتسويف وتماطل في تطبيق اجزاء اخرى من نفس الدستور (المادة 140 مثلا)؟ هذا تكتيك وامثاله خبره الكرد قبلا وليس بالجديد عليهم، كما حصل مثلا مع اتفاقية آذار 1970 وقبلها وبعدها.

ونأمل مرة أخرى ان القيادات الكردية قد استخلصت من تلك التجربة الدروس والعبر الكافية (خطر التاجيل وعدم وضع البدائل والخطوات الاحترازية). ولدي شكوك بان ما يسمى بـ”أزمة” خانقين كانت “بالون اختبار” لجس نبض القيادة الكردية وردود فعلها حول تحريك القطعات العسكرية الى هناك أولا ثم الى مناطق المادة 140 الاخرى للوصول أخيرا الى كركوك، الهدف الحقيقي الاساسي لهذا التحرك، بالالتفاف على المادة 140، ووضع القيادة الكردية أمام الامر الواقع. ومن المؤكد ان القوى السياسية الكردية منتبه لضرورة التماسك ووحدة صف والحذر من محاولات خلق الخلافات فيما بينها.

وينبغي أن لا ننسى هنا أيضا التدخلات العلنية والمتسترة، المباشرة وغير المباشرة، لقادة وحكومات وأجهزة الجوار (خاصة التي يسكنها كرد) حول هذه المادة وحول كركوك والفدرالية والعملية السياسية برمتها وعملية الانتقال من الدكتاتورية الشمولية باتجاه الديمقراطية الحقيقية والتحول من الدولة البوليسية الى المجتمع المفتوح.

· إذا عاد المرحلون الكورد إلى مدنهم هل ستفقد تلك المدن عراقيتها ، أليسوا هم عراقيون ؟

· الحقيقة الواضحة هي إن أحدا، حتى النظام السابق وأنصاره، لم يشكك قبلا في عراقية الكرد في العراق، ولم يشكك أحد قبلا في كون ديارهم ومدنهم وقراهم هي ديار ومدن وقرى عراقية تقع ضمن الحدود السياسية للعراق. ولكن يبدو أن بعض العقول التوسعية الاستيطانية ومن اصحاب ثقافة الفرهود والغنائم و انصار الدولة المركزية قد تفتقت عن بدعة جديدة ذات مرامي سياسية واقتصادية واضحة تقول أن تطبيع أوضاع مناطق المادة 140 وعودة الكرد المرحلين إليها سيفقدها عراقيتها، وكأنهم يقولون أن المناطق الكردية ليست عراقية أو تقع خارج الحدود السياسية للعراق. فهل هذا ما يقصدون؟ أم أن قصدهم الحقيقي هو ان ولاء الكرد ليس للعراق؟ واذكر القارئ هنا بتصريحات قبل فترة ليست بالطويلة صدرت عن بعض الحكام العرب (الذين أقلقهم سقوط النظام الدكتاتوري المركزي السابق وأثار قلقهم أكثر البدء باقامة نظام ديمقراطي اتحادي محله) بأن ولاء العرب الشيعة العراقيين ليس لوطنهم العراق وانما لدولة مجاورة (ايران)! وقبلها قام النظام الدكتاتوري السابق، وبنفس التهمة، باسقاط الجنسية العراقية عن حوالي المليون عراقي من أهل العراق، أغلبيتهم الساحقة من الكرد من حملة الجنسية العراقية، وابعادهم عن وطنهم العراق بقرارمجلس قيادة الثورة رقم 666 لسنة 1980 (“تسقط الجنسية العراقية عن كل عراقي …اذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب … الخ). والآن نسمع تكرار نفس الاقاويل البالية بصيغة مختلفة. فالمناطق والمدن والقرى الكردية هي حسب نصوص الدستور والقوانين النافذة مناطق ومدن وقرى عراقية سواء كانت تقع إداريا ضمن حدود إقليم كردستان ألآن أو خارج الإقليم. والاقليم هو جزء من العراق يقع ضمن الحدود السياسية للعراق وغير منفصل عن العراق. لذا فان هذا التشويش والخلط المتعمد بين التقسيمات الإدارية الواقعة داخل حدود العراق وبين الحدود السياسية للعراق كدولة، له مرامي سياسية توسعية استيطانية ومطامح اقتصادية واضحة، وهي الاستيلاء عنوة وبقوة السلاح على ممتلكات وبيوت واراضي ومزارع الاخرين ظلما وعدوانا خاصة اذا كانت غنية.