الرئيسية » مقالات » تداعيات القوقاز ..تحولات إستراتيجية في الوضع العالمي

تداعيات القوقاز ..تحولات إستراتيجية في الوضع العالمي

ليلة الثامن من آب (أغسطس) الماضي، تساءَل الرئيس الجورجي ساكاشفيلي بمرارة : «أين أميركا؟ أين العالم الحر؟». وهي الليلة التالية لفشل هجومه الوحشي والتطهير العرقي من قبل جنوده في أوسيتيا الجنوبية، الهجوم الذي دمر عاصمتها تسيخنفالي وحولها إلى أطلال ورماد، حارقاً أيضاً أكثر من مئة قرية، مشاهد مريعة لن تمحى من الذاكرة.
من المؤكد أن روسيا ليست بحاجة إلى انتصار على دولة ثانوية بحجم جورجيا، بيد أن ساكاشفيلي المبرمج أميركياً وإسرائيلياً، وهو المحامي الأميركي من أصول جورجية، سبق له أن صرح بالقول: « أعتقد أن إسرائيل أدت دوراً كبيراً بتزويدنا بالسلاح والذخائر، وأن على إسرائيل أن تفتخر بخبرائها العسكريين الذين دربوا جنودنا»، أكثر من ألف خبير. مضيفاً «إن الإسهام الإسرائيلي الأعظم في جورجيا يتمثل بتسليم وزيرين إسرائيليين حقائب في الحكومة الجورجية، وزارة الدفاع، ووزارة المقاطعات»، أما الدور المناط به في القوقاز سبق وأن أشار له بريجنسكي (الأميركي- البولندي) في مقدمة كتابه «رقعة الشطرنج» الصادر في 2004، وهو المشهور في تطرفه وعدائه للروس وروسيا، بالقاعدة التي أطلقها «إن مفتاح التحكم في يورو- آسيا يكمن في السيطرة على جمهوريات آسيا الوسطى».
من زاوية معينة فإن ساكاشفيلي، يعبر عن الدور المناط بجورجيا في إطار الإستراتيجية الأميركية، في المنطقة التي طالما وصفتها مراكز البحث في واشنطن بأنها خطيرة، وقد جاء هجومه المريع في الوقت التي مُنيت به هذه الإستراتيجية بنكسات كبيرة في غير مكان، والتشبيه الأدق ليس «رقعة الشطرنج» فهي بحسب واشنطن أشبه بـ«لعبة الدومينو»، ما إن تهاوى حجر حتى تهاوت سائر الأحجار. أما السبب؛ فهو لولا الإدمان الأميركي على النفط، لما اهتم أحد في الغرب بساكاشفيلي، وحتى بجورجيا ذاتها. وقد كان السبب ذاته الذي دفع إدارة بوش من خلف المحيط، لتغزو العراق من دون أي مسوغ قانوني أو دولي، بل وفق ذرائع ثبت كذبها. القوات التي حملت معها جيوش صديقة، وشكلت قوات ساكاشفيلي العديد الثالث بعد أميركا وبريطانيا.
صرخة ساكاشفيلي المريرة «أين أميركا؟»؛ معبرة عن الضوء الأخضر الأميركي، ففي شهر تموز (يونيو) الماضي، زار مساعد وزير الخارجية الجورجي ماموكا موجيلي العاصمة الأوكرانية كييف، وصرح خلالها: «إن القوات الجورجية جاهزة للهجوم على أبخازيا واوسيتيا الجنوبية»، وبذات الشهر زارت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس العاصمة الجورجيا تبليسي وقدمت التأييد للمشاريع السياسية، واستبق الشهر المذكور أن قامت مناورات مشتركة أميركية وجورجية، واتُخذ قرار بمضاعفة وجود القوات الأميركية هناك لتصل إلى خمسة آلاف جيدي.
في الضوء الأخضر الأميركي؛ اتهمت مجلة «نيوستيتمان» البريطانية صراحة ًًالمحافظين الجدد، وديك تشيني نائب الرئيس الأميركي، وإسرائيل في الدخول بهذه «المغامرة العبثية»، وقد بات دور إسرائيل مكشوفاً ومعلناً، وبسببٍ من موقف موسكو من قضية الشرق الأوسط، أي موقفها من قرارات الشرعية الدولية الداعية إلى إنهاء احتلالها للأراضي العربية.
من الجدير التذكير؛ أنه فيما لو نجحت حملة التطهير الإثني الجورجية لتحقيق وحدتها العرقية، فالحملة ذاتها ستطال لاحقاً عموم الأقليات الموجودة على الأراضي الجورجية، فهي في التوظيف الأميركي – الإسرائيلي؛ وفي الإستراتيجية الأميركية بالذات، تبدو كصياغة لأن تلتحق جورجيا بحلف الناتو، في منطقة «أزمات نائمة»، لكن نتيجة الحسم الروسي قد حولها ـ جورجيا ـ إلى عبء عسكري، مصحوبةً بحروب كامنة فيها ذاتها، أي داخل التربة الجورجية.
ومن المهم الإعادة للأذهان؛ بأن القرار بشأن استقلال اوسيتيا الجنوبية، قد وقع إثر نتائج الاستفتاء الشعبي في هذا الإقليم، وسبق وأن أعلن عن هذا القرار الشعبي في 29 أيار (مايو) 1992، أي قبل اعتراف الدول الغربية بجورجيا دولة مستقلة، بل قبل قبولها عضواً مستقلاً في الأمم المتحدة. وفي ذات العام جرى توقيع الاتفاق في مدينة داغوميس الروسية، والذي سمّي باسمها، وبموجبه ومنذ ذلك التاريخ دخلت قوات السلام الروسية إلى المنطقة لوقف الحرب الأهلية والتطهير العرقي من عام (1989-1992)، وهي القوات التي استهدفها الهجوم الجورجي المباغت. وسبق وأن تكرر التطهير العرقي في صيف عام 2004، حين استخدم نظام ساكاشفيلي المدفعية الثقيلة ضد اوسيتيا الجنوبية، حتى تدخلت القوات الروسية (السلام) هناك. ودون الغوص في التاريخ، فالمشروع الجورجي قديم، ويعود إلى القرن الماضي، حين قامت أول إبادة جماعية في اوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، إبان حروب التدخل الغربي ضد دولة الثورة الروسية الفتية(السوفييت) ما بين أعوام (1918-1920).
وعلى سبيل المثال، في شهادات الضوء الأخضر الأميركي، كتب الصحفي الأميركي المخضرم مايكل دوبس؛ الموصوف بالخبير في الشؤون الروسية، في «واشنطن بوست» في وصف ما حدث: «ليلة السابع من آب (أغسطس)، أصدر ساكاشفيلي أمراً بقصف تسيخنفالي بوابل من نيران المدفعية، كما أرسل طابوراً مدرعاً لاحتلال المدينة، وعلى ما يبدو أنه حين فعل ذلك، كان يأمل أن يوفر الدعم الغربي، الحماية من انتقام روسي كبير، وكان ذلك خطأً فادحاً في الحسابات».
جوهر المهمة هي توسيع الناتو شرقاً، عبر لعبة «الدومينو» التي تعني تفجير «الأزمات النائمة»، أما الهدف فهي نظرية «الاحتواء» لروسيا، وهي امتداد للحرب الباردة، لكنها انطلقت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، النظرية التي أوجدتها مجموعة جورج كينان، الذي يلقب بالأب الروحي لها، وقد ضمت المجموعة العديد من المرموقين في المؤسسات والسياسة الخارجية الأميركية. تقوم فرضيتها على استخدام الناتو في البلطجة والتوسع، وهي امتداد لقانون «جاكسون – فانيك»، والذي لم يلغي بعد زوال السوفييتي، والنظرية «الاحتواء» تقوم على فرضية شوفينية قوامها «إن روسيا دولة عدائية بطبيعتها». لقد صرف الغرب القرن العشرين بأكمله في محاولة احتواء روسيا، وبعد زوال الاتحاد السوفييتي دشنت واشنطن «النظام العالمي الجديد»، ثم افتتحت القرن الجديد باحتلال العراق، ومذابح بشرية في غير مكان من هذا العالم، وافتعال الأزمات للدول.
إثر المغامرة الجورجية الفاشلة قدم الرئيس بوش ووزيرة خارجيته رايس وعوداً بـ«عزل روسيا»، كما أطلق بعض السياسيين الأميركيين تصريحات يهددون فيها بطردها من مجموعة الدول الثماني الكبرى، وبإلغاء «مجلس روسيا- الناتو» وإبقائها خارج منظمة التجارة العالمية، واستبق هذا كله الرد الروسي عبر الرئيس ديمتري ميدفيديف بالقول تعليقاً على هذه الجعجعة: «إن روسيا لا تخشى نشوب حرب باردة جديدة، وستفعل ما في وسعها لتجنبها، الكرة في ملعب الأوروبيين، إذا أرادوا تدهور هذه العلاقات، فسيحصلون عليه بالتأكيد». وكشفت موسكو مواصلة واشنطن توريد الأسلحة إلى جورجيا، تحت ستار نقل مواد الإغاثة، عبر إحدى مدمراتها البحرية، الأمر الذي اضطر الإدارة الأميركية إلى إلغاء مهمتها، تفادياً لعواقب أوخم، وقامت موسكو بتعليق تعاونها مع الأطلسي في مجالات عدة، وأرجأت زيارة الأمين العام للناتو، والتي كانت مقررة لروسيا في تشرين (أكتوبر) المقبل. في النتائج تبرز تصريحات القيادة السياسية الروسية، معلنةً انتهاء حقبة النظام العالمي الجديدة، أي النظام الأميركي الأوحد والذي ظهر في تسعينيات القرن الماضي، ما بعد الحرب الباردة. فالحرب في القفقاس قد رسمت الخطوط الحمر، وتأذن بما نجم عنها بعودة روسيا بقوة لمسرح الأحداث الدولية، معلنةً أنها قوية بما يكفي عسكرياً واقتصادياً، وأن قيادتها الراهنة مؤيدة تماماً من شعبها. أما أهم الرسائل فهي امتلاكها الأوراق السياسية الدولية العديدة، بل وفي الاستخلاصات البليغة لصرخة ساكاشفيلي المريرة، هي من التاريخ، للتابعين للسياسة الأميركية، خاصةً في دول البلطيق وغير مكان في هذا العالم، مفادها أنه سبق لأميركا أن تخلت عن حلفائها والأمثلة كثيرة، بدءاً من المنشقين الكوبيين، الذين دفعت بهم إلى خليج الخنازير الشهير في كوبا نحو مصيرهم، والعديد من الأمثلة تَعٍظُ مَنْ يتعظْ، لو أطل عليها ساكاشفيلي؛ لما كان أطلق صرخته المريرة، ولعل رئيس الوزراء الروسي بوتين قد أجاب عليه بالقول: «مهما حصل ومهما قيل، الحقيقة إلى جانبنا، نحن نتصرف بطريقة أخلاقية تماماً، وبما يتفق مع القانون الدولي الساري».
*كاتب فلسطيني